كتاب النكاح 18

كتاب النكاح 18

الدرس في كتاب النكاح 18، فصل أحكام المهر والعشرة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام المهر والعشرة وطاعة الزوجة

يشرح الشيخ أحكام المهر والعشرة بين الزوجين وأهمية طاعة الزوجة لزوجها. يشير إلى ضرورة حسن العشرة وتبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين.

حقوق الزوجات والعدل بينهن

يجب على الزوج أداء حقوق زوجته الشرعية والعرفية، وإحسان معاملتها، والعدل بين زوجاته إن كان له أكثر من زوجة. العدل بين الزوجات واجب شرعي ويجب تجنب الميل الكلي إلى إحداهن.

تفاصيل العدل بين الزوجات

يجب العدل بين الزوجات في القسم والإحسان بقدر المستطاع، مع مراعاة المشقة والتيسير في الأمور التي يصعب فيها العدل. هناك حد أدنى لا يجوز تجاوزه مثل الجماع مرة كل أربعة أشهر.

ختام الدرس والإشارة للدرس القادم

تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع الدعاء بالعلم من الله تعالى. يشير إلى استمرارية الموضوع في الدرس التالي.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه «الدرر البهية»: قال فصل أحكام المهر والعشرة، قال: وعليه إحسان العشرة. وقد أخذنا أوائل هذا الفصل، قال: وعليها الطاعة. أما قوله: «وعليها الطاعة»، وذلك ليدل الكتاب والسنة بذلك، فإن المرأة تطيع زوجها بالمعروف. وأشار رحمه الله بالشرح إلى قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. وفي هذه الآية إشارة إلى أن المطلوب من المرأة الطاعة، فإذا أدتها على الوجه الذي يوافق الشرع والعرف، فإنه لا يعتدى عليها ولا يبخص من حقها. كما أنه تضمن معنى آخر، وهو أنها إذا لم تقم بالطاعة كما دل عليه دليل الشرع، وأحال إليه دليل العرف، فإنه يجوز له أن يمنعها من بعض حقها. فمثلا لو لم تطعه جاز له أن لا يقسم لها، وأن لا يعدل معها، أو لا ينفق عليها. مثلا دعاها إلى فراشه فأبت، ولم يكن بها بأس ولا ضرر، لأنه لا ضرر ولا ضرار، فيجوز أن لا يقسم لها تلك الليلة؛ لأجل معصيتها. واستدل رحمه الله تعالى بما جاء في الصحيحين بحديث بأريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح». وفي هذا دليل على أن الطاعة في هذا هو من أهم ما ينبغي أن تحرص عليه المرأة؛ لأنه المقصود من النكاح، وهو حصول التعفف بين الزوجين. ولأن المنع من ذلك سبب للشر بينهما، وللشر في المجتمع. ولعل هذا السبب أحد الأسباب التي كانت سببا في انتشار الفاحشة في بعض المجتمعات؛ لتقصير بعض الزوجات مع إهمال بعض الأزواج، جعل القلوب ضعيفة تميل من قبل الذكور - أي الأزواج - والإناث - أي الزوجات - إلى الحرام، والعياذ بالله. وكما مر، وكما مر معنا أن الرجل يستوصى بالنساء خيرا، فكذلك النساء ينبغي عليهن أن يحرصن على ذلك. ومر معنا حديث عظيم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يكون من حسن العشرة، أو ما ينبغي أن يكون من حسن العشرة بين الزوجين، وهو ما رواه غير واحد من أهل السنن، وذكره الشيخ العلامة الألباني بالصحيحة من حديث المقدام بن معد كرب، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرا، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم. وإن الرجل من أهل الكتاب يتزوج المرأة، وما يعلق يداها الخيط فيما يرغب واحد منهما عن صاحبه حتى يموتا هرما أو هرما». والمراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالوصية بحسن العشرة بين الزوجين إلى آخر العمر، وضرب مثالا في شيء أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أحوال بعض أهل الكتاب. وهذا قديما قبل أن يغير ويبدل أهل الكتاب ما أنزل عليهم؛ لأن أهل الكتاب كانوا مثالا للمؤمنين والمسلمين المستقيمين بأمر الله وشرعه قبل التغيير والتبديل. ضرب النبي صلى الله عليه وسلم هذا المثال في أنه يحرص الرجل على امرأته، وتحرص