شرح الأصول الثلاثة  9

شرح الأصول الثلاثة 9

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 9، الدرس التاسع : (26محرم 1432هـ) (وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ... إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أنواع العبادة

شرح أنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، والدعاء والخوف والرجاء والتوكل وغيرها. العبادة تعرف باعتبار الفعل بأنها غاية الحب مع الخضوع والذل.

تحريم صرف العبادة لغير الله تعالى

يناقش تحريم صرف العبادة لغير الله، ويبين أن السجود لا يجوز إلا لله وحده، ويستدل على ذلك بأحاديث نبوية وآيات قرآنية. كما يوضح أن الحكم بالشرك على الفاعل يتطلب إقامة الحجة وانتفاء الموانع.

الدعاء كعبادة وأهميته في الإسلام

يشرح معنى الدعاء في الإسلام، موضحًا أنه يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، ويبين أهمية الدعاء كعبادة وأنه من أعظم العبادات. كما يوضح الفرق بين دعاء الحي الحاضر ودعاء الميت أو الغائب.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم. تم التأكيد على العلم الإلهي والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الأصول الثلاثة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وقال فيها: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم». ثم ثنى فقال رحمه الله تعالى: «وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى». والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة». والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. أورد المؤلف رحمه الله هنا هذا المبحث، ثنى به أو ألحق به ما سبق؛ لما بين رحمه الله تعالى أن الله جل وعلا وحده هو الإله الحق الذي يستحق العبادة، ناسب أن يذكر بعد ذلك أنواع العبادات كالتوضيح والتمثيل لهذه العبادة التي لا يجوز أن تصرف إلا لله عز وجل وحده. والعبادة أولًا تعرف باعتبار الفعل: غاية الحب مع الخضوع والذل، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابديه، هما قطبان». وأما باعتبار المفعول، أي الأعمال أو الأقوال الظاهرة أو الباطنة التي تفعل، فتسمى عبادات. فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». فالعبادة بهذا الاعتبار تحتاج لتوضيح بذكر الأمثلة؛ فلهذا قال رحمه الله: «أنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان». وهذه الثلاثة تسمى مراتب الدين، فهذه هي الدين التي يدخل في ضمن هذه المراتب أنواع العبادات. فكأنه قال: العبادة أنواع، فهي على وجه الإجمال مراتب الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، كما جاء ترتيبها وتفصيلها في حديث جبريل الذي رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام مسلم من حديث عمر رضي الله عنه في قصة جبريل المعروفة، الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام في آخره: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». وباعتبار التفصيل، ما ذكره رحمه الله من هذه العبادات التي منها ما هو قولي، ومنها ما هو فعلي، ومنها ما هو قلبي، ومنها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن. فقال: «ومنها الدعاء والخوف والرجاء والتوكل» إلى آخر ما ذكر رحمه الله في مسألة توضيحه والتدليل عليه من كلامه رحمه الله تعالى. فبين بهذا -وهو أشار أولًا إلى معنى العبادة التي لا يجوز أن تصرف إلا لله- ثم بيّن أنه يدخل في هذه العبادة مراتب الدين، ثم بيّن هذا على وجه الإجمال، ثم بيّن أن من هذه المراتب على وجه التفصيل هذه العبادات التي ذكر، أهمها مشيرًا بذلك إلى ما كان بمعناها من العبادات الأخرى. وقوله رحمه الله: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾» يشير رحمه الله تعالى إلى أن هذه الآية دليل على عدم جواز صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فهو في حق العبادة عمومًا، وفي حق الدعاء خصوصًا. والمراد بالمساجد: قيل مواضع السجود، وقيل: فعل السجود نفسه، وقيل: أعضاء السجود، وكل المعاني صحيحة. فالمساجد التي هي بيوت الله ومواضع الصلاة ينبغي أن تكون لله وحده، وأعضاء السجود ينبغي أن توجه للسجود لله وحده، وفعل السجود كذلك يجب أن يكون لله وحده. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، ولكنه لا يسجد إلا لله». لما سجد تحية تعظيمًا للنبي عليه الصلاة والسلام حين رأى ما يفعله أهل الكفر مع ملوكهم، فقال: «أنت حق بذلك يا رسول الله»، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا لا يجوز؛ فإن ذلك من العبادة التي لا تصرف إلا لله. سَواء كان السجود بوضع الجبهة على الأرض، أو كان السجود بالانحناء كالركوع، أو كان السجود حتى بالانحناء الذي هو دون ذلك، فكل ذلك من معاني السجود. وعلى هذا فسر قول الله جل وعلا في حق بني إسرائيل حين أمروا بالدخول سجدًا: ليس يزحفون جباههم، تمسح الأرض، ولكن منكسي رؤوسهم. فكان في بني إسرائيل يؤذن بالتحية بطأطأة الرأس والانحناء، كما جاء في قصة يوسف مع أخيه ومع إخوته عليه الصلاة والسلام. وأما في ديننا، في حماية لحمة توحيد، وسدًا لذرائع الشرك، لا يجوز السجود إلا لله عز وجل. وفي قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ هذا هو الشاهد للدعاء، فلا يجوز دعاء غير الله؛ فدعاء غير الله من الشرك؛ لأنه صرف للعبادة إلى غير الله أو لغير الله. ومن صرف عبادة لغير الله -كما قال- «فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر» -ما هو الدليل؟