الدرس في مفيد المستفيد 19، الدرس التاسع عشر:من( ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل:إنهم منعوا الزكاة ... ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الشيخ أمثلة من كتاب 'مفيد المستفيد' لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب على تكفير من ظهر منه الكفر بعد إسلامه. يستدل على أن إظهار الإسلام لا يمنع من وصف الشخص بالكفر إذا تحقق وجوده.
يتناول المقطع أحكام مانعي الزكاة والمرتدين، ويشرح أن قول "لا إله إلا الله" لا يكفي لعصمة الدم والمال إذا لم تؤد الزكاة. يبين أن هناك فرقًا بين مانعي الزكاة، فمنهم من جحدها ومنهم من كفر وارتد عن الإسلام.
يذكر المؤلف أمثلة من حياة السلف الصالح مثل قدام بن مضعون وأصحاب المسجد الذين قرأوا قرآن مسيلمة. تم التعامل معهم على أنهم كفروا رغم قولهم "لا إله إلا الله" بسبب أفعالهم التي تناقض الإسلام.
اختلف الصحابة في مسألة التحريق، والصحيح أن علياً كان ينبغي أن يقتل المرتدين دون تحريق لنهي النبي عليه السلام عن التعذيب بالنار. يبين المقطع الرأي الصحيح في هذه المسألة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال رحمه الله تعالى: ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل: إنهم منعوا الزكاة، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانع الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة بزمن عمر على تكفير قدام بن مضعون وأصحابه إن لم يتوبوا، لما فهموا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾، حل الخمر لبعض الخواص. ومثل إجماع الصحابة بزمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة، مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبته. ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه. ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت. هذه مجموعة من الأمثلة الأخرى، وقد مرت معنا بعض الأمثلة، وكلها عبارة عن وقائع وقعت في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم. أراد شيخ الإسلام رحمه الله أن يستدل بها على أن من ظهر منه الإسلام ثم ظهر منه ما ينقضه من الكفر فإنه يكفر، فليس ظهور الإسلام من حاله مانعًا من وصفه بالكفر إذا تحقق وجود الكفر في هذا الموصوف. ومر معنا بعض الأمثلة على ذلك، وبعض تلك الأمثلة فيها تفصيل، إذ أن بعض الناس قد يستغلها على غير وجهها، ويفهم من كلام شيخ الإسلام ما لم يرده. وكذلك في هذه الأمثلة إشارة منه رحمه الله لما تقدم من أن ليس كل من قال: «لا إله إلا الله» وأتى بشرائع الإسلام عصم دمه؛ لأنه إذا وجد عنده ما يقتضي عدم عصمة الدم بفعله ما ينقضه فإنه يستحق ذلك، أي القتل أو القتال. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى أحاديث، منها ما مر معنى أحاديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». مفهومه: إذا لم يفعلوا ذلك لم تعصم الدماء والأموال، لم تعصم الدماء والأموال. وهكذا حديث ابن مسعود، فإنه يستثنى من ذلك ما يستثنى فيما استوجب في حق فاعلي ما يستوجب القتل. القتل الأصل أن المسلم معصوم الدم، لكن إذا زنى وهو محصن ماذا يفعل؟ يرجم. وإذا قتل نفسًا بغير حق على وجه العمد فإنه يقتل، إلا أن يعفو أولياء المقتول. وإن كذلك ارتد عن دينه فإنه يقتل. وهكذا يقال في نظائر ذلك مما هو فيه معنى ما يستوجب القتل. وضرب مثالًا بغزو بني المصطلق، ومثل همه بغزو بني المصطلق، وهو يشير إلى القصة التي وردت في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. وقد ذكر أهل التفسير والتاريخ روايات كثيرة أنها نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقيل غيره. أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق يطلب منهم الزكاة، وقيل: إنه كان فيه شيء من الجبن، فلما اقترب منهم ورآهم قد اجتمعوا مقبلين إليه ظن أنهم يريدون الفتك به، فرجع خائفًا من الطريق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بأنهم أعدوا لقتاله. وكان بنو المصطلق ينتظرون رسولًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جمعوا زكاة أموالهم ليرسلوا بها معه، فتوضع حيث يستحقها مما جاء في الشرع. فلما أبطأ عليهم من أرسلوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرهم بما قال الوليد أو غيره في مجال بعض الروايات، فأخبروا أن هذا كذب وليس بحق، فنزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي قراءة: «فتثبتوا». الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بقتالهم لما أخبر أنهم منعوا الزكاة، فإذن ليس كل من قال: «لا إله إلا الله» عصم دمه وماله. ويدل عليه ما تقدم من حديث ابن عمر، ومرت أن: «أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة». إذن الصلاة والزكاة أداؤهما وتأديتهما من أسباب عصمة الدم والمال. وقد حسن هذا الحديث جماعة من أهل العلم، وضعفه بعضهم، لكن المراد هنا أن نبين ما وجه استدلال أو ما أراد الإشارة إليه من المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: «ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانع الزكاة» تقدم الكلام على ذلك، وأن من منع الزكاة كما ذكر ابن القيم رحمه الله كانوا على ثلاثة فرق أو ثلاث فرق: فمنهم من جحد الزكاة، ومنهم من كفر وارتد عن الإسلام بالكلية، ومنهم من منعها بخلًا. فتسمية أولئك بأهل الردة على وجه التغليب، وليس معناه أنهم جميعًا أهل ردة وكفر كما أوضحه غير واحد من أهل العلم، ومنهم ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه. ولكن الشاهد من هذا في قضيتين: القضية الأولى فيمن ارتد حقيقة، فإن قوله: «لا إله إلا الله» وتأديته لشرائع الإسلام لم يمنعه من الحكم عليه بالكفر. ومثله من عبد غير الله قبرًا أو شجرًا، فإنه ولو صلى ولو قال: «لا إله إلا الله»، ما دام عبد غير الله فقد وقع في الردة، فيحكم عليه بالشرك والكفر، لا فرق -يعني- بعد إقامة الحجة كما تقدم. وهكذا القضية الأخرى، وهي أنه قد لا يكون كافرًا لكن يستحق القتال، مثاله بعض من يناصر المشركين من عباد القبور في زمن المؤلف رحمه الله، ربما يكون موحدًا وهو كافر بما عليه هؤلاء عباد القبور، فلماذا يقاتل معهم؟ يقاتل معهم حمية وعصبية لأهل بلده وقبيلته، فهل مثل هذا يتردد في قتاله؟ الجواب: لا، لا يتردد في قتاله، فهو السبب في أن يستحل دمه. فكذلك أراد أن يوضح هذا المعنى المؤلف رحمه الله تعالى. وقوله: «ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدام بن مضعون» قصة قدام بن مضعون مشهورة ومرت معنا في دروس سابقة، وذكرها العلماء في كتبهم وكتب التاريخ والسير. فقدام بن مضعون أحد الصحابة الأخيار من أهل بدر رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم، وكان قد ولاه عمر رضي الله عنه على البحرين، استعمله عمر على البحرين، فبلغه أنه شرب الخمر، فلما تتبع ذلك عمر رضي الله عنه وجده كذلك، فسأله فذكر هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾، وهذا كان نزولها في أول تحريم