الدرس في جواهر البلاغة 128، الدرس الثامن والعشرون بعد المائة:من( تطبيق عام على أنواع التشبيه ... والقاسي بالحجاج الثقفي أحد جبابرة العرب المتوفى سنة 97هـ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تطبيق عملي على أنواع التشبيه في اللغة العربية من خلال أمثلة شعرية ونثرية، ويشرح كل تشبيه مفصلًا من حيث المشبه والمشبه به والأداة ووجه الشبه والغرض منه. يُظهر تنوع التشبيهات في اللغة العربية وتطبيقاتها المختلفة في التعبير الأدبي.
يتناول هذا الفصل بلاغة التشبيه في الأدب العربي، موضحًا كيف ينتقل التشبيه بفكرة من شيء إلى آخر مشابه بطريقة طريفة أو صورة بارعة، ويشرح أنواع التشبيهات ودرجات بلاغتها. يبرز أمثلة من الشعر العربي على تشبيهات بليغة تبرز جمال اللغة وروعة التعبير.
يتناول هذا الفصل تشبيهات العرب في وصف الأشخاص والصفات، ويبرز أهمية الإطلاع على كلام العرب لفهم بلاغتهم، كما يشير إلى أن الشعراء يأخذون عن بعضهم البعض ويقتبسون من أشعارهم. ويشرح أيضًا كيف أن الشعراء القدماء يشبهون الأشياء بما حولهم لأنهم لا يعرفون غيره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الملك رحمه الله تعالى: تطبيق عام على أنواع التشبيه. قال: اشتريت ثوبًا أحمر كالورد. قال: في هذه الجملة تشبيه مرسل مفصل، المشبه ثوبًا، والمشبه به هو الورد، وهما حسيان مفردان، والأداة الكاف، ويوجد شبه الحمر في كل، يعني المشبه والمشبه به. قال: والغرض منه بيان حال المشبه، يعني من جماله في لونه كجمال الورد في لونه. قال: ما الدهر إلا الربيع المستنير، إذا أتى الربيع أتاك النور، فالأرض ياقوتة، والجو لؤلؤة، والنبت فيروز، والماء باللور. الظاهر الجيم زائد، هذه أو فيروزك، الله أعلم، إذا كان لها معنى نتأكد، ننظر سالم عندهم في مختار الصحاح. قال: الأرض ياقوتة تشبيه بليغ مجمل، المشبه الأرض، والمشبه به ياقوتة، وهما حسيان مفردان، ووجه الشبه المحذوف وهو الخضرة في كل، والأداة محذوفة، يعني اجتماع الخضرة هذا وجه الشبه في الأرض وفي الياقوتة، الياقوت لونه أخضر، والأرض لكثرة العشب كذلك فيها خضرة. قال: والغرض منه تحسينه. والجو لؤلؤة، والنبت فيروز، فيروزك، كأنه، والماء باللور كذلك. قال: وفي البيت كله تشبيه مفروق؛ لأنه أتى بمشبه ومشبه به وآخر وآخر، يعني أكثر من مشبه ومشبه به، وهو تشبيه بليغ؛ لأنه حذف أداة الشبه ووجه التشبيه. قال: العمر والإنسان والدنيا هم كالظل في الإقبال والإدبار. قال: فيه تشبيه تسوية مرسل مفصل، المشبه العمر والإنسان والدنيا، والمشبه به الظل، والمشبه بعضه حسي وبعضه عقلي، والمشبه به حسي، والكاف والأداة، والكاف الأداة، يعني هي الأداة، ووجه الشبه الإقبال والإدبار، والغرض تقرير حالة في نفس السامع، وهو فيه شيء من التخيل. قال رحمه الله: كم نعمة مرت بنا وكأنها فرس يهرول أو نسيم ساري. قال: في البيت تشبيه، تشبيه جمع مرسل مجمل، المشبه نعمة، والمشبه به فرس يهرول أو نسيم ساري، وهما حسيان، وهنا أتى به أكثر من مشبه به. قال: وهما حسيان، وكأن الأداة، وجه الشبه السرعة في كل، يعني في الفرس كأنه، كأن النعمة مرت سريعة كمرور الفرس والنسيم والهواء الرطب العابر. قال: والغرض منه بيان