تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 14

تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 14

الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الله للمؤمنين من المداهنة

يحذر الله المؤمنين من المداهنة في الحق، ويفصل بين المداهنة والمدارة، مع بيان أن المداهنة محرمة بينما المدارة جائزة لدفع شر أو إصلاح. المطلوب هو الوسط بين الجرأة والمداهنة.

التعلق بالأسباب والشرك

يشرح كيف أن المشركين اعتقدوا أن النجوم تجلب الخير بذاتها، ويفرق بين أخذ الأسباب والاعتماد عليها، مؤكدًا على أهمية تعلق القلوب بالله وحده. هذا يعد شركا أكبر.

تفسير آية الواقعة وقدرة الله

يفسر آية من سورة الواقعة، مبينًا قدرة الله على البعث والنشور، ويشرح خروج الروح من الجسد، ويستدل بذلك على صدق رسالة النبي محمد، ويبين معنى قرب الله من العبد.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين. قال المفسر رحمه الله: أفبهذا الحديث القرآن أنتم مدهنون، متهاونون مكذبون، وتجعلون رزقكم من المطر، أي شكره، أنكم تكذبون بسقي الله، حيث قلتم: مطرنا بنوء كذا. فلولا، فهلا إذا بلغت الروح وقت نزعها، الحلقوم هو مجرى الطعام، وأنتم يا حاضري الميت حينئذ تنظرون إليه، ونحن أقرب إليه منكم بالعلم، ولكن لا تبصرون من البصيرة، أي لا تعلمون ذلك. فلولا، فهلا إن كنتم غير مدينين، مجزيين بأن تبعثوا، أي غير مبعوثين بزعمكم، ترجعونها، تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم، إن كنتم صادقين فيما زعمتم. فلولا الثانية تأكيد للأولى، وإذا ظرف لترجعون المتعلق به الشرطان، والمعنى: هلا ترجعونها إن نفيتم البعث صادقين في نفيه، أي لينتفي عن محلها الموت، كالبعث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا بهذه الآيات العظيمات في سورة الواقعة، في محاججة المشركين الكافرين، والسورة والآيات أكثرها مكية في خطاب المشركين الكافرين. وهذه الآية: أفبهذا الحديث أنتم مدهنون، خطاب للمؤمنين، بعد أن ذكر الله عز وجل نزول القرآن، وتكفل الملائكة بحفظه بحفظ الله سبحانه وتعالى، ناسب أن يذكر المؤمنين بوجوب الصدع بهذا القرآن، وعدم المداهنة فيه، وهو من باب التأكيد، ولمن قد يقع منه ضعف زجر وتوبيخ، فهو للأولين كقول الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُوا فَيُدْهِنُونَ. فلم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم المداهنة، ولكن فيه طمع الكافرين في حصول هذه المداهنة. والمداهنة غير المدارة، المدارة ما يكون من دفع شر المبطل وأذيته بما ليس فيه تنازل عن الحق، وفي المعاريض مندوح عن الكذب. وأما المداهنة فهو مجاراة المبطل مع حصول بعض التنازلات عن الحق، فالأول جائز والثاني محرم. فيحذر الله عز وجل أهل الحق من المداهنة في الحق. إذن قوله: متهاونون مكذبون، ليس بصواب، بل الصواب النهي عن المداهنة، ولا يصل هذا إلى التكذيب. يعني أن الله عز وجل يأمر بالصدع بهذا القرآن، ما دام أنه منزل من عند الله وأنه حق، ويحذر من المداهنة فيه. هذا معنى الآية، وعلمنا ما معنى المداهنة، وهو التهاون في الحق بالتنازل عن شيء منه. وأما تأخير بعض الحق لما تقتضيه المصلحة، فهذا ليس من المداهنة، بل هو من المدارة، وبين المدارة والمداهنة فرق. ومن هذا: حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وفي