الخمر. ففهم منها قدام بن مضعون رضي الله عنه أن من آمن واتق فلا جناح عليه إن شرب شيء من الخمر، وأنه لا يضره ذلك، وأنه يحل لبعض الخواص من الناس ممن ثبت تقواه وإيمانه، هكذا ظن وفهم رضي الله عنه مخطئًا. فشدد عليه عمر وأنكر وبين له رضي الله عنه أرضاه بعد إذ عزله وولى بدله أبا هريرة رضي الله عنه، وبين له أنه إن كان يعتقد ذلك بعد ما قامت عليه الحجة فإنه يكفر، وإن هو يتوب فيجلد ويكون ذلك. وفيها تفاصيل ذكرها أهل السير، ذكرها الذهب رحمه الله في التاريخ «تاريخ الإسلام»، وهكذا أشار إليها الحافظ بن حجر في «الإصابة»، وغير واحد من أهل العلم. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام في «مجموع الفتاوى» في هذه القضية، خلاصتها أن من كانت عنده شبهة في تحريم بعض الكبائر والمحرمات بينت له بما تزول به الشبهة، فإن أصر بعد البيان فإنه يكفر، وإن لم يصر فإنه يتوب ويتوب الله على من تاب، فإن كان يستحق شيء من الحدود أقيم عليه الحد. فالشاهد من هذا أن هذا يدل على أن من قال: «لا إله إلا الله» ليس معناه أنه قد عصم، ولو فعل ما فعل من الذنوب والمعاصي، لا، فالإيمان تضره المعاصي وتنقضه وتنقضه الكفريات وأسباب الردة. فإذا كان هذا رجلًا بدريًا من أصحاب بدر، ومع ذلك كان ما سمعنا، فمن دونه من باب أولى. هذا مراده رحمه الله تعالى، فإذا لم يصح ولا يصح أن يستدل عباد القبور بأنهم قالوا: «لا إله إلا الله»، وأنهم يؤدون الصلوات الخمس، إذن مهما فعلوا من شرك أو كفر أو معاصي لا يضر ذلك إيمانهم شيء، هذا خطأ. قال: «ومثل إجماع الصحابة بزمن عثمان» إلى آخره، كأنه يشير رحمه الله إلى قصة أصحاب المسجد الذين مر بهم بعض الصحابة وهم يقرؤون شيئًا من قرآن مسيلمة، مسيلمة الكذاب ادعى أن عنده قرآنًا، فأولئك القوم بقي عندهم شيء، وكانوا قد تابوا ورجعوا مع المسلمين، لكن لما بقي معهم شيء من ذلك يتداولونه ربما جهلًا أو تساهلًا أو غير ذلك. كان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم لم يتركوهم، فطلبوا منهم التبرؤ من ذلك، فإن لم يفعلوا فإنهم يكفروا. فإذا كان كذلك دل على أنه كما تقدم ليس كل من أتى بشرائع الإسلام فهو مسلم، إلا إذا كان لم يأت بما ينقضها، فإن أتى بما ينقضها ولو فعلًا واحدًا صار ذاك الناقض ينقض عليه أصل الإسلام، وهذا له نظائر أمثلة كثيرة، وهذا من أمثلته. وقوله: «ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه» كذلك يشير إلى أن بعض من كان مع علي رضي الله عنه ادعوا فيه الألوهية، فحرقهم علي رضي الله عنه، لم يمنعه أنهم يصلون معه ويقاتلون معه وأنهم يقولون: «لا إله إلا الله» ويأتون بشرائع الإسلام؛ لأنهم فعلوا ما ينقض ذلك وهو الدعاء الألوهية فيه عليه الصلاة والسلام، فاستحل دماءهم وقتلهم بل بالتحريق بالنار. وقد مر معنا في دروس سابقة أن بعض الصحابة أنكر على علي رضي الله عنه ذلك، وأن عذر علي هو شدة غضبه لما صدر منهم في حقه، وتبرئته مما ادعوه فيه أمام الناس أجمعين حتى لا يظن أن علي راض بما قيل فيه. وهكذا فيه المعنى الثاني، وهو أن ليس كل من شهد بالإسلام فإنه يحقن دمه إلا إذا كانت شهادة هذه لم ينقضها ما يستحق معه إحلال الدم فيه. فلما وجد في هؤلاء ذلك وهي الردة وفعل الكفر قتلهم علي رضي الله عنه بالتحريق، ومسألة التحريق اختلف فيها الصحابة، والصحيح ما ذهب إليه أكثر الصحابة من أن علي كان ينبغي أن يقتلهم دون أن يحرقهم، يعني قتل بغير التحريق، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب بالنار إلا رب النار».