المرأة على زوجها في حسن العشرة حتى تدوم بهم الحياة، فيكون هرما كل واحد منهم قد بلغ سن الهرم. والغالب أن سن الهرم يكون معه الغضب، ويكون معه قلة الصبر، ويكون معه الضيق والكرب، وغير ذلك مما قد يورث شيئا من النفرة بين الزوجين. لكن لوجود الدين وحسن الخلق، يحرص كل من الزوجين على إبقاء حسن العشرة إلى آخر الحياة. وهذا إذا كان عند أهل الكتاب ممن استقام على ما أنزل الله من شرع ودين، فإنه ينبغي أن يكون أهل الإسلام أولى بهذه الوصية التي أوصى الله بها، وأوصى بها نبينا عليه الصلاة والسلام من حسن العشرة. كما قال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهكذا في هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وفي غيره من الأحاديث الأخرى: «استوصوا بالنساء خيرا، استوصوا بالنساء خيرا». فينبغي للرجل أن يحسن إلى المرأة، وينبغي للمرأة أن تحسن إلى الرجل، وأن يحرص كل من الزوجين على حسن العشرة؛ الرجل بالقيام بما يجب عليه من حقوق، والمرأة بالقيام بما يجب عليها من حقوق. ومن ذلك الصبر إذا وقع من الزوج ما يستوجب الغضب والنفرة والشر، ينبغي للمرأة أن تصبر. وإذا أرادت أن تنصحه، تنصحه في وقت اللاحب، تنصحه في وقت اللاحب؛ وقت الغضب ربما ما تنفع النصيحة. وهكذا الرجل إذا وجد من امرأته غضبا، فإنه ينبغي أن يصبر، ولا ينبغي أن يشتط غضبا؛ لأن هذا ما ينفع، ولا هو مما أمر به شرعا. لا يقول: أنا رجل وهي امرأة، كيف ترفع صوتها علي أو كيف تمد يدها علي؟ لا، لو فعل هذا أفسد العشرة. لكن يصبر، فإذا رد العقل إليها نصحها وذكرها بالله عز وجل. وبهذا تستمر الحياة بين الزوجين على العشرة الحسنة الطيبة التي يحبها الله وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم وحث عليها. وأشار رحمه الله تعالى إلى حديث الإمام مسلم: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عندكم عوان، لستم تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا». وفي هذا دليل كما قلنا: أن الطاعة تجب على المرأة بما يوافق الشرع والعرف، فإذا فعلت فيجب على الرجل أن يؤديها حقوقها. وإن لم تفعل جاز له أن يمنعها من بعض حقوقها التي أجاز الشرع له أن يمنعها منه، مثل النفقة والقسم كما سيأتي. ثم في الحديث: «فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن لكم من نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا. فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن». الحديث، وأصله في صحيح مسلم، وسبق الكلام عليه بما تقدم. وهذا الحديث اجتمع على عدد من الحقوق والتنبيه على بعض المسائل، وسبق الكلام على بعضها في حق الزوج، أو ما على الزوج. وسبق التنبيه أن الضرب أذن به الشرع، ولم يحث عليه، وفرق بين الإذن وبين الحث. فليس الضرب دائما أو لازما يكون هو العلاج. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينقل عنه أنه مد يده على أحد من نسائه عليه الصلاة والسلام. ولا يعني ذلك أن الزوج لا يضرب؛ لا، إذا احتاج يفعل. لكن إن استطاع ألا يفعل فهو أحسن، خصوصا مع امرأة عاقلة عندها شيء من الخلق والدين، فينبغي ألا يكسرها بالضرب. وليعلم كما سبق ومر: أن النساء ناقصات عقل ودين، وأن النساء خلقن من ضلع أعوج. فعليه أن يصبر، والمرأة كذلك ينبغي أن تعلم أن الرجل قد يأتيه شيء من الغضب، أو تتراكم عليه الهموم، أو تجتمع عليه الحقوق والمسؤوليات بما يستوجب ذلك العذر له. وإن حصل منه شيء من التقصير أو الاعتداء، قد يحصل من الزوج تقصير، وقد يحصل من الزوج شيء من الاعتداء بالقول أو الفعل أو بالحس أو المعنى. فينبغي أن تعدره كما أمر الشرع الرجل أن يعدرها. ومتى ما قامت بذلك، فإن الله عز وجل يكافئها قبل زوجها بعدله وعظيم إحسانه. والجزاء من جنس العمل، الجزاء من جنس العمل. إن هي حسنت في خلقها، ووسعت في صبرها، أعانها الله عز وجل، وأعان زوجها على أن يقابلها بالمثل، على أن يقابلها بالمثل. وبهذا تصلح أحوال الأزواج. وأما العجلة والانتقام والاستعجال، وغير ذلك مما هو من خصال الشيطان، فينبغي أن يجتنب. وليعلم أنه ليس فيه حل. