كتاب الإمارة  19

كتاب الإمارة 19

باب فضل الجهاد والرباط , باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة , باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير , باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين.

مقدمة في الجهاد والرباط

يبدأ الكلام بفضل الجهاد والرباط، ويشرح معنى الجهاد ويستدل بأحاديث نبوية. يبرز أهمية الجهاد في سبيل الله وفضل اعتزال الفتن.

استخلاص الفوائد والدلالات من الأحاديث

يستخلص العديد من الفوائد والدلالات من الأحاديث، منها فضل العلم والجهاد، وإثبات صفة الضحك لله، وفضل حسن النية والتوبة.

أحكام الجهاد وإعانة الغازي والمعذورين

يتناول فضل إعانة الغازي وتجهيزه، وسقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ويبرز قاعدة التيسير في الشريعة الإسلامية.

التيسير في أداء العبادات بحسب المشقة

يشرح كيف أن الترخيص في أداء الصلاة يختلف بحسب درجة المشقة، مستشهدا بقصة رجلين أعمى البصر استأذنا النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: باب فضل الجهاد والرباط. قال حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله». قال: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قال: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد». أخرجه البخاري قال: كتاب الجهاد في السير، باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل. قال: باب فضل عانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير. قال حديث زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزى، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزى». أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيا وخلفه بخير. قال: باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين. قال حديث البراء رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضريرته، فنزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾. أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾. أورد رحمه الله هذه الأبواب وما فيها من أحاديث لما ترون من تعلقها بكتاب الإمارة. فالباب الأول: باب فضل الجهاد والرباط، أي هذا مدخل في معرفة فضل الجهاد والرباط. والجهاد تقدم معنا معناه، والرباط هو ملازمة الموضع لحراسته وحمايته، وكذلك القيام بما يحتاجه ودفع المضر عنه، سواء بالليل أو النهار، فيدخل في معناه الحراسة. وحديث أبي سعيد أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي أن أبا سعيد الخدري حدثه فقال الحديث بلفظه. وفيه من المسائل: أولا فضل الجهاد والرباط، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام حين قال السائل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله». وهذا فيه فضل الجهاد في سبيل الله. وأما الرباط فيدخل ضمنا في الجهاد في هذا الحديث، وله أحاديث ذكرها مسلم ولم يذكرها البخاري في هذا الباب المشار إليه. وفيه من المسائل كذلك فيه فضيلة اعتزال المسلم للفتن وتفرغه لعبادة ربه جل وعلا، والفرار من أذى الناس له وأذاه للناس. فإن هذا الحديث يجتمع مع الحديث الأخرى التي تقدمت في فضيلة القرب من العلم وترك البوادي. فإن ترك البادية إذا كانت بلاد وموضع جهل وبعد عن الخير مما حث عليه الشرع، ولكن يجوز عند حلول الفتن أن يفر المسلم بدينه من الفتن فيعبد الله جل وعلا في شعب من الشعاب يتقي الله ويدعى الناس من شره، ويدعون شرهم عليه بابتعاده منهم على التفصيل المتقدم في هذا المعنى. وفيه كذلك من المسائل فضل العلم وأهله والسؤال عنه. فهذا السائل انتفع بهذا الجواب والناس ينتفعون من بعده إلى زماننا هذا. وفيه كذلك أن الجهاد كما تقدم من أفضل الأعمال، ولكن يكمل فضله إذا كان بالنفس والمال كما قيد في هذا الحديث. وينضبط كونه في سبيل الله إذا كان إيمانا وتصديقا كما تقدم في الأحاديث السابقة، والسنة يفسر بعضها بعضا. وأما قوله: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، أي هذا مدخل في معرفة بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة. وفسر بالحديث حديث أبي هريرة، وذلك بأن يقتل أحدهما في سبيل الله. وفيه فضل القتل في سبيل الله وأنه من أعظم أسباب دخول الجنة، فيسلم الثاني فيستشهد فيكون الجميع قد نال الشهادة ودخل الجنة. وفيه كذلك من المسائل إثبات صفة الضحك لله عز وجل على الوجه اللائق به جل وعلا. نثبت لله صفات لا كالصفات، والقول في الصفات فرع عن القول في الذات. وبهذا يبطل قول المعطلة من أهل التحريف والتعطيل بأنواعهم، وقول الممثلة من الرافضة وغيرهم. فقول أهل السنة والجماعة في باب الصفات عموما هو إثبات ما أثبت ربنا جل وعلا لنفسه وأثبته رسوله له عليه الصلاة والسلام إثبات وجود من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفيه كذلك أن الجهاد يغفر كل الذنوب حتى القتل، وهذا الحديث يدل عليه. وقد جاءت أحاديث كثيرة وسيأتي معنا إن شاء الله إلا الدين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أخبرني به جبريل آنفا. وفيه كذلك فضيلة حسن النية وإصلاحها. فإن الإنسان إذا أصلح نيته أعانه الله عز وجل