التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام 1

التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام 1

الدرس في التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة الرسالة وفضائل شهر رمضان

يبدأ الدرس بقراءة مقدمة الرسالة ويتحدث عن فضائل شهر رمضان وأهمية استغلاله. يشير إلى أن رمضان موسم للتقوى وتكفير السيئات.

أحكام وفوائد الصيام

يتناول حكم وفوائد الصيام، حيث يربي الإخلاص ويجلب التقوى ويكون جنة للمسلم. يستشهد بالأحاديث والآيات لدعم هذه الأحكام.

فضائل الصيام ومضاعفة الأجر

الصيام يكفر السيئات ويضاعف الحسنات وتفتح أبواب الجنة في رمضان. العمرة فيه تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

خاتمة الدرس والدعاء

تم الانتهاء من الدرس بنعمة الله والصلاة والسلام على النبي محمد وآله. يشكر الله على توفيقه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام لفضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني، حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ففي هذه الأيام ونحن نرتقب شهر رمضان، نقرأ في هذه الرسالة أولًا، نتذاكر ما فيها من العلم، وكذلك إن كان هناك شيء من الملاحظات أو التنبيهات أو كذلك الأخطاء التي وقعت، فنتعاون بإصلاحها. ونرجو من الإخوة كذلك الإفادة في أي تنبيه أو ملاحظة؛ لأن بعض الإخوة حب أن ينشرها، فرأيت أن نراجعها، ولعل هذا يكون يعين على ذلك. الرسالة باسم مختصر فضائل وأحكام الصيام، مختصر فضائل وأحكام الصيام. بسم الله الرحمن الرحيم، المقدمة: إن الحمد لله، نحمد ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه خطبة الحاجة، وتعرفون كثير من أهل العلم يستحب الاستفتاح بها اقتداءً واقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية في خطبه، فيجعلونها كذلك في كتاباتهم. ومن أهل العلم من لا يرى أن هذا يشمله هذا المعنى والأمر واسع. وبعد، فها نحن أمام موسم عظيم من مواسم الخيرات، إنه شهر رمضان المبارك، فهو يعود فيعيد على المسلمين الأيام المباركات وما يكون فيها من النفحات. شهر يتنافس فيه العباد بجمع أسباب التقوى والنقى، ويزيلون فيه ما اجتمع من عثرات وخطايا تعيد للنفس الزكاء. وهذا هو وصف شهر رمضان، فهو موسم من مواسم الخيرات العظيمة، جعله الله عز وجل سببًا لتكفير السيئات ورفع الدرجات وتحصيل التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ويتضمن هذا الشهر أنواع عديدة من الطاعات والقربات، كل واحد منها له أثره في إصلاح القلب والجوارح والنفس والفرد والمجتمع. ولهذا نرى من السكينة والحياة الإيمانية في شهر رمضان ما لا نجده في غيره من الأشهر، وما ذلك إلا دليل لتلك الآثار التي تؤثرها وتثمرها الطاعات والقربات والخيرات في هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. والموفق من وفقه الله، فكلما أقبل العبد باستغلال لحظات وساعات وأيام هذا الشهر في الخير، فإنه يجد أثر ذلك على نفسه وحياته وقلبه وسائر جوارحه. والعكس بالعكس، فمن أعرض ازداد غفلة والعياذ بالله، وقسوة ونفورًا. قال: «يستقبله المسلمون وله في نفوس الصالحين منهم بهجة وفرحة، فرب ساعة رحمة وقبول فيها تسعد بها في الآخرة والأولى». قال ابن رجب رحمه الله: «كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم». هكذا نقل الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف. وما ذلك إلا ابتهاجًا وفرحة وترقبًا لهذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. وكما أنهم يستقبلونه بهذا الشوق، فكذلك يستودعونه بالدعاء وسؤال الله عز وجل القبول. مع أنهم كانوا يحسنون، وهذا هو وصف المؤمن الذين آتوا ما آتوا وقلوبهم وجلة، يأتون الحسنات الكثيرات والطاعات المتنوعات، مع ذلك قلوبهم وجلة ألا تقبل منهم. وكما يروى عن علي رضي الله عنه: «ليس الشأن كل الشأن أن تعمل العمل، ولكن أن يتقبل منك». ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء. قال: «فلنحث أنفسنا على اغتنام موسم رمضان قبل دخوله بتوبة صادقة وطاعة خالصة، ولنحذر من الشيطان وتسويفه وأمانه، ولنحذر خوف أنفسنا الأمارة بالسوء حتى لا يفوتنا موسم الرحمات والخيرات». وليكن رمضاننا هذه المرة رمضان المجدين المسارعين، رمضان التوبة والثبات على الاستقامة، بإعمار لحظات الشهر بالصيام والقيام وقراءة القرآن وإطعام الطعام والتنافس في أبواب الجود والعطاء. وهذا هو الذي ينبغي أن الإنسان ينبغي له أن يحث نفسه قبل الشهر بأن يجدد توبة تعينه على إصلاح حال نفسه في هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. ولا ننسى أن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء كل منهما حريص على إدخال الخور أي الضعف، وكذلك الكسل حتى يفوت هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا وأن لا نخذل فنحرم هذا الخير. قال: «والنحذر من قتل نهاره بالنوم والكسل، وإضاعة ليله باللهو وتحمل آثام المسلسلات والأفلام لقتل الملل أو التوسع والإسراف في المآكل والمشارب والتسوق؛ ففضائل الشهر تنال بالصدق والاجتهاد». قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. نسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق لحق تقواه وحسن عبادته وطاعته. وهذا هو واقع الكثير من الناس إلا من رحم الله، أنهم يقتلون نهارهم بالنوم والكسل، ويضيعون ليلهم باللهو والملل، إلا من رحم الله وقليل ما هم. فينبغي المسلم أن يحذر من أبواب الحرمان كلها التي تحرم الإنسان هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. وهذا الشهر كغيره من أبواب الخير لا يتوصل إليها إلا بالصدق والاجتهاد، والآية دليل من أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى العظيم. قال: «من فضائل رمضان وحكم الصيام والقيام: إن مما يعين على شحذ الهمم وتجديد النشاط معرفة فضل الله وحكمته في هذا الشهر، حيث يبعث في النفوس قوة العزيمة على إخلاص العبادة ومداومة الطاعة في رمضان وغير رمضان؛ فالحياة كلها عبادة للعبادة لله رب العالمين». قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذه هي حقيقة هذه الحياة، عبادة لله عز وجل، تحتاج من الإنسان أن يشحذ همته ويجدد نشاطه ليحصل الخير الذي أراده الله. ومما يعين على ذلك قوة العزيمة مع الصدق والإخلاص ومداومة العمل على الطاعة. وهذا كله قد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث عائشة بالصحيح- إذا عمل عملًا لا يدعه، ويحب أن يداوم عليه. وغيره من الأحداث في هذا المعنى. فكيف بموسم لا يأتيك كل يوم، وإنما هي أيام من بعض أيام السنة. قال: «فالله عز وجل شرع الصيام والقيام في شهر رمضان لمعاني عظيمة ومقاصد جليلة، وفضله على غيره من الشهور تفضيلًا». وإن من تلكم الفضائل والمقاصد أولًا: «الصيام في رمضان يربو النفس على حقيقة الإخلاص لله عز وجل». ولهذا كان الصيام والقيام إيمانًا وتعبُّدًا بشرعيته واحتسابًا وإخلاصًا لله وطلبًا لثوابه، سببًا عظيمًا للمغفرة، كما جاء في الحديث كما سيأتي معنا إن شاء الله. لا ما كان منه عادة أو رياء وسمعة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». رواه البخاري ومسلم. ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، كذلك رواه البخاري ومسلم، هما متفق عليه. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به». الحديث، وهو بالصحيحين. قال ابن القيم عن الصيام: «وهو سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه. والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه تأترك طعام وشهوته من أجل معبودي، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم». وهذا من زاد المعاد. وهذا يؤكد ما سبق أن من أعظم حكم الصيام التي يراد بها أنه يربي حقيقة الإخلاص لله عز وجل. ولهذا يكمل الأجر بكمال تحقيق هذا الإخلاص لله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن الله عز وجل أخفى الجزاء لهذا العمل الصالح، كما جاء بالحديث: «الحسنة بعشر أمثالها لسبعمائة ضعف لأضعاف كثيرة». مع ذلك فالصوم اختبأ الله عز وجل جزاءه؛ لأنه يتفاوت الناس فيه بحسب إخلاصهم وصدقهم مع الله عز وجل فيه. وحقيقة الصوم ليس فقط صوم الجوارح، صوم الجوارح، بل صوم الجوارح هو أحد معاني الصيام. وإلا فكذلك صيام القلب من الصيام؛ فالقلب له صوم، وهو الصوم عن الأفكار الخبيثة والمقاصد السيئة. والجوارح لها صيام، وهو الصيام عن المعاصي والآثام. وهكذا كذلك للفكر صيام، وهو بحبسه عن الشهوات والموبقات وكل ما لا يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: «ثانيًا: بالصيام تجلب وتحقق التقوى، أو يجلب الأحسن، يجلب». قال: «وتحدث مراقبة الله والخوف منه». قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال ابن كثير: «الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان». يعني ذكره بتفسيره. وهذا ظاهر في معنى الآية. قال: «وقال رشيد الرضا في تفسيره المنار، عند ذكره لحكم الصيام: أنه يحدث المراقبة والخوف». قال: «إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي؛ إذ لا يطول أمد غفلته عن الله». وإذا نسي وألم بشيء منها، يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة إلى الله سبحانه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. والنقل عن رشيد رضا ليس مما يذم إذا كان في شيء وافق ما عليه أهل السنة، وهو في الجملة يعد من أهل السنة. بل هو يخبر عن نفسه أنه على طريقة أهل السنة واتباع السلف. ولكنه في بعض المسائل أخطأ الصواب، ووافق العقلانيين. فأخطاؤه -كما قال بعض المشايخ والعلماء- ليست عن زهد في منهج السلف، ولكن عن خطأ في فهمه، عن خطأ في فهمه. ويشبه هذا ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله عن ابن حزم؛ فابن حزم بالجملة من أشد الناس منافحة للكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح. بل هو يقول: «أنا على ما عليه الإمام أحمد». لكنه في بعض أبواب الاعتقاد كاد أن يوافق الجهمية. فهو أخطأ ليس عن زهد وإعراض عن طريقة السلف، ولكن بما دخل عليه من بعض مشايخه. وهكذا كذلك حصل لرشيد رضا، دخلت عليه بعض المسائل عن بعض مشايخه. فالشاهد من هذه الفقرة أن من كذلك حكم الصيام أنه يجلب التقوى ويورث المراقبة والخوف. فلذلك من يوفق لهذه العبادة والطاعة لا يسترسل، بل سرعان ما يتوب وينيب. وهذا هو الواقع، كم من التائبين يردهم الله بعد رمضان بسبب أن وفقهم الله للدخول في هذه العبادة والاجتهاد في هذا الموسم بالطاعات. قال: «ثالثًا: والصيام جنة ووقاية، يحفظ الله لك به دينك وبدنك، آخرتك ودنياك، فتفرح به بالدنيا والآخرة». عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة». يعني وقاية. وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: «إني امرؤ صائم». والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرحًا، وإذا لقي ربه فرحًا بصومه. والشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «والصيام جنة». ولذلك يجد الصائم أثر هذه الوقاية في صلاة حاله؛ فشهوته تنكسر، وكذلك نفسه تقبل على الخير وتنكف عن الشر. كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النيران وصفدت الشياطين». فيعانى الإنسان على الخير، ويكف عن أبواب النار والشر. وهكذا كذلك صحة البدن بالصيام؛ تصح الأبدان، فتطرد السموم التي تجتمع طوال العام بسبب تراكم أنواع الشراب والطعام. ولهذا ذكر الأطباء أن الجسم يحتاج إلى صيام؛ لأن به يطرد السموم. وهذا من رحمة الله عز وجل وحكمته في فرض الصيام. وهكذا كذلك أشياء أخرى كثيرة ذكرها الأطباء فيما يكون به حكمة الله عز وجل في الصيام. قال: «رابعًا: والصوم يحفظ الجوارح عن الوقوع في الحرام». قال