مقدار حاله، يعني النعمة ومرورها. قال: ليل وبدل ووصل شعر ووجه وقدي، فيه تشبيه بليغ مجمل ملفوف، المشبه شعر، وهو حسي، والمشبه به ليل، وهو عقلي، والأداة محذوفة، وجه شبه السواد في كل، والغرض منه بيان مقدار حاله. قالوا: في الثاني المشبه وجه، والمشبه به بدر، وهما حسيان، ووجه الشبه الحسن في كل، والأداة محذوفة، والغرض تحسينه. وفي الثالث المشبه قد، والمشبه به غصن، ومحسيان، ووجه الشبه الاعتدال في كل، والأداة محذوفة، والغرض بيان مقداره. هذا قالوا: وإن شئت فقل هذا تشبيه مقلوب، بجعل المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، بأن يجعل الليل مشبهًا والشعر مشبهًا به. وقالوا: وإن شئت؛ لأنه على تقدير أن الكلام ليس فيه تقديم وتأخير، وأما على تقدير أن الكلام فيه التقديم وتأخير فيكون كما لا ترى قبل. قالوا: وقد لاحب الصبح الثرية كما ترى كعنقود ملاحية حين نورا. قالوا: فيه تشبيه تمثيل مرسل مجمل، المشبه هيئة الثرية الحاصلة من اجتماع أجرام مشرقة مستديرة منيرة، والمشبه به هيئة عنقود العنب المنور، والجامع الهيئة الحاصلة من اجتماع أجرام منيرة مستديرة في كل، والأداة الكاف، والغرض منه بيان حاله، فشبه النجوم وفيها ثرية كعنقود. قال: بلاغة التشبيه وبعض ما أثر منه عن العرب والمحدثين. تنشأ بلاغة التشبيه من أنه ينتقل بكم من الشيء نفسه إلى شيء طريف يشبهه أو صورة بارعة تمثله، وكلما كان هذا الانتقال بعيدًا قليل الخطور بالبال أو امتزج بقليل أو كثير من الخيال كان التشبيه أروع للنفس وأدعى إلى إعجابها واهتزازها. فإذا قلت: فلان يشبه فلانًا في الطول، أو إن الأرض تشبه الكرة في الشكل، لم يكن في هذه التشبيهات أثر للبلاغة؛ لظهور مشابهة وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة وجهد أدبي ولخلوها من الخيال. وهذا الضرب من التشبيه يقصد به البيان والإيضاح وتقريب الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون. قال: التشبيه مع ما فيه من ميزة الإيجاز في اللفظ يفيد المبالغة في الوصف، ويخرج الخفي إلى الجلي والمعقول إلى المحسوس. فالخفي هو تلك الصفة التي وقعت فيها التشبيه من كرم أو شجاعة أو غير ذلك، مثلا. قال: ويجعل التافه نفيسًا والنفيس تافهًا، ويدني البعيد من القريب، ويزيد المعنى وضوحًا ويكسبه تأكيدًا، فيكون أوقع في النفس وأثبت، وله روعة الجمال والجلال، وهذا بحسب المقصد من هذا التشبيه. قال: ولكنك تأخذك روعة التشبيه حين تسمع قولًا مع الري يصف نجمًا يسرع اللمح في احمرار كما تسرع في اللمح مقلة الغضبان، يعني لحظ سريع، وكذلك لمح هذا النجم. قال: فإن تشبيه لمحات النجم تألقه مع حمرار ضوئه بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة التي لا تنقاد إلا لأديب، فنقل الخفي إلى جلي والمعقول إلى محسوس. قال: وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع. قال: ومن ذلك قول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع. فإن جمال هذا التشبيه جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقه في عقد المشابه بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهو محالة النجوم في رقعة الليل بحال السنن الدينية الصحيحة