الأثر الآخر: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. ولكل مقام مقال. ولهذا جاءت آيات القرآن المكية تختلف عن الآيات المدنية، فأكثر الأحكام إنما جاءت في الآيات المدنية، وليست المكية. وليس هذا من المداهنة، ولكن هذا من الحكمة في التشريع، ومن المدارة لإصلاح الخلق. وهكذا قل: والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فإذا قوله: متهاونون مكذبون، ليس بصواب. ولو قيل: إن هذا خطاب للكافرين والمشركين، فهو كذلك ليس بصواب، الكافر ليس عنده شيء ليداهن فيه؛ لأنه كافر أصلا بالحق مكذب له. وإنما يوصف بالمداهنة من عنده الحق ويتساهل ويتهاون فيه، وهذا يصح فيمن في المؤمنين، وليس في الكافرين. ولهذا الصحيح أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وليس خطابا للكافرين، ويشبهها قول الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُوا فَيُدْهِنُونَ، والخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده. وهل النبي صلى الله عليه وسلم داهن؟ الجواب: لا. ولكنه بيان لحال مطمع الكفار، وفي نفس الوقت تحذير من أن يحصل شيء من التساهل، فيتحقق مطمع الكفار، كأنه يقول سبحانه: ابقوا في شجاعة في الصدع بالحق، والقوة والاعتزاز به، ولا ينبغي أن يحصل منكم شيء من الضعف بالتنازل عن شيء من الحق. وهذا لا يعني كذلك في نفس الوقت فعل المداراة والحكمة الذي تقتضيه عمومات الشريعة، فإنه فرق بين المداراة وبين المداهنة. فالمطلوب وسط، المطلوب وسط، لا مداهنة بالتنازل عن الحق، ولا كذلك جرأة بإضاعة الحق؛ لأن الجرأة غير المنضبطة بالحكمة تهلك أصحاب الحق، وتجعل الأعداء يبطشون بهم سريعا. والمداهنة تضعف الحق. والوسط هو المطلوب، أن يجري صاحب الحق بما يقتضيه المصلحة، تارة بالصدع، وتارة بالمدارة، تارة بالجهر، وتارة بالسر. فليس السر مداهنة والعجز، ولكنه حكمة. وهذه دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أخبر الله عز وجل عن نوح أنه دعا قومه سرا وجهارا. فهل حين جهر بالجهار كان متهورا؟ لا، إنما في المقام الذي يليق به الجهار. وهل حين دعا بالسر كان مداهنا؟ الجواب: لا. ولكن بما تقتضيه الحكمة كذلك، وهذا هو المقصود. وقوله سبحانه: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنْ تَكْذِبُوا، وهذا الخطاب للمؤمنين والكافرين، للكافرين أنه واقع منهم، وللمؤمنين أن لا يتشبه بهم، وذلك قوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ، قال المفسر رحمه الله: من المطر، أي شكره، أنكم تكذبون، قال: بسقي الله، أو بسقي الله، حيث قلتم: مطرنا بنوء كذا. جاء في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح على إثر مطر، فالتفت إلى أصحابه صلى الله عليه وسلم، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال الله عز وجل: أصبح من عبادي اليوم مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فإنه كافر بي مؤمن بالكوكب. وكان هذا عقيدة المشركين الكافرين، يعتقدون بالأنواء، ولهذا يوجد منهم من يعبد هذه الأنواء. والمراد بالأنواء: النجوم ومنازلها، فيعبدون هذه النجوم ومنازل هذه النجوم، لاعتقادهم أن بعض هذه النجوم تجلب الخير بذاتها. ولهذا تتعلق قلوبهم بها، فهم تعلقوا بالأسباب، ولم يتعلقوا بمن هو مسبب الأسباب، وهو الله