الدرس في كتاب الإمارة 18، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى , باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديثين نبويين حول فضل الشهادة والجهاد في سبيل الله، مبيناً أجر الشهيد والمجاهد وكرامتهم عند الله. يشرح أن الشهيد يتمنى العودة للدنيا ليقتل مرة أخرى لما يرى من الكرامة.
يُبين فضل الجهاد وأجره العظيم، حيث يكتب للمجاهد أجر مستمر ما دام خرج من بيته، ويتفوق على أجر المصلي والصائم، كما يُثبت حياة برزخية للمجاهد.
يتناول شرح فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، ويشير إلى أن هذا الفضل يشمل كل ما يدخل في معنى في سبيل الله. كما يشير إلى إسناد حديثين نبويين لرواية أنس و سهل بن سعد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى. قال: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل في مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير. قال: باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله. قال: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله. قال: حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله. قال: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله. أورد المؤلف رحمه الله هذين البابين وما فيهما من أحاديث في سياق ذكره لأحكام الإمارة، فقال: بابه فضل الشهادة في سبيل الله، وعلى قاعدته فالتبويب ما بويب على صحيح مسلم. فقوله: باب فضل الشهادة في سبيل الله، أي هذا مدخل لمعرفة فضل الشهادة في سبيل الله، وقد ذكر هذين الحديثين: حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وفيهما هذا المعنى. وقد أخرج البخاري حديث أنس في الموضع المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، قال: سمعت أنسًا، فذكر الحديث بلفظه. وهكذا حديث أبي هريرة ذكره البخاري بالباب المشار إليه، غير أنه في آخره زيادة لم يذكرها المؤلف رحمه الله هنا؛ لأنه انفرد بها البخاري، ولم يذكرها مسلم، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عفان، عن همام، قال: حدثنا محمد بن جحادة، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا محمد بن جحادة، قال: أخبرني أبو حسين، عن ذكوان، أنه حدثه أن أبا هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث إلى قوله: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: «إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له حسنات». هكذا جاء في هذا الموضع عند الإمام البخاري بهذه الزيادة من كلام أبي هريرة رضي الله عنه. وهذان الحديثان فيهما مسائل، من أهم هذه المسائل: فضل الشهادة في سبيل الله، فمن فضل الشهادة في سبيل الله أن المجاهد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات. وتقدم معنا في الحديث الذي قبله في الباب الذي قبله حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أنه يقتل في سبيل الله، ثم يحيى، ثم يقتل، ثم يحيى، ثم يقتل، وما ذلك إلا لعظيم فضل الشهادة، فما يراه الشهيد من الكرامة يجعله يتمنى أن يرجع مرة أخرى. ولما يرى من الكرامة، وهذا له نظائر في كثير من الطاعات، فإن الإنسان حين يجد ثواب الصيام لا يمل من تكرار الصيام عليه، بل إذا مر عليه شهر رمضان يجد من الشوق ومن الحنين والرغبة لعودة الشهر ما يدفعه لذلك التمني. وتلك الرغبة ماذا أن يتعلق بالخيرات التي يجدها في ذلك الشهر، وما ذلك إلا لما يجد من حلاوة الإيمان وراحة القلب، وكذلك عاجل التواب فضلًا عن آجله، فكيف إذا كانت هناك كرامات أعظم من ذلك وأضعاف كثيرة بمعناها يجدها المجاهد في سبيل الله؟ فإنه حين يموت يكرم كرامة عظيمة تجعله يتمنى أن يعود إلى الدنيا فيقتل مرات عديدة لفضل الشهادة. وهكذا كذلك من فضل الشهادة الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، أنه لا يساويه أي عمل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الرجل أن يدله على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، لا أجد لك عملًا يعدل الجهاد أبدًا، فدل أنه من أفضل الأعمال. ثم قال له: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل في مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ فما دام الجواب لا، فإذن لا شيء يساوي الجهاد، وهو يدل على أن الجهاد والمجاهد يكتب له أجر مستمر غير منقطع ما دام خرج من بيته، أجرًا يفوق أجر المصلي المتطوع بصلاته والصائم المتنفل بصيامه، ولو كان نائمًا أو كان كذلك قاعدًا أو كان كذلك ماشيًا أو قائمًا أو غير ذلك، في كل أحواله يكتب له أجر مستمر أعظم من أجر المصلي في صلاته والصائم في صيامه. وليس هذا في حسب بل باجتماع هذين العملين مع بعض، فلا يستطيع الإنسان أن ينفرد بصلاة مستمرة ولا بصيام مستمر، فضلًا أن يجمع بينهما بصلاة والصيام مستمرين مدة طويلة. المجاهد قد يخرج شهرًا، شهرين، ثلاثة، وهو يكتب له أجر أعظم من أجر المصلي في صلاته والصائم في صيامه لا ينقطع من ذلك، وهذا يدل على عظيم فضل الجهاد في سبيل الله. وفي هذين الحديثين مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل فيه كذلك مع ما فيه من فضل الجهاد وأنه في هذه الفضائل، وفيه أن الله عز وجل يحب هذا العمل الصالح، وكذلك أن الأعمال الصالحة التي تدخل الجنة كلها لا تصل إلى درجة هذا العمل، وهذا ما تقدم معناه. وفيه كذلك من المسائل ما أشار إليه الإمام البخاري رحمه الله في قوله: باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا، فهو من فضل الجهاد، وهو كذلك فيه إثبات حياة المجاهد، فهو في حياة برزخية لا يعلم أمرها إلا الله سبحانه وتعالى، ودليل ذلك كثيرة في الكتاب وفي السنة. وفي الحديث الثاني من المسائل كذلك: حرص الصحابة رضي الله عنهم على الأعمال الصالحة، وكذلك إيجاد البدائل عند العجز عن الأعلى، فليس كل أحد منهم كان يستطيع للجهاد؛ لأنهم قد لا يجدون العدة التي تعينهم على ذلك، كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمَعِ حَزَنًا أَنْ لَمْ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ يعني في سبيل الله، ومرافقة النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك لم يمنعهم هذا من الاجتهاد في الأعمال الصالحة الأخرى، فكذلك نحن نقتدي بهم، فمن لم يوفق للأعمال الصالحة الأعلى فلا أقل أن يجتهد في غيرها من الأعمال الصالحة، فإنها تعين المسلم على إصلاح نفسه وتزكيتها، فينتفع بذلك في الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. وفيه من المسائل: فضل التنفل بالصلاة والصيام، وأنه من أفضل الأعمال، لكنه مقيد بالأحاديث الواردة كذلك، وهي تفسر وتقيد هذا الحديث في هذا الباب أن يكون ذلك بحسب ما ورد في السنة. فمواصلة الصيام ليس من المشروع بل خلاف السنة، وهكذا كذلك مواصلة الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليصل أحدكم طاقته». وقال عليه الصلاة والسلام كذلك لعبد الله بن عمر: حين أمره أن يتدرج بالصيام، حتى قال: «صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام نبي الله داود». وقال: لا أفضل من ذلك. وذكر له القيام: أن يقوم وينام، وأفضل القيام: أن ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه، وذلك كذلك قيام داود، وهو أفضل القيام والصيام، فالسنة تفسر بعضها بعضًا. وفيه كذلك من المسائل: أن الأجر يكتب للمجاهد من عمله ومن عمل فرسه، كما زاد أبو هريرة رضي الله عنه في آخر الحديث: «إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له حسنات». وقد تقدم معناه في فضل الخيل: أنه يكتب للمجاهد أجره حتى وهو ينتظر الجهاد، ولم يخرج إليه، حتى في فرسه الذي أعده للجهاد في سبيل الله يكتب له فيه أجر. وأما الباب الذي بعده: باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، فيه معنى هو من فضل الجهاد في سبيل الله، لكنه معنى أخص، فالغدوة والروحة: أي الذهاب في الصباح، وكذلك الرجوع في الرواح، وهو آخر النهار، ومعنى