الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع قسمة الناس عند الوفاة إلى ثلاثة أقسام: المقربون وأصحاب اليمين والمكذبون الضالون. يبين الحكمة من ختم سورة الواقعة بهذه القسمة الثلاثية.
يفسر المقطع حال الميت عند الوفاة بناءً على درجته الإيمانية، حيث يُكرم المقربون ويُسلم أصحاب اليمين من العذاب. يُفصل التفسير معاني الروح والريحان والسلامة من العذاب.
يشرح المقطع مصير المؤمنين والكافرين عند الموت، حيث يلقى المؤمنون السلام والسلامة، بينما يعاقب الكافرون. يبين أن هناك درجات متفاوتة في الآخرة حسب الإيمان والإحسان.
يدل تسبيح الله وعظمته على وجوب اتباع أوامره ونواهيه واتباع كتابه ورسوله. عظمة الله تقتضي الاستجابة لأمره والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم. قال المفسر رحمه الله: فأما إن كان الميت من المقربين فروحه، أي فله استراحة، وريحان رزق حسن، وجنة نعيم. وهل الجواب لأما أو لإن أو لهما أقوال. وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك، أي له السلامة من العذاب من أصحاب اليمين من جهة أنه منهم. وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين من إضافة الموصوف إلى صفته. فسبح باسم ربك العظيم، تقدم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه السورة وفي آخرها، والتي ذكر فيها أمر البعث والنشور، ثم أمر كذلك نزع هذه الروح وما يكون عليه الناس عند نزع هذه الروح، فعند ذلك ذكر هذه القسمة الثلاثية وختمت بها السورة كما ابتدئت السورة. فابتدئت السورة بذكر يوم القيامة وأحوال الناس في ذلك اليوم العظيم، وأنهم على ثلاثة أقسام، وكذلك ختمت هذه السورة بذكر وفاة هذا الإنسان وتوفيه، وأنهم كذلك أي الناس يتوفون على ثلاثة أقسام. ولما كانت السورة مكية وفي محاججة المشركين في أمر البعث والنشور، ناسب بحكمة الله سبحانه وتعالى أن تفتتح السورة بذكر يوم القيامة إذا وقعت الواقعة، فإن ذلك مؤذن أولا بتكذيب الكافرين والمجربين لما زعموه من تكذيبهم للبعث والنشور مع ما فيه من التخويف والتهديد. وهكذا كذلك ختمت في آخر السورة بهذا، فالله عز وجل قادر جل وعلا على إعادة الخلق بعد موتهم، وقد مرت معنا الأدلة الشرعية والعقلية التي حجج بها هؤلاء الكفار. فمن تمام المعنى ومن بلاغة القرآن ومن حسن السياق والسباق ختمت هذه السورة بهذه القسمة الثلاثية كذلك تهديدا وتخويفا للكافرين وإقامة حجة، وكذلك تسلية وترغيب للمؤمنين بعد أن ذكر ما ذكر سبحانه وتعالى من أمر أخذ هذه الروح. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾، قال المفسر رحمه الله: الميت لأن السياق في ذكر أحوال الناس عند الموت. من المقربين وهؤلاء هم أعلى هذه الأقسام الثلاثة، لن يذكروا في أول السورة كذلك فهم المقربون السابقون، ولاحظ أن أول السورة جاء ذكرهم في الأخير وفي آخر السورة جاء ذكرهم في الأول. وهذا موذن بالتذكير أن الجنة لما كانت درجات فأعلى درجاتها هي درجة السابقين المقربين، فكأن الوصفة من الأسفل إلى الأعلى، ولما كانت الوفاة بذكر حال الناس كان من الأعلى إلى الأسفل. فكمال النجاح هو ما يكون للمقربين لما في حالهم من الإكرام وكذلك الإنعام، فروح قال: أي فله استراحة، هكذا جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة مفسرين. وجاء عن غيرهم: فروح فرحمة، فرحمة، فالأول من التفسير ببعض المعنى، فإن الاستراحة والراحة من الرحمة، وأخذوه من الروحة، الروحة الاستراحة وهو آخر النهار. ومعنى الاستراحة الأخيرة الاستراحة الأخيرة أو ما يكون من استراحة في آخر هذه الدنيا، وفي نفس الوقت هو بمعنى الرحمة مثل قول الله عز وجل في قصة يوسف: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ أي من ماذا من رحمة الله. وهذا المعنى أبلغ وأوسع، فيدخل فيه الراحة بكل معانيها، ومعناه إن كان من المقربين فرحمة من الله وراحة غاية في الكمال والإنعام. وريحان