الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 26، الدرس السادس والعشرون : من: (وقد ذكروا أن النبي زاد فيه لما قدم من خيبر ... يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تاريخ تغيير مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خلال خلافة الوليد بن عبد الملك. معظم الصحابة كانوا قد ماتوا قبل هذا التغيير.
يناقش مسألة السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والخلاف حول مشروعية سلام التحية عليه. لا يوجد دليل شرعي يحدد مكان أو مسافة معينة للسلام عليه.
يناقش صحة الحديث المتعلق برد السلام على الميت ويرى أن زيارة قبر النبي ليست مشروعة كزيارة القبور العادية. السفر إلى مسجده هو المشروع بالإجماع والنص.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الأخنائي، وقد ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في مسجده لما قدم من خيبر. قال أبو غسان: حدثني غير واحد، ولا اثنين ممن يوثق به من أهل العلم من أهل البلد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك المسجد من القبلة في تلك البنية على حده الأول. فأخذت الأساطين من الشرق إلى الإسطوانة التي دون المربع، التي عند القبر التي لها نجاف طالع، وأثبت من الشام، لم يزد فيه شيء. ومن الغرب إلى الإسطوانة التي دون المربعة الغربية. ومن بيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في موضع مجلس آل عبد الرحمن بن هشام، وأن عائشة رضي الله عنها كانت تغسل رأسه وهو في بيتها، وهو معتكف في المسجد. وهذه الأمور نبهنا عليها هاهنا؛ فإنه يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان، ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك. وكان من المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة، كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان بعد بضع وثمانين. وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين. وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين، مثل سعيد بن المسيب وغيره من فقهاء السبعة، ويقال لهم: السنة الفقهاء. وجابر بن عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة، ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات، وذلك قبل تغيير المسجد بسنتين. ولم يبق بعده ممن كان بالغًا حين موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا سعد الساعدي، فإنه توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. ولهذا قيل فيه: إنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال أبو حاتم البستي وغيره. وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارًا، مثل السائب بن يزيد الكندي، ابن أخت عمر، فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين. وقيل: إنه مات بعده عبد الله بن أبي قلحة، الذي حنكه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك محمود بن الربيع، الذي عقل مجة مجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من بئر كان في دارهم، وله خمس سنين، مات سنة تسع وستين. ومحمود بن الربيع مات سنة ثلاث وتسعين. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسعد باسم أسعد بن زرارة، مات سنة مائة. لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته صلى الله عليه وسلم من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقلها جابر وسهل بن سعد وغيرهما. وأما عمر بن الخطاب، فكان قد مات قبل ذلك عام قتل الزبير بمكة، سنة اثنتين وسبعين. وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف، سنة بضع وستين. فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجر فيه. وأنس بن مالك كان بالبصرة، لم يكن بالمدينة. وقد قيل: إنه آخر من مات بها من الصحابة. وكانت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شرقي المسجد، وقيل: شرقيه وقبليه، فاشتريت من ملاكها، وحدات أزواجه صلى الله عليه وسلم، وزيدت في المسجد، فدخلت حجرة عائشة. وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز، نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة، وبنى حائطًا آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء جدار أبعد من المسلم عليه لما كان جدارًا واحدًا. قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرد على صاحبه مشروعًا في المسجد، كان له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة، فلا يخفى الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا السلام والمكان الذي لا يستحب. فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه، فقيل: وكذلك من كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق؟ وحينئذ يلزم أن يهدى على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في كل صلاة، كما ظنه بعض الغالطين. ومعلوم بطلان ذلك. وإن قيل: يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، كما استحب ذلك مالك وغيره. ولكن يقال: فما حد ذلك القرب؟ وإذا جهل له حد، فهل يكون من خرج عن الحج فعلى المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهم. فهل هو بذراع أو ذراعين أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربع أذرع. فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ولا يدن أكثر من ذلك. والله أعلم، قاله المتقدمون؛ لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن، كالصلاة عليه، ليس المقصود سلام التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه. فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد. وبالجملة، فمن قال: إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد، فلابد له من أن يحدد مكان ذلك. فيقال: إلى أين يسمع ويرد السلام؟ فإن حد في ذلك ذراعًا أو ذراعين أو عشر أذرع، أو قال: إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد، فلابد له من دليل. ولا حبيب ثابت من ذلك، أن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه وسلام من يسلم عليه، ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه صلى الله عليه وسلم ذلك. فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة، من مكان دون مكان، فلابد له من حد. ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، ولا أحد يحد في ذلك حدًا إلا وعورض بمن يزيده أو ينقصه، ولا فرد. وأيضًا، فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها. والسنة في السلام عليه خفض الصوت. ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف السلام على المسلم من الحجرة، فإنه فرق ظاهر بين وبين المسلم عليه من المسجد. ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب. برفع الصوت في المسجد، وإن لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة. وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله، الذي يسلم به المسلم على صاحبه، كما يصلي على من يصلي عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان، لا يختص بالقبر ولا بالجهة. فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء. وعلى كل تقدير، فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به. فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرف أهل العلم. ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب وإما ضعيف سيء الحفظ، ونحو ذلك، كما قد بينا في غير هذا الموضع. وهذا الحديث الذي فيه: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»، قال: احتج به أحمد وغيره من العلماء. وقيل: هو على شرط مسلم، ليس على شرط البخاري. وهو معروف من حديث أبي صخر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة. وقد أخرج مسلم حديثًا بهذا الإسناد. وأبو صخر هذا متوسط، قل فيه عن يحيى بن معين: فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي. ومرة قال: لا بأس به، ووافقه أحمد. فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه، وجب تقديم ذاك عليه. ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث. ولو أريد إثبات سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث، لكان هذا مختلفًا فيه. فالنزاع في إسناده، وفي دلالة متنه. ومسلم روى بهذا الإسناد قوله صلى الله عليه وسلم: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم اتبعها حتى تدفن، كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد. ومن صلى عليها ثم رجع، كان له من الأجر مثل أحد». وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما من غير هذا الطريق. ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما ينفرد به. وهذا معروف منه في عدة رجال، يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره، وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به. ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك: أو على شرط مسلم أو البخاري، كما بسطنا هذا في موضعه. الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح، لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة. ولو كان ذلك معروفًا عندهم، لم يتردد أهل العلم بالمدينة، مالك وغيره، أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فلما كرهوا هذا القول، دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم. الوجه التاسع: أن الذين كرهوا هذا القول، والذين لم يقروه من علماء، متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم إنما هو سفر إلى مسجده. ولو لم يقصد إلا السفر للقبر، لم يمكن أن يسافر إلا إلى المسجد. لكن قد يختلف الحكم بنيته، كما تقدم. وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور، فهذا ممتنع غير مقدور، ولا مشروع. وبهذا يضع أن قول الذين كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم، قولهم أولى بالصواب. فإن هذا ليس زيارة لقبره، ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل فيه، فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها، وفي غير المساجد أيضًا. ومعلوم أن زيارة القبر لا اختصاص لها بالقبر. ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده، وعبادة في مسجده، ليس فيها ما يختص بالقبر، كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالصواب والعقل واللغة. ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والإجماع. والذين قالوا: تستحب زيارة قبره، إنما أرادوا هذا. وليس بين العلماء خلاف في المعنى، بل في التسمية والإطلاق. والمجيب لم يحكي نزاعًا في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده. وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يمنع أن تسمى زيارة لقبره. وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب بالنص والإجماع، وقد ذكر ما فيه النزاع، كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبًا مفتريًا، يستأمن ما يستأمن أمثاله من المفترين. تذكير: النص السابق هو إعادة صياغة للنص الأصلي مع تصحيح الأخطاء وتنسيقه، وقد تمت إزالة الجمل الإضافية التي ليست من النص الأصلي. وقد تم الحفاظ على المعنى الأصلي للنص مع تحسين وضوحه وترابطه.