حتى الذهاب اليسير والرجوع فيه فضل عظيم عند الله عز وجل بالنسبة للمجاهد. فليس من شرط الجهاد أن يحصل قتال، فلو لم يحصل قتال وحصل عمل قليل: ذهاب وإياب وخروج ودخول، ففيه أجر عظيم. ثم ذكر هذه الأحاديث الثلاثة: حديث أنس، وفيه هذا المعنى: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها». والغدوة: خروج أول الصباح الباكر، والروحة: كذلك رجوع أو خروج في هذا الوقت، وهو آخر النهار، والمقصود أن العمل القليل ولو لم يكن فيه قتال من دخول وخروج عند الله خير من الدنيا وما فيها مما أعده من فضل وكرامة للمقاتل والمجاهد في سبيله. وفي قوله: في سبيل الله، دون ذكر لفظ المجاهد، فيه تعميم هذا الحكم لكل ما كان في معنى في سبيل الله، فيدخل فيه الدعوة إلى الله وطلب العلم والحج وما كان بمعناه مما سماه الشرع ودخل في مسمى الشرع في معنى سبيل الله. وكذلك الحديث الذي بعد حديث سهل بن سعد، ففيه نفس المعنى: «الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها». وهذا الفضل بعظيم الثواب وكثير الكرامة مما يلقاه المقاتل في سبيل الله والخارج في سبيل الله في الزمن القليل مع ما يكون له من الخير الكثير، وهذا ليس يساويه شيء من الأعمال الأخرى. ويدخل فيه كما تقدم كل ما كان قد جاء الشرع بتسميته في سبيل الله، وهكذا حديث أبي هريرة: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب». وفي حديث أبي هريرة الزيادة في أوله عند الإمام البخاري، فقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا إبراهيم بن المندر، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن هلال بن علي عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب». وقال: «ولغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب». وهذا هو الشاهد. فالجملة الأخرى الأخيرة هي فيها الشاهد، وكذلك الجملة الأولى وهي مما انفرد بها البخاري في هذا الموضع، فقوله: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس»، معناه: العمل اليسير من عمل المجاهد ينال به الأجر العظيم، أجر أعظم من الدنيا وما فيها، فما تطلع عليه الشمس وتغرب هي الدنيا، فهو بمعنى ما تقدم. فليس العمل اليسير فقط بالذهاب والرجوع والخروج والدخول، بل حتى الأعمال اليسيرة التي يفعلها المجاهد، فلو قعد يصلح قوسه أو يصلح سهامه أو رمحه أو كذلك يعلف فرسه أو يهيئ عدته، كل ذلك خير مما طلعت عليه الشمس وغربت، أي خير من الدنيا وما فيها. وهكذا مثله كل عمل في سبيل الله، إنشغال طالب العلم بعلمه، والداعي إلى الله بدعوته، والحاج بحجه، فإنه يكتب له معنى ما في هذه الأحاديث من الأجر؛ لأن سبيل الله لا ينحصر بالجهاد، ما دام لم يقيد في هذا الموضع، فالموضع الذي قيد يكون الأجر فيه مقيدًا، والموضع الذي أطلق يكون الأجر فيه مطلقًا. وتضمنت هذه الأحاديث كذلك من الفضل: فضل الأعمال الصالحة عمومًا، وحث المسلمين عليها، وعلى هذه خصوصًا، وعلى هذه خصوصًا، وأن ما كان منها في سبيل الله فهو أعظم من أعظم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم. إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: من صام صيام داود عليه السلام، هل يمكنه أن يصوم كذلك الأيام البيض والاثنين والخميس من الأيام المستحبة؟ لا، لا يصوم؛ لأنه قد بلغ أعلى الصيام، فهو سيصوم بعض أيام الاثنين والخميس، ففي كل أسبوع سيصوم أحد اليومين، وما سيصومه من أيام أخرى يغنيه عن صيام اليوم الآخر. وهل له أن يصوم الجمعة والسبت منفردًا؟ نعم، ظاهر الحديث يدل على ذلك، وأما حديث السبت فالصحيح أنه ضعيف، وحديث النهي عن صيام الجمعة بإفراده صحيح، لكن من يصوم يومًا ويفطر يومًا لم يفرده بالصيام. تنبيه: بالنسبة لمن أحب أن يذكر إسناد حديث أنس وحديث سهل، فحديث أنس أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا حميد، عن أنس. والحديث الثاني: قال: حدثنا قبيصة، حديث سهل، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. والله أعلم.