- دلل على مسألة الدعاء بهذه الآية: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. فقال في أول الآية: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، ثم قال في آخرها: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، فدل على أن من دعا غير الله فهو من الكافرين. وهذا هو الشاهد لقوله: «فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر». وننتبه هنا أننا نفرق بين الفعل والفاعل؛ فالفعل شرك، وفاعل ذلك مشرك، لكن عين الفاعل لا نحكم عليه بالشرك حتى تتوفر الشروط وتُنتف الموانع؛ فلابد من إقامة الحجة. وكذلك حصول المطلوب شرعًا في مثل هذا المقام؛ فالأصل أن من صرف شيئًا لله لغير الله فهو مشرك كافر، لكن لابد من إقامة الحجة؛ لأنه قد تكون له شبهة فيظن أن ما هو عليه صواب والأمر ليس كذلك، أو يظلله بعض علماء السوء بالشبه؛ فيحتاج إلى إقامة حجة. فالشاهد هذا هو الأصل، وأحد القضايا لها أحكامها الخاصة. وقد ذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر على إعدار بعض من لم تقم عليه الحجة بأدلة من هذه الأدلة قوله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ففي قوله سبحانه: ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ تبيّن أنه لابد من إقامة الحجة وبيانها حتى يتم الإعدار، فإن رجعوا وإلا ثبت عليهم ذلكم الحكم. وهذا قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر الآية. قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «قد فعلت»، كما جاء معناه من حديث ابن عباس وغيره، حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس. فالشاهد أورد رحمه الله هذه الآية ليستدل بها على أن صرف العبادة لغير الله من الكفر والشرك، ومن العبادات الدعاء، فصرف الدعاء لغير الله من الكفر والشرك على ما تقدم، بعد إقامة الحجة يحكم على المعين. وأما بالنسبة للفعل، فهذا هو الأصل فيمن وقع فيه. وهذه الآية دليل بالنسبة لمسألة الدعاء. وفي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، المقصود ها هنا ليس كما يظنه بعض المشركين المتأخرين فيحصرون الألوهية في معاني تشبه الفاعل بالوثنيين من عباد الأصنام من السجود للصنم ونحو ذلك. بل الدعاء هنا دعاء عبادة ودعاء مسألة؛ فمن دعا غير الله فقد اتخذ هذا الغير إلها، سواء أكان هذا الغير صنمًا من الأصنام أو وثنًا ومن الأوثان القبور، حتى ولو كان قبر النبي أو قبر رجل من الصالحين، دعاه دعاء مسألة، فقال: أعطني أو اغفر لي أو اشفني أو اشفِ ولدي، أو دعاء عبادة كأن عبده وصرف له شيء من العبادات، كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله. وبهذا تبين فقه المؤلف رحمه الله؛ إذ ابتدأ بالدعاء لأن الدعاء معنى أعم من دعاء المسألة، فهو يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. وقوله: «في الحديث: الدعاء مخ العبادة»، هذا الحديث الصحيح أنه ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه صحيح، لكنه من حيث الإسناد لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويغني عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، الدعاء هو العبادة؛ فالدعاء هو العبادة من حيث الصحة أولًا؛ لأنه ورد بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من جهة المعنى كذلك أبلغ؛ لأنه فيه أسلوب من أساليب الحصر، وهو الحصر بضمير الفصل وتعريف جزئي الإسناد أو طرفي الجملة: «الدعاء هو العبادة»، فالدعاء معرفة والعبادة معرفة، وجيء بضمير الفصل بينهما؛ فأفاد ذلك الحصر حتى كأنه يفهم أنه كاد الدعاء أن يكون هو كل العبادة. وهذا إن دل على شيء دل على عظم أمر العبادة، وأن من أعظم العبادات الدعاء. وأما هذا الحديث ففيه ضعف كما نبه المعلق، وترونه في التعليق الإشارة إلى ضعف هذا الحديث. وقوله: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾»، أي: في هذا دليل على أن الدعاء عبادة؛ فالحديث ظاهر بيّن أن الدعاء عبادة، بل من أهم العبادات حتى كادت أن تكون أو كاد الدعاء أن يكون هو العبادة. وفي الآية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ دليل على تسمية الدعاء عبادة؛ فسمى الدعاء عبادة، وهذا هو المطلوب والمقصود. والمقصود من الدعاء الذي تكون معناه العبادة ويكون بفعله الشرك هو دعاء غير الله في أمر لا يستطيعه إلا الله؛ لأن بعض المشركين المتأخرين من عباد القبور ربما يلبسون بالشبه الباطلة فيجعلون دعاء الحي ومناداته دليلًا أي كون هذا يجوز دليلًا على جواز دعاء الميت، وهذا غير صحيح. ولهذا نحتاج أن نبين معنى الاستعانة؛ فإن الاستعانة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه جائز، وأما بالميت أو بالحي الغائب أو بالحي الحاضر لكن فيما لا يقدر عليه الإنسان، كل ذلك من معاني الشرك؛ لأن الميت لا يستطيع أن ينفع الحي، بل لا يسمع، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. ومن ظن أن الميت يستطيع فقد جعل له تصرفًا فوق قدرته، فعمم قدرته، فشبه قدرته بقدرة الخالق جل وعلا، كما يقول بعض عباد القبور: أن لبعض أولئك الأموات التصرف في الكون وهكذا. وكذلك من جعل للغائب العلم بالغيب والنفع من وراء الغيب فقد جعل له خصائص هي من خصائص الله، ولهذا كان به مشركًا. وأما من دعا حيا حاضرا فيما يقدر عليه، يقول للحي: ارفع لي هذا، ساعدني في هذا، أعطني هذا، أعطِ الدواء لابني، ما عدم تعلق القلب به، فهو سبب، والله جل وعلا الذي بيده كل شيء، فهذا من المباحات؛ فلا نخلط بين هذا وهذا. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ دل على أن الدعاء من أعظم العبادات، على ما تقدم معناه في الحديث. هذا ما تيسر ذكره على وجه الاختصار في هذا المقام، وانتهاء الوقت، نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.