على الأعمال الصالحة ووفقه إليها. فهؤلاء وفقوا لهذه الأعمال الصالحة بحسن نياتهم. فالأول حسنت نيته واحتسب العمل لله عز وجل فوفقه الله للشهادة، والثاني تاب فأصلح نيته وحسنت توبته فيسر الله له بعمل صالح فكفر له كل ما كان من سابق عمله. وفيه كذلك عدم اليأس من رحمة الله والقنوط من واسع فضله. فهذا كافر بلغ الذنوب أن يحارب أولياء الله ويقتل أولياء الله، وقد فعل بهذا جرما عظيما استحق المظلوم أن يكون في الجنة وهو في النار، ولكن لما تاب تاب الله عز وجل عليه. فكذلك كل من ابتلي بدم يعلم أن الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده إن تاب. قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا. وفيه كذلك من المسائل أن الله جل وعلا يقنع المظلوم في مظلمته يوم القيامة إذا حسن التوبة الظالم. فإذا كان هذا في القتل وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من قتيل يقتل إلا ويأتي يوم القيامة ورأسه في يده يشخب دما، ويده بيد قاتله فيقول: يا رب سل هذا لما قتلني؟ وهذا الحديث عام، ولكن هذا الحديث الذي بين أيدينا كما هو ظاهر أنه يسلم القاتل بتوبته وحسن إسلامه فيقنع المظلوم. كما ذكر أهل العلم بعظيم فضل الله وواسع عطائه ما يكون فيه التجاوز عن الظالم، فالتوبة تجب ما قبلها والإسلام يجب ما قبله. وفيه كذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الإسلام يجب ما قبله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله؟ والباب الذي بعده قوله: باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب أو غيره وخلافته في أهله بخير، أي هذا مدخل في معرفة فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب أو غيره أي شيء. والحديث يدل عليه حديث زيد بن خالد. وقوله: وخلافته في أهله بخير، يعني بما يكون من القيام بأهله وعياله. ثم ذكر حديث زيد بن خالد وفيه هذا المعنى، قال عليه الصلاة والسلام: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزى». والتجهيز يشمل التجهيز الكلي والجزئي. فإن جهزه كاملا كان له أجر غازي في سبيل الله كاملا، وإن جهز أكثر من واحد كان له مثل أجورهم جميعا لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. لهم أجورهم كاملة، ومن أعان بشيء ولو يسير فإنه يكتب له أجر كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾. حتى ولو ذرة واحدة يحفظه الله جل وعلا له. وقوله: «ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزى». وقوله عليه الصلاة والسلام: في سبيل الله كما تقدم يشمل القتال والجهاد ويشمل أبواب الخير الأخرى. ومثله من جهز غازيا في سبيل الله، الأصل أنه في الجهاد بالسيف والسنان. وعلى قول من قال أنه يلحق به العلم فإنه كذلك يدخل في عموم هذا الحديث. ففيه فضيلة تجهيز من خرج في سبيل الله بالسيف والسنان، وكذلك بالحجة والبرهان. فلك مثل أجره، وهكذا من خلفه في أهله فله مثل أجره كذلك يعني مثل أجر من خلف ذلك في أهله. وقوله: بخير، خرج به ما دون الخير وهو يشمل كل نقص. فليس من الخير المن لأن المن يبطل الخير، فلذلك يحرص المسلم إذا فعل شيء من هذا الخير وأبواب الإحسان لا يمن به لا بقول ولا بفعل ولا كذلك بتحديث فيكون فيه أذية. ولهذا يفضل في هذا الباب أن يكون سرا، كأن كفل أسرة يتيمة أو فعلت صدقة وقف أو كذلك أعنت أحدا في سبيل الله فاحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى. والباب الأخير: باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، أي هذا مدخل في معرفته سقوط فرض الجهاد عن المعذورين وهم أهل الأعذار. جاء ذكرهم في سورة التوبة وغيرها من السور وكذلك في أحاديث كثيرة ومنها هذا الحديث. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ فقال من قال يعني ابن أم مكتوم كان أعمى فنزلت هذه الآية. ومعناه رخصة لهؤلاء في عدم الخروج في سبيل الله، إذن من أحكام الإمارة مراعاة أصحاب الأعذار إلا في الضرورة، ففي الضرورة يجب على أهل الأعذار ما يستطيعون بحسب طاقتهم يدفعون العدو ويحفظون أموالهم أنفسهم وأعراضهم وأموالهم بقدر ما يستطيعون يعني إذا فجأهم العدو في دارهم أو نحو ذلك. وفيه من المسائل كذلك أن هؤلاء يخفف عنهم كما خفف عنهم بالجهاد يخفف عنهم في غيره بالشرع ليس بالعقل والعاطفة. وفيه إثبات قاعدة التيسير التي دلت عليها أدلة كثيرة، ولكنه كذلك مقيد بالشرع. فالمشقة تجلب التيسير والعسر يجلب اليسر، ولكنه ليس بالعاطفة والرأي والهوى وإنما بما دلت عليه الأدلة الشرعية. ولذلك يكون ذلك بتتبع النصوص، فمثلا من تأمل ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لبعض من استأذنه عن صلاة الجماعة وهو أعمى فأذن له، وبعض من استأذنه فلم يأذن له وذلك لأنه يختلف حال هذين الرجلين وكلاهما أعمى. أحدهما بينه وبين المسجد واد فمشقته شديدة، وأحدهما بيته قريب من المسجد وإن كان ليس له قائد لكن لا يضره أن يتلمس أو يستعين بمن يأخذ بيده إلى المسجد فلم يعدره. ودليل قربه قال عليه الصلاة والسلام: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: لا أجد لك رخصة. وبه نعرف أن الترخيص يكون بقدر المشقة. الترخيص بقدر المشقة.