قال: رزق حسن، أصل الريحان كما لا يغفى هو هذه الشجرة المعروفة، لكن الشجرة لها أكثر من اسم سميت ريحان لحسن ريحها وطيبه، ولذلك قد يطلق العرب الريحان على كل طيب. ولما كان المراد هنا حسن الخاتمة، جاء عن عدد من المفسرين أن الريحان هو كل رزق يرزقه من يتوفاه الله وهو على هذه الحال، فهو من عطف الخاص على العام. كأنه يقول: ومن رحمة الله أنه يكرم بخاتمة طيبة فيها كل طيب، يعني لا يتوفاه الله إلا بحسن الخاتمة أولا في كيفية الموت، فإنه يموت على أحسن كيفية إذا كان هو من المقربين. وكذلك ريحان في كيفية خروج هذه الروح واستقبال الملائكة إلى آخر ما ذكر في حديث البراء وغيره من صفة توفي الله عز وجل لعباده المؤمنين المقربين، ومن ذلك الريحة الطيبة، فإنه من معنى الريحان ومن معنى الرحمة. وجنة نعيم قال: وهل الجواب لإما أو لإن أو لهما أقوال، يعني جنة نعيم لهؤلاء فيكون الجواب لما قال أما إن كان من المقربين أو كذلك لإن لأنه جاء التفريق بين المقربين وأصحاب اليمين بإن. فالصحيح أنه يشملهما معا، يشملهما معا، فكأنه يقول إذا كان لإن كما أشار في التعليق يكون الجواب محذوفا، فالمعهود يذكر وينبه على المحذوف. وقوله رحمه الله: وأما إن كان من أصحاب اليمين في تفسيرها قال: أي له السلامة من العذاب، قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ هؤلاء هم القسم الثاني. فسلام لك قال: أي له السلامة من العذاب، وسلام نكرة في سياق الإثبات فتشمل كل معنى للسلام سواء أكان للروح أو الجسد والحس أو المعنى. ولهذا جاء عن بعض المفسرين من الصحابة والتابعين أنه تسلمهم الملائكة، وجاء كذلك أنه مسلم لهم، فكل معنى السلام يدخل، وهذه التفاسير التي جاءت من التفسير ببعض المعنى والمعنى له السلامة الكاملة التامة. ولكن لاحظ أن السلامة تعني أنه في منزلة بين من أكرم غاية الإكرام وبين من وقع في عظيم الإهانة والعذاب، فلا هو بالذي ارتقى إلى أعلى الدرجات ولا هو بالذي هلك إلى أدنى الدرجات. ولكنه خرج من هذه الدنيا مسلما كفافا، فهو نجأ لكنه نجأ بسلامة لا بغاية إكرام، وهذا هو حال أكثر المسلمين، وكما مر معنا أن أهل الإسلام ثلاثة مراتب أهل إسلام وإيمان وإحسان. فأعلى المراتب هم أهل الإحسان وهؤلاء هم المقربون السابقون. وقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ هذا هو القسم الثالث وهم أهل الكفر والشرك والنفاق والبدع والضلال والإجرام الذين استحقوا النار. فتظهر لتيجتهم من يوم توفي أرواحهم، فنزل من حميم، النزل كما تقدم معنى الضيافة ومعنى أنهم من أول أمرهم يضيفون بما يكون عليه حال أهل الحميم. وقيل أنه يصلهم، جاء عن بعض المفسرين أنه يصلهم عذاب هذه الحميم كما قال الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فالنار تعرض على آل فرعون في الصباح وفي المساء، وهذا قبل يوم القيامة، وهكذا كذلك من كان مثلهم، وهذا عدل الله سبحانه وتعالى. ومن الحميم كذلك إخراج الروح ونزعها تنزع بغاية من العذاب كما جاء في حديث البراء وغيره، وهكذا كذلك الملائكة تعاملهم معاملة أصحاب الحميم فتضربهم كما جاء في عدد من الآيات وهكذا كذلك في السنة. وتصلية الجحيم تأكيد لحال أهل الحميم أنهم يصلون، والتصلية الإيقاد، فهم وقود جحيم، هم وقود النار والجحيم أسفل النار. إن هذا له حق اليقين قال: من إضافة الموصوف إلى صفته، يعني تأكيد لهذا الوصف، وكذلك هذه القسمة التي غفل عنها الكافرون والمجرمون فيذكر الله عز وجل ويخوف بها سبحانه وتعالى. فسبح باسم ربك العظيم قال: تقدم، وقد تقدم معنا في هذا أنه ليس فيها شيء زائد، بل الباء للمصاحبة للتأكيد أن يسبح الله بذكر اسمه. وتسبيحه جل وعلا وكل ما مضى يدل على عظمة الرب جل وعلا ومعاني هذه العظمة في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته تقتضي الاستجابة لأمره وناهيه واتباع ما أنزل من كتابه وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه السلام.