سبحانه وتعالى. وهذا من الشرك الأكبر المخرج من دين الإسلام، لو أنه وقع من مسلم. وفي نفس الوقت قد يقع شائبة هذا الشرك، الشرك الأصغر، من بعض المؤمنين أو المسلمين، وذلك بأن يكون هناك شيء من التعلق، ولو بالقلب، بهذه الأنواء، فيكون معنى قول الكافرين، وإن لم يتفوه به ألسنتهم، لكنه يوجد في قلوبهم. وهذا الالتفات القلب بالتعلق بهذا النوع فيه معنى عقيدة المشركين. والمعنى أن يرد الفضل والشكر لله عز وجل وحده، لا يشاركه معه فيه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا أن يكون نوءا أو نجما. ولهذا فسرت هذه الآية بقراءة تفسيرية عن ابن عباس وعلي وعدد من الصحابة والتابعين: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنْ تَكْذِبُوا، وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنْ تَكْذِبُوا. وجه ذلك: تعلق القلوب بغير الله عز وجل، فيصير القلب ليس متعلقا بالله، كأنه حصل عند بعض الناس ثقة بقولهم: إن النجم الفلاني سيأتي المطر. القلب متعلق بالنجم أو بالله بالنجم؟ أما الذي متعلق بالله فهو لا يزال يدعو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه عالم ويعلم أنه قادر سبحانه وتعالى أن ينزل المطر ولو في غير وقته. فمتى ما وقعت الحاجة رفع يديه بالدعاء، وشرع للناس صلاة الاستسقاء. فلو جفت الآبار في غير وقت الأمطار، هل يشرع الاستسقاء؟ أم لا يشرع الاستسقاء؟ ولو كان في غير وقت نزول المطر ونجمه المعتاد، نعم، ولو كان في غير وقت نزول المطر ونجمه المعتاد؛ لأننا على يقين أن الذي أنزل المطر في نجمه المعتاد قادر على أن ينزله في غير نجمه المعتاد، وأنه كذلك قادر على أن لا ينزله في نجمه المعتاد. ولذلك حتى إذا قرب وقت نزول المطر باقتراب ذلك النوء والنجم، فإننا نبتهل ونبتهج بالدعاء، دعاء الله عز وجل، ولا نتعلق بهذا النجم. وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين والمشركين. المؤمن دائما يتعلق بالله عز وجل مسبب الأسباب، وحتى مع علمه أن الله جعل أسبابا زمانية ومكانية لحصول الخير والشر. لكنهم يعلمون علم اليقين لعظيم توكلهم بالله أنه قادر جل وعلا أن يمضي الأسباب بغير آثارها، وأنه قادر على أن يوجد ما تثمره هذه الأسباب ولو لم توجد هذه الأسباب. ولذلك فقلوبهم متعلقة بالله، لا يكترثون. وليس ينافي هذا التوحيد العلم بالحساب والتهيؤ له. كون أن الفلاح يتهيأ في موسم الأمطار بالزروع المناسبة، ليس هذا من الاعتقاد بالنجوم، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أذن بها شرعا. ولكن لا تتعلق القلوب بهذه الأسباب. ففرق بين أن نأخذ بالأسباب، وهو من التوكل، وبين أن نعتمد على الأسباب، وهذا منافي للتوكل، وهو من الشرك، فقد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. وهذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة الدقيقة التي يقع فيها الخطأ حتى من بعض من ينتسب إلى دين الإسلام. فلذلك ينبغي أن يكون من تمام شكر الله على نعمه أن تتعلق القلوب به وحده لا شريك له. وهذا، فيما يتعلق بالنجوم. وناسب ذكر هذه الآية: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنْ تَكْذِبُوا، بعد أن ذكر القسم بالنجوم. وكما علمنا: النجوم فسرت بأحد التفسيرين، إما أنها الأفلاك، وإما أنها منازل هذه الأفلاك. وكلا التفسيرين صحيح. وكما