شرح الأصول الثلاثة  10

شرح الأصول الثلاثة 10

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 10، الدرس العاشر : (4صفر1432هـ) (ودليل الخوف قوله تعالى ... (..إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أنواع العبادات وأدلتها

تحدث الشيخ عن أنواع العبادات التي أمر الله بها مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وأوضح أن هذه العبادات يجب أن تكون خالصة لله وحده.

تفصيل الأعمال القلبية في العبادة

يشرح المقطع مفهوم الخوف والرجاء والتوكل كأعمال قلبية تعتبر من العبادة، ويبين أن صرفها لغير الله يعتبر شركًا. ويوضح الشروط اللازمة لتحقيق التوكل على الله.

شروط التوكل والتحذير من الشرك

التوكل عبادة لا تصرف إلا لله، ويتطلب ثلاثة شروط: معرفة الله، الاعتماد عليه، والعمل بالأسباب. صرف التوكل لغير الله شرك بسبب الجهل بالله أو الغلو في الأسباب.

ختام الدرس والدعاء

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى احتمال حلول وقت الصلاة، ثم يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يتم التأكيد على أن الله تعالى أعلم.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من أنواع العبادة التي أمر الله عز وجل بها، وذكرها مجملة بذكر مراتب هذا الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان. ثم شرع -رحمه الله- في ذكر أحد أنواع العبادة وأهمها، وأكثر ما يبتلى الناس به، وهو أمر الدعاء. وبيّن لنا -رحمه الله- بدليل الكتاب وصحيح السنة أن العبادة، أن الدعاء من العبادة، فمن صرف الدعاء لغير الله فقد أشرك. ثم قال -رحمه الله تعالى-: ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَدًا﴾، ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية. قال: ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله». ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية، ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية، ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله». ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. أورد -رحمه الله تعالى- كما نرى أنواعًا من العبادات، وليس المقصود منها الحصر، فالعبادات كثيرة بكثرة الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فكل ما يحبه الله ويرضاه من هذه الأعمال: أقوالًا وأفعالًا ظاهرة وباطنة، فكلها من العبادة. ولكنه -رحمه الله- ذكرها هنا أهم العبادات، وما يكثر حصول الامتحان والابتلاء بها، فيحصل عند بعض الناس اللبس. فمن هذه العبادات التي ذكرها -رحمه الله- الخوف، وذكر دليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فالآية أثبتت أن الله عز وجل أمر عباده أن يفردوه سبحانه وتعالى بالخوف، وأنه ممن ينافي الإيمان الخوف من غيره سبحانه لقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. والخوف ينقسم إلى قسمين: خوف فطري جبلي، فطر عليه الإنسان لحكمة فطر الله عز وجل هذا الإنسان عليه. فبالخوف الفطري يسلم مما يضره، وهو يكون عند العقلاء. ولكنه إن زاد عن حده كان جبنا، كما أنه إن أوقع في حرام أو كان سببًا في ترك واجب فهو محرم شرعًا. والخوف الآخر هو خوف العبادة، الذي يكون معه الخضوع والذل والرغبة والرهبة. وهذا هو المقصود بالخوف ها هنا، فما كان كذلك إذا صرف لغير الله كان شركًا، كخوف المشركين من معبوداتهم قديمًا: أصنامًا وأوثانًا. ومنه خوفهم من الجن، حتى دفعهم ذلك الخوف أن يذبحوا لها وينذروا ويتقربوا حتى لا تمسهم بسوء. ومثله كذلك خوف المشركين المتأخرين من عباد القبور من القبور التي تعبد من دون الله، حتى صار بعضهم يهاب أن يحلف بذلكم الولي أو هذا المقبور لو كان كاذبًا، ولا يبالي إذا حلف كاذبًا بالله. فدل أن خوفه من الله ضعيف، وخوفه من هذا الولي أن يصيبه بمكروه أو ولده، أو حتى من الجن التي يملكها بعض الكهنة والسحرة، دفعهم إلى أن يقربوا وينذروا ويطيعوا ويخضعوا. وهذه كلها آثار من آثار خوف العبادة، فما كان كذلك فهو من الشرك، من الشرك الأكبر. وقد يكون عند بعض الناس شرك أصغر، فما دفعه إلى صرف عبادة كهذا الخوف لغير الله فهو شرك أكبر. وإن كان خوفًا فطريًا، لكنه يخاف منه أن يفضي إلى الخوف العبادة، خوف العبادة، فهو من الوسائل التي قد تفضي إلى الشرك، ولهذا قد يكون شركًا أصغر. ولهذا فإن المسلم ينبغي عليه أن يفتش في خوفه، وأن يجعله لله سبحانه وتعالى، وأن يعظم ذلك بقوة يقين وثقته بربه سبحانه وتعالى وحده. ولا يكمل الخوف إلا بكمال التوحيد، لا يكمل الخوف العبادة من ربه إلا بكمال التوحيد. ومن كمال التوحيد التوكل على الله والثقة به وتعظيمه سبحانه وتعالى. وقوله: «ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ﴾ إلى آخره»، وجه الدلالة ظاهر بعد ذكر الرجاء، قال سبحانه: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَدًا﴾، فسمى الرجاء عبادة، فمن رجى غير الله فقد أشرك به غيره. وهكذا الرجاء قد يكون رجاء فيما يقدر عليه الإنسان المخلوق من حاضر حي، وفيما يقدر عليه، فهذا مباح. فأنت ترجو أن فلان يعينك في عمل صالح أو عمل مباح، أو أن يزدي لك خدمة، أو أن يشفع لك شفاعة، هذا من الأمور المباحة ما دام في المأذون فيه المباح، وفي حدود ما يستطيعه الحي الحاضر القادر. وأما إذا كان على وصف ينافي هذه القيود الثلاثة، فهو يخرجه من المباح إلى المحرم، بل قد يوصله إلى الشرك. فإذا رجاء الميت أو الغائب، أو حتى الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه بهذا يكون مشركًا شركًا أكبر. فمن رجى دفع الضر وجلب الخير من غير الله، مهما كان هذا الغير، فإنه يقع في الشرك لأن ذلك من خصائص الله سبحانه وتعالى. أو طلب كشف الغيب من رد الغائبات، أو كذلك طلب شيئًا يقدر عليه الحي، لكن طلبه من الميت، وهذا مبحث دقيق نبّه عليه العلماء أنه كذلك يوقع في الشرك. وقوله: «ودليل التوكل على الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين وما بعده»، ففي هذا أن الله يحب التوكل عليه، وأمر به، بل وجعله شرط الإيمان، فدل على أن كمال الإيمان بكمال التوكل، ونقصان التوكل سبب لنقصان الإيمان، فهو من العبادة. ولا يتم التوكل إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فكلما كان العبد بربه أعرف وأعلم، كان له معظما وتحقق له التوكل. قال شيخ الإسلام التيمي -رحمه الله- في كلام معناه: «لا يتصور التوكل من مبتدع لكونه لم يعرف ربه سبحانه وتعالى». والشرط الثاني: أن يعتمد على الله المسبب لا على الأسباب. والشرط الثالث: أن يعمل بالأسباب. فإذا حقق هذه الشروط الثلاثة تحقق له التوكل. وبه نعرف أن الموحد وحده هو الذي يستطيع أن يحقق التوكل ويكون مخلصًا فيه. وبه نعرف كذلك صرف التوكل إلى غير الله من أعظم أسبابه الجهل بالله سبحانه وتعالى، والغلو في الأسباب. وإذا تأملنا حال المشركين في هذا الباب قديمًا وحديثًا، وجدنا أنهم وقعوا في هذا النوع من الشرك بسبب عدم تحقيق شروط التوكل المذكورة. فالحاصل: التوكل من العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله، وصرفها لغير الله من الشرك. فلا يعتمد العبد إلا على الله في جلب المنافع ودفع المضار. ولا يعني ذلك أن يدعى العمل بالأسباب، يعمل الأسباب الشرعية والأسباب الكونية لحصول الخير الديني والدنيوي، ولكن لا يعتمد على هذه الأسباب، بل يكون على ثقة بالله سبحانه وتعالى وحده. ثم ذكر -رحمه الله- دليل الرغبة والرهبة والخشوع، وكله هذه العبادات الثلاث ذكرت في هذه الآية في قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، فذكرت هذه الصفات الثلاث على وجه الثناء والمدح بأن الله يحبها، فهو يحث على فعلها. فهي من العبادات التي لا يجوز أن تصرف لغير الله، بل يجب أن تصرف لله عز وجل وحده. فإذا صرفت لغير الله كانت شركًا، إما شركًا أكبر وإما شركًا أصغر. والرغبة أولًا من الأعمال القلبية، لكن قد يكون لها أثر في اللسان من تضرع وابتهال وسؤال وطلب. وإلا فأصله ميل القلب والرغبة لمعظم محبوب. فإن كانت هذه الرغبة فطرية، فهو من المباح، كرغبة الرجل في امرأته والمرأة في رجلها. وإن كانت على معنى الخضوع والذل والحب والتعظيم، فهذه هي الرغبة التي تكون عبادة. فصرفها لغير الله يعد من الشرك. بل الأول إذا أوقع في حرام بترك واجب أو فعل محرم، ربما صار شركًا أصغر، لأن الغلو في المباح ربما يفضي إلى تعظيمه فيعبد من دون الله. كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. ولهذا تجد المشركين لهم في هذا عجائب في عبادة مرغوباتهم. فوجد في هذه الدنيا من يعبد البقر، وعبد المال، حتى النساء عبدن. بل والعياذ بالله تفاصيل معبودات يستحي الإنسان من ذكرها، وجدت في عبد الهند وغيرهم. وهذا يدل أن بعض ما يقع فيه شيء من الرغبة قد يغلى فيه فيعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وهكذا الرهبة، أصله معنى من معاني الخوف والفزع، وهو منه ما هو فطري ومنه ما هو عبادي. فإذا كان عبادة فهو مما لا يجوز. وهكذا الخشوع الذي هو الخوف المقترن بالعلم، ويكون معه شيء من الخضوع. فإذا صرف لغير الله كان شركًا. والمقصود أن العباد ينبغي أن يصرف كل عبادة لله بجوارحه كلها: الظاهرة والباطنة، قلبه وبصره وسمعه ولسانه، حتى صوته إذا تخشع به لغير الله، قال العلماء: «كان ذلك بابًا من أبواب الشرك». طيب، نقف عند هذا الحد، لعله جاء عندكم وقت الصلاة. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.