متفرقة بين البدع الباطلة. وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع، يعني جمع بين المحسوس والمعقول، وهذا نادر أن يكون التشبيه بهذا الوصف، فجعل هذه النجوم كما ذكر رحمه الله مثل السنة بين البدع، معنى السنة بين البدع تتميز، وكذلك هذا النجم في الظلام له نور كنور السنة. قال: ولهذا التشبيه روعة أخرى جاءت من أن الشاعر تخيل أن السنن مضيئة لمعه، وأن البدع مظلمة قاتمة. قال: ومن ابتداع التشبيهات قول المتنبي: بليت بلا الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع بالترب خاتمه. قال: يدعو الشاعر على نفسه بالبلاء والفناء إذا هو لم يقف بالأطلال ليذكر عهد من كانوا بها، ثم أراد أن يصور لك هيئة وقوفه فقال: كما يقف شحيح فقد خاتمه بالترب، يعني معناه يطول انتظاره وبحثه، فكذلك حاله في إرادة وقوفه وتذكر ما كان في هذه الأطلال، كأنه يبحث عن شيء من تاريخ هذه الأطلال. قال: من كان يوفق إلى تصوير حال الذاهب المتحير المحزون المطرق برأسه المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة بحال شحيح فقد في التراب خاتمًا ثمينًا، هذه بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافته وبعد مرماه ومقدار ما فيه من خيال. أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية التي يوضع فيها فمتفاوت أيضًا، فأبلغ التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذكرت أركانه جميعًا، وقد تقدم معنا؛ لأن بلاغة التشبيه مبنية على الدعاء أن المشبه عين المشبه به، ووجود الأداة ووجه الشبه معًا يحولان دون هذا الادعاء، فإذا حذفت الأداة وحدها أو وجه الشبه وحده ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلًا؛ لأن حذف إحدى هذين يقوي الدعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية. أما أبلغ أنواع التشبيه فالتشبيه البليغ؛ لأنه مبني على الدعاء أن المشبه والمشبه به شيء واحد. هذا مقدر العرب والمحدثون على تشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشهم الماضي في الأمور بالأحلام، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، يعني شديد السواد، والماء بالسيف، والعالي المنزل بالنجم، والحليم الرزين بالجبل، والأمان الكاذبة بالعنقاء، والماء الصافي باللجين، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزاخر، والخيل بالريح، والبر والنجوم بالدرر والأزهار، والأسنان بالبرد واللؤلؤ، والسفن بالجبال، والجداول بالحيات الملتوية، والشيب بالنهار، ولمع السيوف وغرة الفرس بالهلال. ويشبهون الجبان بالنعامة والذبابة، واللئيم بالثعلب، والطائش بالفراش، والذليل بالوتد، والقاسي بالحديد والصخر، والبليد بالحمار، والبخيل بالأرض المجدبة. وبه نعرف كذلك أن من أراد أن يسلك مسلك العرب في بلاغتهم في باب التشبيه فعليه أن يكون على سعة اطلاع ووقوف على كلامهم من نثرهم وشعرهم. ولهذا تجد الشعراء يأخذ بعضهم عن بعض ويقتبس بعضهم من بعض؛ وذلك لأن قوة الفصاحة والبلاغ والبيان كما تقدم لا تكمن في نفس الألفاظ، بل كذلك في كيفية تناسق وتراكب هذه الألفاظ، فيحتاج الباحث عن المعنى الفصيح البليغ إلى وقوف كثير على هذه الأشعار أو هذه المنثورات