قلنا: ليس هذا خاصا بالنجوم، بل بكل الأسباب، أن لا تتعلق قلوب المؤمنين إلا بالله عز وجل وحده مسبب الأسباب، سواء ما يتعلق بالأسباب المكانية أو الزمانية أو غيرها من الأسباب التي جعلها الله عز وجل أسبابا. فنحن نتخذها بما أمرنا به شرعا، ونستعين بها بما أذن به شرعا، ولكن لا تتعلق قلوبنا بها، فضلا أن نعتمد عليها، بل تتعلق القلوب بالله عز وجل وحده، ونعتمد على الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. وقوله سبحانه: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، هذه الروح كما ذكر المفسر رحمه الله، أي: وهذا خطاب للكافرين المشركين، بعد أن ذكر الآيات، وقبله إنكارهم للبعث والنشور، ذكر هذه الآيات تذكيرا وتعجيزا، أي: إن كنتم لا تستطيعون إيقاف نزع الروح، فكيف تكذبون بأمر إرجاع هذه الروح؟ فالذي انتزعها، ولا يشاركه في انتزاعها أحد، ولا يمنعه من انتزاعه أحد. ولا شك أن الناس جميعا، والكفار والمشركون خصوصا، يودون لو أنهم لم يخسروا أحدا قريبا لهم محبوبا أو غير ذلك. ولكن هل يستطيعون أن يحولوا بينه وبين الموت؟ ما أحد يستطيع. وهذه آية يقهر بها هذا المخلوق، مهما كبر عظمة، من الذي يقهره؟ الله وحده سبحانه وتعالى. ما في أحد من الكافرين المشركين يود الموت، ولو استطاعوا لدفعوه، ولكنهم لا يستطيعون. فإذا كان هذا دليل على تفرد الله عز وجل، فإن كذلك البعث والنشور أهون وأيسر عليه سبحانه وتعالى. فالذي أخذ الروح قادر على إرجاعها سبحانه وتعالى. وقوله: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قال: هو مجرى الطعام. وهذا خلاف الصواب. والصواب أن الحلقوم مجرى الهواء، وهناك مجرى للطعام، وهو المريء. ومجرى للهواء، وهو الحلقوم. والمريء أشبه ما يكون بالأمعاء الكبيرة، ولذلك يكون ليناً يضغط الطعام والشراب، ويمّرره بضغطه ومتابعته بالضغط حتى ينزل إلى المعدة. وأما مجرى الهواء فهي حلقات مفتوحة دائما، ولها صمام بحكمة الله سبحانه وتعالى، ينظم دخول الهواء. ودخول الطعام مدخل واحد، ولكن المجرى اثنان. فالحلقوم مجرى الهواء، والروح تنتزع من هذا المجرى، تصعد من أسفل الجسد إلى أعلى حتى تخرج مع مجرى الهواء. ولهذا جاء في عدة أحاديث في ذكر وصف نزع الروح أنها تسل سلاً، إما كأنها قطرة من في السقاء، قراوة وسلاسة وإكراما. وإما أن تسلوا كما يسل الشوك من الصوف، وهو السفود، أي: الصوف المختلط بعضه ببعض، ودخل به الشوك مختلطا به، كيف ينتزع هذا الشوك؟ لا ينتزع إلا وقد مزق من هذا الصوف الشيء الكثير. وكذلك روح الكافر أو الفاجر تنتزع انتزاعا من جسده، حتى تتمزق عروقه كما تتمزق شعيرات ذاك الصوف؛ لتأكيد ما يكون من الألم في هذا الانتزاع. وانظروا إلى هذا الوصف البليغ من النبي صلى الله عليه وسلم، وتناول ثلاثة معاني بليغة. أولها: هذا الوصف كيف أن الروح تخرج من سائر الجسد. فالروح لباس للجسد من داخله، كما أن الجلد لباس للجسد من خارجه. وهذا ما عجز أن يصفه الأطباء بهذه الروح. فالروح لباس للجسد من الداخل، تتلبس بهذا الجسد بأكمله. ولذلك قد يكون انتزاع هذه الروح جزئيا، فإذا حصل الانتزاع الجزئي مات ذاك العضو. وإذا مات ذاك العضو لزم قطعه، وإلا تسرى هذا الموت لباقي الجسد؛ لأنه إذا انقطعت الروح انقطعت كل وظائف الجسد. وهذا الذي علمه الأطباء مؤخرا. ولذلك يبادرون بقطع الجزء الميت حتى لا يتسرى هذا الموت لباقي الجسد. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا قبل أكثر من 1400 عام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي يوحى. وهكذا كذلك وصف نزع هذه الروح، وهذا شيء آخر عجيب، لا يمكن للطب أن يصل إليه. ولكن لأنه من الله يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الدقيق. والثالث: خروج هذه الروح مع مجرى الهواء. ما كان يعرف هذا أهل الطب حتى علمه الأطباء مؤخرا. وكل هذا من دلائل نبوة وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وهذا معنى هذه الآية: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، أي: الروح. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، ترون نزع الروح وهي تخرج من حلقومه، ولا تستطيعون أن تصنعوا شيئا. أي: إذا كان كذلك، فالله وحده الذي أخرجها قادر على أن يرجعها. وهذا هو قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ. وقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ، قال: بالعلم. وهذا التفسير، وتفسير جمهور أهل العلم، هو صحيح. ولكن أبى شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وتلميذ بن القيم، هذا اللفظ؛ لأن المراد بالقرب ليس قرب العلم فقط، بل قرب الإحاطة والقدرة التي تكتفي معنى قرب الرب سبحانه وتعالى ومعيته. ولا نقول: قرب ذاته؛ لأن الذات منزهة عن مخالطة المخلوقين. ولكن نقول: قرب قدرته وإحاطته وعلمه. لا نقف عند العلم، وإنما كل معاني الربوبية والألوهية. التي كأن ذلك قرب إيش؟ قرب الذات؟ كأن ذلك قرب الذات. إذن لا نكتفي بالعلم، بل قرب إحاطته وقدرته ومعاني ربوبيته، ومن ذلك علمه سبحانه وتعالى. وقوله: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ، قد يقول قائل: كيف يقول هذا، والله عز وجل كما فسرناه ليس هو الذي قريب، وإنما الملائكة؟ الجواب: أن الملائكة جند الله سبحانه وتعالى، وإضافة الفعل إلى من أرسلهم سائغ في اللغة وفي الشرع. فتقول: فتح الملك مدينة كذا، هل فتحها بنفسه؟ فتحها بمن؟ بجنده. وإذا كثير في الشرع وفي اللغة. وهذا منهم. وهكذا كذلك قول الله عز وجل: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، من الذي يجمعه ويقرأه؟ الله؟ جبريل هو الذي كان يلقن النبي صلى الله عليه وسلم. فنسب القراءة قراءة جبريل إلى نفسه سبحانه وتعالى؛ لأنه مرسل من عند الله سبحانه وتعالى، وأمره وفعله بأمر الله وبإذن الله. وَلَوْلَا أَنْ أَذِنَ اللَّهُ وَشَاءَ لَمَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ. وقوله: وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ، قال: من البصيرة، أي: لا تعلمون ذلك. والصحيح أنه بالمعنيين جميعا: البصر الحسي والبصر المعنوي؛ لأن المقصود هذا الوضع الذي عليه الميت، فهم لا يبصرون حسا فيرون ذلك، وهذه آية من آيات الله. ولا يبصرون معنى فيعتبرون من ذلك، هم حرموا البصر والبصيرة، حرموا البصر والبصيرة. فَلَوْلَا، قال: هَلْ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، أي: مجزيين بأن تبعثوا، تبعثوا. وهذا تأكيد لما سبق في إنكار البعث والنشور. فالآية عجز وتأكيد أنه وحده المتفرد بالبعث والنشور، كما أنه متفرد بأخذ الروح، متفرد بردها، وقادر على ذلك. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا.