الدرس في كتاب الوصية 8، تابع باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث ابن عباس الذي يروي رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة كتاب لصحابته، واستخلص منه مسائل تتعلق بمشروعية كتابة الوصية. وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا فيه خير إلا وبلغه لأمته.
شرح أهمية الوصية وأحكامها كما وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبين مشروعية تحويل الوصية المكتوبة إلى ملفوظة والحجر على الموصي إذا كان غير معصوم، ويفند ادعاءات الرافضة بأن الحديث يدل على وصية النبي لعلي بالإمامة.
يناقش ادعاء الرافضة أن النبي أوصى لعلي بالإمامة مستدلين بأحاديث ضعيفة، ويبين أن الوصية المذكورة في الحديث الصحيح هي حول كتاب الله وأحكام أخرى، ويشير إلى أهمية اتباع النصوص الصريحة في الكتاب والسنة والاقتداء بالصحابة الكرام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لا تظلوا بعده. فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تظلوا بعده، ومنهم من يقول: غير ذلك. فلما أكثروا اللغوة والاختلاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا. قال عبيد الله الراوي: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم». أخرجه البخاري بكتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث وختم به هذا الكتاب، كتاب الوصية. والشاهد منه، كما نرى، ذكر الكتاب الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب، فإنه أراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس بعده. وهذا يدل على مشروعية الوصية، وكذلك مشروعية تركها. ففيه من المسائل فيما يتعلق بالوصية خمس مسائل. المسألة الأولى: مشروعية كتابة الوصية، وسبق معنا أدلة تدل على هذه المسألة. والمسألة الثانية: مشروعية ترك كتابة الوصية، فلا يلزم كل أحد أن يكتب وصية. وفيه من المسائل كذلك مشروعية كتابة الوصية فيمن ليس عنده مال، ولا يتعلق بكتابته حق من الحقوق الحسية، جمعا بين هذا الحديث وما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها وابن أبي أوفا. وفيه من المسائل كذلك مشروعية كتابة الوصية وتركها، إلى أن تكون غير مكتوبة بأن يكون ذلك لفظا، يعني لو شرع الإنسان في الوصية وتركها لم يكن ذلك تفريطا ولا تضييعا إذا اقتضى المقام ذلك. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. وفي هذه المسألة خلاف واسع كبير كثير، اختلف فيه أهل العلم. ذكر الإمام النوي رحمه الله أن هذه الرواية هي الرواية الأصح، وأن الروايات الأخرى لو صحت لحملت على أن ذلك بحسب فهم الصحابة الذين قالوا ذلك، وهو خطأ منهم وليسوا بمعصومين. وذكر نحو هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه المنهاج في ثنايا رده على الرافضة، لأن الرافضة لهم شبهة في هذا الحديث. والخلاصة كما سمعنا: النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمر بالكتابة لما رأى اختلافهم، فأحب أن يجتمعوا ولا يختلفوا. ولكن الصحيح أنه لم يترك شيئا فيه خير لهذه الأمة إلا وبلغها إياها. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن ما أراد كتابته تلفظ به عليه الصلاة والسلام. ومنها الوصايا الثلاث التي مرت معنا في نفس الحديث، نفس حديث ابن عباس، فإنه لم يكتبها، لكنه أوصى بها ملفوظة. وهي إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وإمضاء جيش أسامة. وإنفاذه على قول، وعلى القول الآخر أن لا يتخذ قبره عيدا عليه الصلاة والسلام. وكل هذين المعنيين جاءت فيه أحاديث صحيحة. وسواء كان الأول والثاني، فكله حق، وكله أوصى به عليه الصلاة والسلام في مرض موته. وإذا تأملنا هذه الخصال، وجدنا أن فيها سببا لعصمة هذه الأمة وحصول الهداية لها. فإخراج المشركين من جزيرة العرب، كما تقدم، فيه مصالح كثيرة وتندرئ به مفاسد كثيرة. وإجازة الوفد كذلك فيه من التأليف وبقاء الألفة والاجتماع والخير ما يكون سببا في قوة المسلمين. وكذلك إنفاذ الجيش، جيش أسامة، كان فيه الخير الكثير، حتى إنه مع حصول الردة لا يمر الجيش على طائفة فيردهم إلى الحق ويرجعهم إلا وقالوا: جيش مثل هذا يخرج لا يدل ذلك على ضعف. فكان ذلك سببا في الرجوع الكثير بعد ردتهم. وهكذا ألا يتخذ قبره عيدا حماية لحمى التوحيد، وألا يغلو فيه عليه الصلاة والسلام فيكون ما كان في الأمم السابقة. فإذن الوصية وإن لم تكتب فقد قالها عليه الصلاة والسلام. ففيه مشروعية تحويل الوصية المكتوبة إلى ملفوظة، وأن ذلك مما يجوز. ومن أحكام الوصية: وفيه كذلك من المسائل مشروعية الحجر على من ليس بمعصوم إذا دلت القرينة أنه تكلم بما ليس بحق، فإنه يحجر عليه. فهذا الحديث فيه دليل على ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم حين ترك الوصية كان في هذا إقرار لأصل المسألة. وإن كان هو عليه الصلاة والسلام معصوما، لكن غيره عليه الصلاة والسلام هل هو معصوم؟ الجواب: لا. فإذن يجوز أن يحجر على المريض في مرض الموت، ومن اشتد به مرضه فظن أنه يقول غير الحق أن يحجر عليه في وصيته. وقد مر معنا قريبا في كلام شيخ الإسلام في الاختيارات الفقهية ما أشار إليه من كلام أهل العلم في الحجر على الموصي في المرض المخوف. وهكذا كذلك فيه من المسائل المتعلقة بالوصية الإشهاد على الوصية، سواء كانت مكتوبة أو ملفوظة، فإنه كان في المجلس رجال، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هؤلاء ممن يشهد هذه الوصية فيبلغها. فيشرع لمن أراد أن يوصي أن يوصي إذا كان مكتوبا بشهود، أو ملفوظا في حضور من ينقل هذه الوصية ويحفظها. وفي الحديث مسائل أخرى من أهم هذه المسائل في هذا الحديث تكذيب للرافضة الذين استدلوا بهذا الحديث على شبهتهم الباطلة. والحديث حج عليهم وليس لهم في الحقيقة، فقد زعموا بما في هذا الحديث أن فيه إرادة النبي صلى الله عليه وسلم بالوصية لعلي. وبه كذلك طعنوا في عمر رضي الله عنه أرضاه، لأنه جاء في رواية لمسلم أن أحد المانعين هو عمر رضي الله عنه، يعني خشي أن يكون الوجع قد غلب على النبي عليه الصلاة والسلام. وعمر بشر يصيب ويخطئ. هذا إذا قلنا إنه أراد عين هذا اللفظ. على أن بعض أهل العلم وجه أن قول من قال: ولو كان منهم عمر «أهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم» على وجه الاستفهام لا على وجه إثبات هذا الأمر، يعني يستفهم هل هذا الكلام يقوله وهو مقصود؟ وعلى هذا فيكون قولهم بعد ذلك: «قد غلبه الوجع وعندكم القرآن» يعني لا تشقوا على النبي عليه الصلاة والسلام، فعندكم القرآن. وقد قال الله عز وجل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ففيه ما يغني. فليس معناه الاعتراض على النبي عليه الصلاة والسلام. فضاء عمر معروفة. فالاستدلال بهذا الحديث على الطعن بعمر من الرافضة استدلال باطل، فإنه ليس فيه مطعن أبدا على عمر رضي الله عنه، ولا على من كان موقفه كموقف عمر في هذا الحديث. وعمر له الفضائل المعروفة الكثيرة في السنة. وكذلك استدلالهم أن فيه الوصية لعلي بالإمامة، وهذا كذلك كذب على الله وعلى رسوله وعلى الصحابة. فلم يوص النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، ولو أوصى لظهر ذلك. بل علي رضي الله عنه لم يدع ذلك، فضلا عن غيره من الصحابة. حتى إن عليا رضي الله عنه حين ذكر في بعض الحديث كما مر معنا في حديث عائشة أنه أوصي إليه بوصية، فقالت عائشة: متى أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فذكر الحديث الذي تقدم معنا. ليس مراد علي أنه أوصى بالإمامة. فهم استدلوا بهذه العمومات الصحيحة وأضيف إليها أحاديث مكذوبة ضعيفة يرويها الرافضة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالإمامة. ولم يصح في هذه الأحاديث شيء، بل كلها ضعيفة مكذوبة من صنيع أيدي الرافضة، كذبوا بها على النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته وعلي رضي الله عنه وآل بيته. فعلي رضي الله عنه إنما أراد بالوصية الصحيفة التي جاء ذكرها في صحيح البخاري وغيره، حين سئل علي رضي الله عنه: هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: بكتاب الله وما في هذه الصحيفة. قالوا: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ثلاثة أشياء كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيفة. وليس فيها الوصية لعلي بالإمامة أبدا. فادعاؤهم بتلك الدعوة هو من أبطل الباطل، وتعلقهم بهذا الحديث من التعلق بالمتشابه. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وهذا الموضع بيّنه العلماء، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الإجابة على الرافضة في كتابه «منهاج السنة» في هذا الحديث وتبيين ما يتعلق به الرافضة وبيان كذبهم في ذلك. وفيه من المسائل كذلك عصمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد تبين بهذا الحديث أنه مع ما قبله في رواية حديث ابن عباس السابقة، وكلاهما حديث واحد، أنه عليه الصلاة والسلام معصوم ولا يقول إلا الحق في صحته وفي مرضه وفي فرحه وفي غضبه عليه الصلاة والسلام. والأحاديث في هذا الباب من قوله ومن فعله كثيرة، وهذا الحديث من ذلك الكثير. فإن الوصية التي أوصى بها بقوله على قول بعض أهل العلم هي التي أراد أن يكتبها عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك شر الخلاف، فالخلاف شر مهما كان هذا الخلاف. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». والجدال معنى من معاني الخلاف، فلا ينبغي الخلاف بأي معنى من معانيه لأنه لا يأتي بخير، بل لا يأتي إلا بالشر. ولهذا انظروا كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب، ولله الحكمة في ذلك بسبب هذا الاختلاف. وصح في رواية في صحيح مسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «دعوني أو تركوني، فالذي أنا فيه خير» يعني من احتسابه وما يكون من صبره عليه الصلاة والسلام عما قالوه وظنوه، فهو من كراهيته عليه الصلاة والسلام للخلاف. وعلى هذا يحمل قول ابن عباس: «إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلى آخر كلامه، يعني أن ذلك من النقص العظيم أن يكون هناك اختلاف ولغط ويحول دون كتابة الكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك بيان فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومع فضلهم فهم ليسوا بمعصومين. والعصمة في شرع الله، ولذلك إذا عارض قول الصحابي مهما بلغ من الفضل نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، فالواجب الرجوع إلى هذه النصوص الصريحة. وقد صح عن ابن عمر ونحوه عن ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. أو أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر» على علمهم بفضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.