التي يكون فيها معنى هذا الكلام الفصيح البليغ في باب التشبيه وفي غيره. ولهذا يكثر تميز الشعراء الفصحاء البلغاء بكثرة أخذهم عن من سبقهم واقتباسهم من أشعارهم، ولو لم يكن في نفس الألفاظ لكنه في التراكيب وتناسق الجمل والكلمات فيها والألفاظ. قال: وقد اشتهر رجال من العرب بخلال محمودة فصاروا فيها أعلامًا، فجرت تشبيه بهم، فيشبه الوفي بالسموأل، والكريم بحاتم، والعادل بعمر، والحليم بالأحنف، والفصيح بسحبان، والخطيب بقس، والشجاع بعمر بن معد يكرب، والحليم بلقمان، والذكي بإياس. واشتهر آخرون بصفات ذميمة أو الحكيم لقمان. قال: والذكي بإياس، واشتهر آخرون بصفات ذميمة فجرت تشبيه بهم أيضًا، فيشبه العلي بباقل، والأحمق بهبنقة، والنادم بالكسعي، والبخيل بمادر، والهجاء بالحطيئة، والقاسي بالحجاج الثقفي، أحد جبابرة العرب المتوفى سنة سبعة وتسعين هجرية. وكل واحد من هؤلاء له قصة، ولهذا صار يضرب به المثل، فعمر له قصص رضي الله عنه في عدله، وحاتم كذلك الطائي له قصص، وهكذا كذلك السموأل ابن عادي اليهودي، وغيرهم مما ذكر، وغيرهم كثير، ويوجد هذا يعني بالنسبة لبعض من لا يعرف تفاصيل أمورهم وتوضيح ضرب الأمثال بهم بكتاب الأمثال، حتى صارت بعض هذه كالأمثال، يقال: ندمت ندامة الكسعي. إلى هنا إن شاء الله، طبعًا صحيح، هذا كما يقولون، من من انتقادات الشعر المعاصر على الشعر القديم، بعضهم يعمل مقارنة ويجعل أن الشعر القديم محصور ويجعلون الشعر الحديث متحرر، ولكن بالحقيقة التحرر الذي قصدوه أفلت قوة الفصاحة والبيان بالشعر. ولهذا الشعر الحديث الحر الذي يسمونه الحر لا ينضبط بقافية ولا بوزن، ولا كذلك بحرف روي، يكون في الغالب شعر ركيك ومتفكك ومتناثر، والشعر العربي القديم تجد فيه مع ترابطه وتناسقه وقوته قوة فصاحة وبيان في الكلمات. وأما كونه محصورًا فليس الحصر دائمًا مذمومًا، بل قد يمدح؛ لأنه بقاء على الصفاء والفصاحة، وإن كان من يتتبع أشعار العرب كلامهم يجد فيه يعني شيء من الخروج عن المعهود أحيانًا، وهذا يدل أن أشعارهم تنقسم إلى أقسام، فمنها ما هو شعر الفصيح الذي يستطيع أن يأتي بشيء لم يسبق إليه، وبعضهم ولهذا كان العرب يجعلون مسابقة في الشعر لأجل أن يثروا الشعر بالجديد. يثروا الشعر بالجديد، وتعرفون موضوع المعلقات السبع من هذا الباب، لكن بعض الشعراء لضعف قوته في هذا الباب يكتبس من غيره، فكون يوجد بعض من يكتبس لا يعني ذلك أنه لا يوجد من يأتي بالجديد، وإلا فيوجد لمن يتتبع. نعم، والله أعلم، أي قصدك أنت ما يشبههم بأمور أخرى، إنما شوفهم مثل ما ذكر الآن، يعني هذا كثير، كون أنهم شبهوا الجواد بالبحر، والوجه الحسن بالشمس والقمر، هذا كثير؛ لأن هذا الذي يرون حولهم، ما عندهم غيره، حتى الإنسان لو يعني خرج عن هذا الإطار، وقيل لهؤلاء أصحاب الشعر الحديث، وأنتم ماذا يدور كلامكم يدور بما حولكم. فلما كان ما حولكم فيه أشياء أوسع صارت لكم تعابير أوسع، فالإنسان ما يخرج من المحيط الذي يعيش فيه هذا هو الغالب، ثم كذلك ينتقون الأحسن والأجمل والأقوى في التشبيه والتمثيل، فلهذا جرى مثل ما ذكر هنا، هذه الألفاظ هذا كثير وغالب، لكن لا يعني أنه منحصر، يجد الإنسان أشياء أخرى غير هذا المذكورات، الله أعلم.