الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 15، الدرس الخامس عشر : من : (فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي ... فأقول لا أملك لك من الله شيئاً وهذا باب واسع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع آراء العلماء في مسائل خلافية مثل وجوب الصلاة على النبي في الصلاة والحلف بالملائكة والأنبياء، ويبين أن الخلاف في هذه المسائل لم يترتب عليه اتهام المخالف بالعداء للأنبياء أو تنقصهم. يبرز المقطع سعة اطلاع شيخ الإسلام على آراء العلماء واجتهاداتهم في هذه المسائل.
يؤكد النص على أن نفي الخصائص الربانية عن المخلوقين ليس تنقيصا لهم، بل هو توحيد وإيمان. ويبين أن قول الجمهور بمنع الحلف بمخلوق هو الصواب، وأن نفي العبودية لغير الله لا يعتبر معاداة أو سبا للأنبياء والملائكة.
يتناول المقطع توضيح الفرق بين ذكر بعض تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل النقد الهدام أو العيب، وبين ذكرها على سبيل التعريف بحقيقة حاله ومعرفة مناقبه وفضائله، ويحذر من الغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين. يشير إلى أن كلام أهل العلم ينبغي أن يراعى فيه الحقائق الشرعية وليس الألفاظ الظاهرة فقط.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الأقناء: قاله إذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هل هي واجبة في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة، كقول الجمهور، لم يقل أحد: إن من لم يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أو عاداه. والذين لم يوجبوها في الصلاة، منهم من أوجبها خارج الصلاة، ومنهم من لم يوجبها بحال، وجعل الأمر في الآية أمر ندم، وحكي الإجماع على ذلك. وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة، وقال: حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة. قال: وشد الشافعي في ذلك، وقال: من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير وقبل السلام، فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزئه أو لم يجزه. قال: ولا سلف له في هذا القول، ولا سنة يتبعها. قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه، بمخالفته فيها من تقدمه، جماعة وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد. قال: وقال أبو بكر المنذر: يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ترك تارك ذلك، فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم، وهو قول جملة أهل العلم. وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في التشهد موسيء. قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان. قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات، كالأقوال الثلاثة، اختار كل رواية طائفة من أصحابه، وذكر محمد بن المواز قولا له كقول الشافعي. قال: وقال الخطابي: ليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي. قال: ولا أعلم له فيها قدوة، وحكى الوجوب عن أبي جعفر الباقر، وأنه قال: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، لرأيت أنها لم تتم. وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة، مرغب فيها، غير محدود بوقت، لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب، وأجمع عليه. قال: وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الوجوب، وادعى فيه الإجماع. فهذا بعض كلام العلماء في مثل هذا، وحكايات إجماعهم متناقضة، ومع هذا فلم يقل أحد: إن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه أو نحو ذلك. فإنهم كلهم قصدهم متابعته كل بحسب اجتهاده، رضي الله عنهم أجمعين. وكذلك تنازعوا: هل تكره الصلاة عليه عند الذبح؟ فكره ذلك مالك وأحمد وغيرهما. قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح، وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب. قال: ولا يصلي عليه إلا على طريق الاستائجاب وطلب الثواب. وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله: الذبح والعطاس، فلا يقال فيهما بعد ذكر الله: محمد رسول الله. ولو قال بعد ذكر الله: محمد رسول الله، لم يكره تسميته له مع الله. وقال أشهب: ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استنانا. قلت: والشافعي لم يكره ذلك، بل قال: هو من الإيمان، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد، كأبي إسحاق وابن شاقل. هذه ست مسائل أشار إليها رحمه الله تعالى، وأراد أن يبين أن المعترض على جهل بمسلك أهل العلم في مسائل الخلاف، وأن المسائل التي وقع فيها خلاف، وفيها ما معناه نفي بعض ما هو صواب، ومع ذلك ما رمى أحد طرفي الآخر بأنه معادي للأنبياء. ومثل بمسائل، وهذا يدل على سعة اطلاع الشيخ رحمه الله، وسعة باعه في معرفة الاجتماع والافتراق. ومثل بمسائل قريبة من المسألة التي ذكرها رحمه الله، بل ربما تكون أعظم منها فيما يتعلق بفرائض الصلاة ونحو ذلك. وسيأتي مسائل أكبر. وهذه المسائل، ليس المقصود الآن تحقيق الحق فيها، ولكن المقصود هو التمثيل: أن هذه المسائل وقع فيها خلاف، ومع ذلك ما أحد اتهم الآخر بأنه معادي للأنبياء. ويريد بذلك أن يشنع على المعترض، وأنه جاهل بمسلك أهل العلم في المسائل الخلافية. لو قدر أنه هو مصيب وغيره مخطئ، فكيف إذا كان العكس؟ أن المعترض مخطئ، والذي رد عليه هو الشيخ رحمه الله هو المصيب؟ أما المسألة الأولى، فمسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد: هل هي واجبة؟ وليست بواجبة، كما أشار رحمه الله: أن أكثر أهل العلم على أنها ليست واجبة. وضبط أهل العلم منهم الشافعي، ورواية عن أحمد: أنها واجبة. ومع ذلك ما اتهم الشافعي بأنه معادي للأنبياء، بل على العكس: الصواب قول إمام الشافعي رحمه الله، كما رجحه الشيخ ببعض كتبه الأخرى، وانتصر له ابن القيم رحمه الله في "جلاء الأفهام" وفي مواضع أخرى من كتبه. وهكذا المسألة الثانية: مسألة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام عموما عند ذكره: هل هو على الوجوب أو على الترغيب؟ خلاف بين أهل العلم، ومع ذلك ما كان هذا سببا لاتهام بعضهم بعضا بأنه القائل بأنه ليس للوجوب، أنه معادي للأنبياء أو متنقص للأنبياء أبدا. مسألة علمية فيها خلاف، القول فيها بين راجح ومرجوح، والمفتي والقائل فيها بين مصيب ومخطئ، بين الأجر والأجرين. وهكذا كذلك هذه المسألة: الراجح فيها عند أكثر أهل العلم أنها الاستحباب، وقال بعضهم: الوجوب، وظاهر الأدلة يدل على الاستحباب. وهكذا المسألة الثالثة: الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام عند الذبح، والرابعة: الصلاة عليه عند التعجب، والخامسة: الصلاة عليه عند العطاس، والسادسة: وهي التي ستأتي كذلك في مسألة الحلف بالملائكة. فهذه مسائل اختلف فيها أهل العلم، وما أحد اتهم الآخر أبدا بأن المخالف الذي لم يسلك مسلك الأكمل في القولين، ما أحد اتهمه بأنه معادي للأنبياء أبدا. قالوا: كذلك تكلموا في الحلف بالملائكة والأنبياء. أما الملائكة، فاتفق المسلمون على أنه لا يحلف بأحد منهم، ولا تنعقد اليمين إذا حلف به. وهذا أيضا قول الجمهور في الأنبياء كلهم: نبينا وغيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وعنه: أنها تنعقد بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، اختارها طائفة من أصحاب أحمد، كالقاضي أبي يعلى وغيره، وخصوا ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم. وابن عقيل عدى ذلك إلى سائر الأنبياء. والصواب قول الجمهور: وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق، لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به. فإذا قيل: لا يحلف به، أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة، لم يكن هذا معاداة لهم، ولا سبا ولا تنقصا بهم عند أحد من المسلمين. وكذلك سائر خصائص الرب إذا نفيت عنهم، فقيل: لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء، ولا يسجد لهم ولا يصلى لهم، ولا يدعون من دون الله، ونحو ذلك، كان هذا توحيدا وإيمانا، ولم يكن هذا تنقيصا بهم، ولا سبا لهم، ولا معاداة. كما قال تعالى: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾. فإذا قيل: لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابا، كما ذكر الله ذلك في القرآن، ولم يقل مسلم: هذا معاداة لهم، ولا منقص ولا سب. وكذلك إذا قيل: إنهم عباد الله، وإن المسيح وغيره عباد الله، عباد لله، كان هذا توحيدا وإيمانا، لم يكن ذلك تنقصا ولا سبا ولا معاداة. قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا﴾. فقد ذكر أهل التفسير: أن أهل نجران قالوا: يا محمد، إنك تعيب صاحبنا، فتقول: إنه عبد الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدا لله. فنزل: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾، أي: لن يأنف ويتعظم عن ذلك. قال: لمن جعل تحقيق التوحيد تنقصا بالأنبياء أو سبا أو معاداة لهم، فهو من جنس هؤلاء النصارى. والنهي عن اتخاذ قبورهم مساجد، والسفر إليها، واتخاذها أوثانا وعيدا، فهو من هذا الباب، من باب تحقيق التوحيد. وفي مثل هذا المقام يقال: إن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، إلى قوله: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. فلا تنفع شفاعة ملك ولا نبي ولا نبي إلا بإذن الله، كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. فقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. ولم يكن هذا القول ونحوه تنقصا بالملائكة، ولا سبا لهم، ولا معاداة لهم، بل الملائكة والأنبياء يعادون من أشرك بهم، ويوالون أهل التوحيد الذين ينزلونهم منازلهم، وهم مراء ممن يغلو فيهم ويشرك بهم. قال تعالى: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة هؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾. وقال تعالى: ﴿يوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فأولئك الذين حق عليهم القول في أمة قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * قالوا نذقه عذابا كبيرا﴾. وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. وهذا بيان: أن المسيح وغيره من المخلوقين لا يملكون للناس ضرا ولا نفعا، ولا يجوز أن يقال: هذا معاداة لهم أو سب أو تنقص. وقد أمر الله سبحانه خاتم الرسل بأن يقول ما ذكره عنه من قوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾. وقال تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾. وقال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾. ومثل هذا في القرآن كثير يعم ويخص. فالأول في قولي: ﴿صاحب ياسين * وما أنت عليهم بمسيطر﴾. وقوله: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾، إلى قوله: ﴿قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾. وقال تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن كنت فاعلا فإنك إذن من الظالمين﴾، إلى قوله: ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾. وهذا باب واسع. والمقصود: أن أدنى من يعد من طلبة العلم يعلم: أن أفعال العباد إذا تكلم فيها، أو تكلم فيها بالأمر والنهي والإيجاب والتحريم، هل هذا السفر جائز أو مستحب أو محرم أو مكروه؟ سواء كان إلى مسجد أو إلى قبر نبي أو غير ذلك، لم يدخل شيء من هذا في مسائل تنقيص الأنبياء وسبهم. بل أبلغ من هذا: أنه إذا تكلم في مسائل العصمة، وهل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لا يجوز؟ واختار مختار أحد القولين، لم يقل أحد من المسلمين: إن هذا تنقص وسب ومعاداة. وكذلك السؤال بالأنبياء في الدعاء، مثل أن يقول الداعي: أسألك بحق الأنبياء عليك، نهى أبو حنيفة عنه، وطائفة رخصت في هذا، ولم يقل أحد: إن كل من قال ذلك فقد تنقص بالأنبياء وعاداهم. والقاضي عياض رحمه الله، مع أنه أبلغ الناس في مسائل العصمة، وفي مسائل السب، قد ذكر هذا؛ لئلا يقع فيه هؤلاء الجهال الذين يجعلون الكلام العلمي والاستدلال بالأدلة الشرعية، والاجتهاد في متابعة الرسول والأنبياء من باب المعاداة والسب والتنقص. ولا ريب أن هذا الباب، إن كان فيه معاداة وتنقص لهم، فمن خالفهم وأمر بما نهوا عنه، ونهى عما أمروا به، وقال عنهم الكذب، ونسب إليهم ما نزاهم الله منه، مثل هؤلاء الجهال المفترين، كان هو أولى بالمعاداة والسب والتنقص. كما قد بسط في مواضع أخرى. قال: إنه المقصود هنا أن عندي في مواضع أخرى. وهذا كذلك من المؤلف رحمه الله: استطراد في ذكر مسائل تؤكد ما ذكر رحمه الله: أن أهل العلم لم يضلل بعضهم بعضا، ولم يرمي بعضهم بعضا بمثل هذا المعنى الذي زعمه المعترض. وهذا فيما يسوق فيه الخلاف. وأما ما لا يسوغ فيه الخلاف، مما فيه منافاة للتوحيد والسنة، فالحق حق أن يتبع، والأحكام الشرعية تكون بأدلتها من دون مجازفات. فالضلال ضلال، والسنة سنة، والبدعة بدعة، والشرك شرك، والردة والكفر ردة وكفر. وأما التهويل والمجازفات، فليست من طريقة أهل العلم. هذا مراده رحمه الله تعالى. وإن كان بعض المسائل قد يدخل في البدعة، مثل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام عند الذبح، وهذا معنى قوله: أن تجعل الصلاة عليه استنانا، يعني: سنة في جميع الأعمال، وهذا خطأ. فليست هي من السنة عند التعجب، بل عند التعجب التسبيح: سبحان الله. وليست السنة عند الذبح، بل السنة عند الذبح البسملة والتكبير. وهكذا كذلك كل شيء له حكمة. وما أشار إليه كذلك في سبب نزول: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾، وإن كان السبب لم يصح، لكن معناه صحيح. يعني: أن النصارى يزعمون: أن من قال في المسيح أنه عبد الله، أن هذا تنقص في حقه. ومثله من يعظم القبور وأهل القبور، كما أشار إليه رحمه الله. وهكذا المسائل التي بعد هذه، مسألة التاسعة والعاشرة: هل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لا يجوز؟ فهو لا يريد الآن أن يشير إلى الراجح من المرجوح، ولكن يشير إلى أن هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، ومع ذلك ما أحد زعم أن القائل بأحد القولين أنه متنقص ومعادي للأنبياء. قال القاضي عياض رحمه الله: الوجه السابع: أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم، أو يختلف في جوازه عليه، وما يطرأ من الأمور البشرية به، ويمكن إضافتها إليه، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته، من مقاسات أعدائه وأذاهم له، ومعرفة ابتداء حاله وصيرته، وما لقيه من بؤس زمنه، ومر عليه من معاناة عيشته. كل هذا على طريق الرغاية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء، وما يجوز عليهم، فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة، إذ ليس فيه غمز ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف، لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ. قال: لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء طلبة الدين، ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده، ويجنب ذلك من عساه لا يفقه أو يخشى به فتنة. فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف، لمن طويت عليه من تلك القصص، لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن. وقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستئجاره لرعاية الغنم، لرعاية الغنم في ابتداء حاله. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وقد رعى الغنم". وأخبرنا الله بذلك عن موسى. فهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة، لمن ذكره على وجهه، بخلاف من قصد الغضاضة والتحقير. فإن كانت عادة جميع العرب نعم في ذلك، للأنبياء حكمة بالغة، وتدريج من الله تعالى لهم إلى كرامته، وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خلقه، بما سبق لهم من الكرامة في الأزل، ومتقدم العلم بذلك. وكذلك ذكر الله جده وعائلته، على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له، فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله، وقدر مبتدئه، والتعجب من منح الله قبله، وعظم من الله عنده، ليس فيه غضاضة، بل فيه دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وصحة دعوته. إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب، ومن ناوأه من أشرافهم، شيئا فشيئا، ونمى أمره صلى الله عليه وسلم حتى قهرهم، وتمكن من ملك مقاليدهم، واستباحة ممالك كثيرة من الأمم غيرهم، بإظهار الله له وتأييده بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، وإمداده بالملائكة المسومين. ولو كان ابن ملك أو ذا أشياء متقدمين، لحسب كثير من الجهال: أن ذلك موجب ظهوره، ومقتضي علوه. ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان بن حرب عنه صلى الله عليه وسلم: هل من آبائه ملك؟ فقال: لا. ثم قال: وقلت لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. وإذا يتم من صفته، وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة، وأخبار الأمم السالفة. وكذا وقع ذكره في كتاب أرميا، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب، وبحيرى لأبي طالب. وكذلك إذا وصف صلى الله عليه وسلم بأنه أمي، كما وصفه الله بذلك، فهي مدحة له وفضيلة ثابته فيه، وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة من القرآن العظيم، إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم، مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك. كما قدمناه في القسم الأول. ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب، ولم يدارس ولا لقن، بمقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر. وليس ذلك نقيصا، إذ المطلوب من الكتابة والقراءة المعرفة، وإنما هي آلة لها، أو واسطة موصلة إليها، مرادة في نفسها. فإذا حصلت الثمرة والمطلوب، استغنى عن الواسطة والسبب. والأمية في غيره نقيصة، لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة. فسبحان من باين أمره من أمر غيره، وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه، وحياته فيما فيه هلاك من عداه. وهكذا شق قلبه وإخراج حشوته، كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحكم موته وفنائه. وهلما جر إلى سائر ما روي من أخباره صلى الله عليه وسلم وسيره، وتقلله من الدنيا ومن الملبس والمطعم والمركب، وتواضعه وخدمة بيته، زهدا ورغبة عن الدنيا، وتسوية بين حقيرها وخطيرها، لسرعة فنائها وتقلب أحوالها. كل هذا من فضائله صلى الله عليه وسلم ومآثره وشرفه، كما ذكرناه. فمن أورد شيئا من ذلك موارده وقصد به مقصده، كان حسنا. ومن أورد ذلك على غير وجه، وعلم منه بذلك سوء قصده، لحق في الفصول التي قدمناها. هذا كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، يفرق فيما يظن أنه فيه غضاضة ونقص وعيب، وليس هو في نفس الأمر كذلك، وبين من يذكر على وجهه لبيان العلم والدين ومعرفة حقائق الأمور، وبين من يقصد به العيب والإزراء، وإن كان لا عيب في ذلك، بل ومن الفضائل والمناقب. وهكذا سائر ما فيه هذا. وهذا كذلك من المؤلف رحمه الله تعالى: إشارة أخرى إلى مسلك أهل العلم في المسائل الخلافية، وكذلك إلى تنبيههم إلى أن كلام الناس ينبغي أن يراعى فيه الحقائق الشرعية، لا الألفاظ الظاهرة. ونبه: أن الذي يأخذ بالألفاظ ويدعي التنقص، إنما هم العامة. وهذه لفتة من المؤلف رحمه الله إلى أن المعترض سلك مسلك العامة والجهلة، من الذين يتكلمون بالمجازفات، ويعترضون بما لا يعترض بمثله. وكلام القاضي عياض رحمه الله ظاهر. وما أشار إليه من قوله: "ويجنب ذلك من عسى لا يفقه ويخشى به فتنة". قد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف، قد روي هذا عن جماعة، وأشار إلى ذلك أهل التفسير في سورة يوسف، كما ذكره الآلوسي رحمه الله في تفسيره. بل روى الحاكم في مستدركه هذا المعنى. تغض النظر: صح أو لم يصح، لكن المقصود: أن هذا شيء روي عن أهل العلم، وذكره العلماء في كتبهم. فالشيء الذي يكون مدعاة للفتنة يجنب الناس، كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه: "لا تحدثوا الناس بحديث لا تفقهه قلوبهم إلا كان لبعضهم فتنة". وأكد حديث علي بمعنى موقوف عليه. وما أشار إليه من حديث رعي النبي عليه الصلاة والسلام الغنم، حديث أبي هريرة في البخاري، وما بعده من أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، ومنها ما هو الصحيح، ومنها ما هو ليس بصحيح. لكن الشاهد من هذا: أن نذكر ذلك على وجه الخبر، وعلى وجه النصرة مع قلة أسباب النصر، مما يدل على صدق الرسالة وصحة النبوة، ليس هذا بتنقص، بخلاف من ذكر هذه الأشياء على وجه التنقص، فإنه يذنب ويكون متنقصا. مراده رحمه الله: أن الإنسان ينبغي أن يكون منصفا في تتبع كلام أهل العلم، والسلوك في مسالك العلماء، فإنه يبغي قليل للوجه السادس. قال: وحينئذ فعظم أحوال الناس مع الأنبياء، وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما أبو بكر وعمر، وهو تصديقه في كل ما يخبر به من الغيب، وطاعته وامتثال أمره في كل ما ينهى ويأمر به. وأن يكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله، وأن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواهما، وأن يتحرى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيعبد الله بما شرعه، ويصده من واجب ومستحب، لا يعبده بعبادة نهى عنها، وببدعة ما أنزل الله بها من سلطان. وإن ظن أن في ذلك تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيما لقدره، كما ظنه النصارى في المسيح، وكما ظنوه في اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. فإن الأمر بالعكس، بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء، فإنما يحب ما أحبه الله من عبادته وحده، وإخلاص الدين له، ويغالي من كان كذلك، ويعادي من أشرك، ولو كان المشرك معظما له، غاليا فيه. فإن هذا يضره ولا ينفعه، لا عند الله ولا عند الذي غلى فيه وأشرك به واتخذه ندا لله، يحبه كحب الله، واتخذه شفيعا، يظن أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن، أو اتخذه قربانا، يظن أنه إذا عبده قربه إلى الله. فهذه كلها ظنون المشركين. قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى إلى قوله يفترون﴾. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. فقال: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من مالي ما شئت". وفي الصحيحين أنه قال: "لا ألفي أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو رقاع تخفط، يقول: يا رسول الله، أغثني أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك". وهذا باب واسع. إلى هنا إن شاء الله.