الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 15، الدرس الخامس عشر: (وأنه الرب الجليل الأكبر ... إلى قوله ... والآخر الباقي بلا انتهاء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المؤلف بذكر أسماء الله وصفاته ويشرح معنى الرب الجليل الأكبر. يُبين أن الجليل صفة لله وليس اسما ويوضح شروط الإخبار عن الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنة.
يشرح شروط صحة أسماء الله تعالى ويطبقها على اسم "الجليل". ثم يفسر أسماء "الخالق" و"الباري" و"المصور" ويبين معانيها ودلالتها من القرآن الكريم.
يشرح معنى الإبداع الحقيقي الذي هو من صفات الله وحده. ويبين معنى أسماء الله 'الأول' و'الآخر' ودلالتها على أنه سبحانه وتعالى ليس قبله شيء ولا بعده شيء.
يفرق بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ويبين أن الأسماء المذكورة تندرج تحت توحيد الألوهية. يوضح أن توحيد الربوبية يشمل الولاية وأن الأسماء تتعلق بالعلم والخبر في إطار توحيد الألوهية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، من غير مثال سابق، الأول السابق بالابتداء، الآخر الباقي بالانتهاء. شرع المؤلف رحمه الله تعالى بذكر هذه الأسماء والصفات لله عز وجل، مبينا بعض ما لله جل وعلا من أنواع توحيده، فإنه ذكر سامية توحيد الثلاثة، فناسب أن يذكر بعض أمثلتها التي هي لله جل وعلا. فقال: وأنه الرب، وأنه الرب الجليل الأكبر، فهو الرب سبحانه وتعالى، والرب هو الذي رب العالمين بنعمه، رب العالمين بنعمه الذي لا تنقطع ولا تعد ولا تحصى، فهو رب العالمين، لا رب سواه، ولا خالق غيره سبحانه وتعالى. ثم قال: الجليل، والجليل ليس اسما من أسماء الله، بل هو فيه صفة من صفات الله، ويصف بالجلال، وهذا كثير في كتابه وسنة نبيه، ولكن المؤلف رحمه الله عبر به بصيغة الاسم لعله لوزن البيت، وإلا ففي شرحه رحمه الله المحقق الماهر يظهر أن المراد بالجليل صفة للاسم. وهل يجوز أن يخبر عن الله عز وجل بأسماء لم ترد؟ الجواب: يجوز بثلاثة شروط كما ذكر ابن القيم رحمه الله. وإلا فالأصل أن باب الأسماء والصفات توقيفي، لا يجوز أن يسمى الله جل وعلا إلا بما ثبت في الكتاب وفي السنة. ولكن يقول العلماء: باب الإخبار أوسع من باب التسمية، باب الإخبار أوسع من باب التسمية. ومرادهم بباب الإخبار أي أنك أحيانا تحتاج أن تخبر عن الله عز وجل بصفة من الصفات ولكن بصورة الاسم، وأنت لا تريد الاسم إنما تريد الصفة، ويجوز ذلك إذا أردت به الإخبار. مثل هذا الموضع، المؤلف يريد أن يخبر عن الله جل وعلا أنه جليل، أي له صفة الجلال. ولكن هل يجوز مطلقا؟ الجواب: لا، لا يجوز إلا بثلاثة شروط. فترى ابن القيم رحمه الله شرط أولا أن يكون باسم حسن لا باسم قبيح، الشرط الثاني أن لا يؤدي إلى معنى فاسد يرده النصوص الشرعية، الشرط الثالث أن يكون معنى هذا المخبر به ثابت بالكتاب والسنة. والآن، اسم الجليل اسم حسن، وهو لا يؤدي إلى معنى فاسد، ومعناه ثابت بالنص، فمن ذلك قوله ﴿فَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:180-182]، وقوله ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:78]. ثم قال رحمه الله: الجليل الأكبر، وهكذا الأكبر ليس اسما من أسماء الله، وإنما صفة من صفاته، وإلا فمن أسمائه الكبير المتعال، وهو الكبير المتعال، ولكن من صفاته الأكبر، كما قال سبحانه ﴿قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام:19]، فالله أكبر هذه صفة من صفاته. ولكن هذا كما سبق من باب الإخبار، فذلك قوله: الخالق الباري والمصور، وهذه ثلاث أسماء فيها معاني متقاربة، فقد ذكرها الله جل وعلا في موضع واحد في سورة الحشر. وقوله: الخالق، أي الذي قدر الخلق، وقوله: الباري، هو فيه معنى أخص من معنى الخلق، فالباري هو الذي يبتدئ الخلق ويسويه، الذي يبتدئ الخلق ويسويه، والمصور الذي يصور الخلق فيجعله بأحسن تقدير وأحسن تكوين. وقد جمعت هذه من جهة الأسماء والصفات في مواضع، فمن ذلك قوله ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ [الأعلى:2]، فمعنى خلق فقد قدر، وسوى ماذا؟ قدر، طيب، ونحو ذلك. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: الخالق الباري والمصور، باري البراية منشئ الخلائق، ومعنى باري البراية أي أنه سبحانه وتعالى هو الذي خلق أولئك الخلق وبرأهم بمعنى سواهم وأنشأهم، سواهم وأنشأهم منشئ الخلائق. كذلك تفسير لما سبق في منزلة سبحانه وتعالى، وله اسم الباري كما هو معلوم، منشئ الخلائق مبدعهم من غير مثال سابق، مبدعهم بلا مثال سابق، الإبداع هو الإخراج من غير سابق وجود، الإخراج من غير سابق وجود. الإنسان لا يصنع إلا صناعة معتمدة على ما سبق، فهو لا يعد إبداعا، وإنما الإبداع الحقيقي هو الإبداع بغير مثال سابق، وليس هذا إلا لله جل وعلا، خلق الخلق من عدم وأنشأهم ولم يكونوا شيئا مذكورا. ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان:1]، فعلم بهذا أن الله جل وعلا مفجعهم بلا مثال سابق، يعني من غير وجود مثال سابق لا بعضا ولا كلا. وأما صنع الإنسان فإنه يكون من مثال سابق إما كلا وإما بعضا، ولا يمكن للإنسان أن يصنع شيئا إلا وهو معتمد على مثال سابق، أما الله جل وعلا فهو يخلق ويبدئ من غير شيء سبحانه. الأول السابق إلى ابتداء أي كذلك من أسماء الله سبحانه أنه الأول الذي ليس قبله شيء، فما جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ ﴿أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ﴾. والمراد من ذلك أن جميع الخلق مفتقر إليه، فهو أوجدهم من عدم، وهو كذلك الآخر الباقي، أي كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الرب جل وعلا، كما قال سبحانه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26-27]. وكل من في الأرض والسماوات والعالمين جميعا يكونون في فناء، ولا يبقى إلا الرب جل وعلا، ولهذا قال: الآخر الباقي بالانتهاء، أي أن وجوده سبحانه وتعالى أزلي في الابتداء وفي الانتهاء، لا أول له حتى كان بعد أن لم يكن، ولا انتهاء له حتى يصل إلى شيء ينتهي به. بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء سبحانه وتعالى. وأراد المؤلف رحمه الله من ذكر هذه الصفات والأسماء ذكر بعض ما يتعلق بصفات الباري سبحانه وتعالى من أمر الأسماء الحسنى والصفات العلى. وهذا كله من القسم الأول من أنواع التوحيد، وهو توحيد الألوهية، لا توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية يدخل فيه الولاية، وهذه الأسماء التي ذكرناها من توحيد الألوهية أم العلم والخبر.