ابن القيم رحمه الله: «كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمين فيها من الزور والكذب والفجور والظلم». هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب. ففي الحديث الصحيح: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه». وفي الحديث: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». والمعنى أن من حكم الله عز وجل في الصيام أن الجوارح تكف عن الحرام، فتنكسر الشهوة، وكذلك تكون موسما معينا للطاعة، حاجزا عن المعصية. ولذلك تجد الناس في رمضان -كما تقدم معنا- في حياة إيمانية؛ فالصائمون يعين بعضهم بعضًا؛ لأنهم يعلمون أن من لوازم الصيام الصيام عن المعاصي والسيئات قولا وعملا. فلذلك يعين بعضهم بعضًا، فلا طيش ولا سب ولا شتم ولا كذلك سوء. بل إذا أخطأ أحد بادر الجميع بأن يقول له: «ماذا؟ اللهم إني صائم». يذكرونهم، يذكر بعضهم بعضًا. هل تجدون هذا التذكير في غير رمضان؟ ما فيه في غير رمضان. يعطيك شريط ساعة ونصف، ولا أحد يتكلم إلا من رحم الله. فهذا يؤكد أنه موسم عظيم يعين المرء على حفظ جوارحه عن الحرام. قال: «والصوم خامسًا: والصوم يضيق مجاري الشيطان». قال ابن رجب: «إن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». كما صح به السنة، كما سيأتي إن شاء الله. قال: «فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر ثورة الشهوة والغضب». ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصوم وجاء لقطعه عن شهوة النكاح. يشير إلى حديثه مسعود: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصيام؛ فإنه له وجاء». وهو وجاء من الشهوة. وهو كذلك يضيق على الشيطان تلك الوساوس والخطرات السيئة؛ لأن الشيطان يضيق عليه بعدم الطعام والشراب، فلا يجري في الدم كما يجري حال أكل الإنسان وشربه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الشيطان كذلك يدخل مع الأكل والشرب متى؟ إذا لم يسم. إذا لم يسم دخل الشيطان مع الأكل والشرب. فإذا هو يدخل مع الأكل والشرب، ويجري في العروق والدم مع الأكل والشرب. قال رحمه الله تعالى: قال ابن حجر: «قوله: فإنه له وجاء، هو رض الخصيتين، وقيل: رض عروقهما. ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته». ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح. بل الصوم ليس فقط قامع لشهوة النكاح، بل هو قامع للوساوس والخطرات كلها التي يأتي بها الشيطان. فوجاء نكرة في سياق الشرط، أفاد ذلك العموم. وهو كذلك هنا إطلاق، فهو إطلاقًا وعموم معناه وجاء من كل شيء، سواء الشهوة أو سائر الخواطر والوساوس والشرور والآفات. ولذلك الصائم يكون منكسرًا في قلبه، منكسرًا في قوة جوارحه، منكسرًا في خواطر نفسه. وبهذا الانكسار يقل دافع الشيطان الذي يدفعه إلى الشر والسوء. وقول النبي عليه الصلاة والسلام عام في رمضان وفي غير رمضان. فهذا معناه أنه يستحب للإنسان أن يصوم في غير رمضان؛ لأجل يغلق ويضيق على الشيطان. قال: «ومن وافق ليلة القدر بالطاعات، ضاعف الله له الحسنات أكثر من أجر ألف شهر، أي أكثر من أجر ثلاث وثمانين سنة وغفر الله له». قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وحسب العلماء ألف شهر، قدروها بثلاث وثمانين سنة تقريبًا. فهذا من حكم الصيام وفضائله أنه تضاعف فيه الحسنات هذه المضاعفة العظيمة. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، أي إيمانًا بفرضيته واحتسابًا لثواب الله، ليس رياءًا ولا سمعة ولا عادة، غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذه المغفرة شيء عظيم، كل ما تقدم من ذنبه يغفره الله عز وجل، لكن بهذا الشرط والقيد إيمانًا واحتسابًا. فهو من فضائل الصيام وشهر رمضان أنه يضاعف الحسنات ويكفر السيئات. قال: «السابع: ومن رحمة الله ومعانته لعباده في هذا الشهر تيسير ومضاعفة الطاعات وتكفير السيئات». عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». فأبواب الجنة تفتح بكثرة أنواع الطاعات التي تكون في شهر رمضان. وأبواب النار تغلق -كما تقدم معنا- بكسر شهوة النفس وخواطرها السيئة؛ فالقلب ينكسر، والجوارح تنكسر، والشهوة تنكسر، وكل شيء وينكسر، فيكون بذلك إغلاق لأبواب النيران. والشياطين تصفد؛ لأنه لا تجد الحركة والقوة التي تجدها في أيام الفطر، كما مر معنا. قالوا: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية، وقد فاتها الحج لعذر، فأمرها بعمرة في رمضان؛ «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي». وهو في الصحيحين. والمعنى أن العمرة تضاعف في رمضان. وهكذا الضاعات تضاعف. قالوا: في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». فهو كذلك سبب لتكفير السيئات ومضاعفة الحسنات، كما تقدم. طيب، نقف إلى هنا إن شاء الله، ونترك الباقي في درس لاحق. بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول: حديث قيام ليلة القدر لم نعثر على كلامه للعلم فيه، فلو تدلنا على المراجع. مع أننا وجدنا الوادعي صححه على شرط مسلم، وأيضًا شاهد بسند حسن عند النعمان بن بشير في الصحيح المسند. وكذلك حديث «من قام مع إمام» هو جزء من حديثه بذر المذكور، وقد احتجتم به. فهل جاء من طريق أخرى هو نفسه؟ ولكن أنا تكلمت على الزيادة التي فيها الجمع لأهل البيت. وإن شاء الله إما يحيل إلى المرجع. وتعرفون النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج بأصحابه إلا ثلاثة ليال فقط، ولم يصح من قوله وفعله مداومة الخروج لقيام رمضان. يقول: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرحة». هل الإفطار هنا عيد الفطر أم بعد المغرب؟ كلاهما، كل يوم يفطر يفرح أن الله وفقه بصيام يوم، وكذلك بعد انتهاء الشهر. يقول: «هل من صلى بعد راتبة المغرب إلى صلاة العشاء ثمان ركعات، ثم صلى بعد العشاء ثلاث ركعات، يكون قد صلى الليل؟» صلاة الليل تكون بعد صلاة العشاء، ليس قبل صلاة العشاء. وأما ما بين المغرب والعشاء فلا بأس أن يتنفل نفلًا مطلقًا. وفي هذا نزل قول الله عز وجل: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، فهو صلاة ما بين المغرب والعشاء. وبالأسحار هم يستغفرون. قال العلماء: هي صلاة الليل مع الاستغفار بعد صلاة العشاء، وفي الأسحار يعني آخر الليل. يقول: «هل يكمل النصاب بصغار الأغنام الكبار؟» نعم، كما تقدم معنا في كتاب الزكاة، يحسب الجميع. يقول: «ما حكم التعريض ببيع سلعة في المسجد، مع العلم أن السلعة هي لرجل آخر؟» الأولى ترك ذلك؛ المسجد لا يصلح أن يذكر فيه البيع والشراء؛ حتى تبقى المساجد لله سبحانه وتعالى. ولهذا جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام. يقول: «حفرنا قبرًا في رمضان، فأفطر بعض الشباب. هل يعد هذا من الأعذار؟» إذا كان لهذا الحفر ضرورة واضطروا للفطر، فالضرورات تبيح المحظورات. وأما إذا كان ليس كذلك، فيمكنهم أن يؤخروا حفر القبر؛ لا يفسدوا صيامهم لأجل حفر القبر، يمكنهم تأجيل القبر وحفره إلى بعد الإفطار، أو في وقت لا يكون فيه الإضرار بالصيام، والله أعلم. يقول: «في بعض المناطق يطلب كبار السن وبعض الناس، خاصة النساء في العشر الأواخر، أن يصلي بهم الإمام التراويح بعد العشاء. فهل يجوز له أن يصلي بهم، ثم يصلي قيام الليل بالباقين؟ وماذا يفعل بالوتر؟» أقدم الجواب على هذا في مجال السابقة، وقلنا: إن الرفق بالعامة مطلوب، فيصلي بهم في أول الليل. وإن وجد نشاطًا ووجد معه من يريد أن يصلي في آخر الليل، صلى في آخر الليل. والوتر يكون في آخر الليل. وإذا احتاج أن يوتر في أول الليل، كونه الإمام الراتب مثلًا، فقالوا له: «ما نسمح لك أن تكون إمامًا راتبًا إلا أن توتر بنا؛ نحن نريد الوتر». فيوتر بهم في أول الليل، ولكن لا يوتر في آخر الليل؛ لا وتران في ليلة. طيب، هذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، صلى الله عليه وسلم.