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أن الرفق ما كان بشيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. ويخطئ بعض الأزواج والزوجات في إلقاء ما يحبه الشيطان مما يكون في القلب من غيظ وغضب، فيرمي به أو ترمي به، ولا تعلم ولا يعلم أنه بهذا يرضي الشيطان ويصرف الرحمن، ولا ينتفع أحد منهما بشيء. ماذا تستفيد المرأة أو ماذا يستفيد الرجل إذا أغضب زوجته بكلمة جارحة، غضب منها فاشتط غيظا وغضبا، فرمى بكلمة سيئة أو رمتها بكلمة سيئة؟ ماذا يستفيد؟ ما يستفيدون شيئا؛ اللهم إلا زيادة الشر وسوء الظن بينهما. لكن لو صبر وتحمل، أو صبرت وتحملت، ماذا يحصل في ذلك؟ يحصل الخير. يذكر لها زوجها الجميل، وتذكر له زوجته الجميل. وتعلم أنه صبر عليها في اليوم الفلاني، بدل من أن تعلم أنه قد شفى غيظه بما فيه انتقام منها أو انتقاص أو اعتداء أو غير ذلك. والعكس كذلك. فالحاصل: حسن العشرة أمر مطلوب شرعا، وينبغي أن يحرص عليه الرجل وتحرص عليه الأنثى - أي الزوج والزوجة. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن كان له زوجان فصاعدا، عدل بينهن في القسم، وما تدعو الحاجة إليه. وإذا سافر أقرع بينهن. وهذا مبحث آخر في العدل بين الزوجات. فمن كان له زوجان - والمراد به اثنان من الزوجات وما فوق - يعني أكثر من ذلك فصاعدا - يعني ثلاثة أو أربع - على ما مر معنا أن النكاح يكون بثلاث إلى أربع، بواحدة إلى أربع، ولا يجوز زيادة عن ذلك أو على ذلك. فمن كان له ذلك وجب عليه العدل في القسم. قال: عدل بينهن في القسم، وما تدعو الحاجة إليه. وأدلة العدل في القسم - والمراد بالقسم يعني المبيت - كثيرا من الكتاب ومن السنة. فإن ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإن العرف الشرعي والعرف العرفي يقتضي العدل بين الزوجات في المبيت. ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. والميل كل الميل بأن يدع واحدة ويميل إلى أخرى. وهذا الميل يكون بساعة وأقل من ذلك، وبما هو أكثر من ساعة. فيجب عليه أن يعدل. إن جلس عند هذه يوما جلس عند الأخرى يوما. إن جلس عند هذه أسبوعا جلس عند الأخرى أسبوعا. يعدل في القسم. وليس بشرط أن يكون يوما بيوم؛ لأنه ربما لا يكون ذلك صالحا لكل الأزواج. قد تكون امرأة في بلد والأخرى في مكان آخر، أو هناك أحوال تقتضي العدل بغير اليوم. المهم أنه يعدل في القسم، سواء أكان يوما أو أسبوعا أو شهرا أو نحو ذلك. وأكمله أن يعدل في اليوم - يعني يوم عند هذه ويوم عند هذه - وهذا الذي كان يفعله نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد كان عليه الصلاة والسلام أكمل الناس هديا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آذا والسلام، والأحاديث في ذلك كثيرة. منها ما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تزوج امرأة، إن كانت ثيبا أن يقيم عندها ثلاثا، وإن كانت بكرا أقام عندها سبعا، ثم قسم. وهذا يدل على وجوب القسم، وأن هذا مما استثناه الدليل. وكما مر معنا: أن الاستثناء معيار العموم. الاستثناء معيار العموم معناه: أنه خرج عن الأصل. والأصل هو العدل في القسم. وأشار رحمه الله لبعض الأحاديث منها ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له امرأتان، يميل لأحدهما عن الأخرى، جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا». وفي رواية قال: «مائلا». والحديث حسن عند جماعة من أهل العلم. ولا يضر تفرد همام بن يحيى بهذا الحديث عن قتادة، عن أنس بن النظر، عن بشير، عن أبي هريرة مرفوعا؛ فإن الثقات صححوه في ذلك، وهو أحد الثقات، فلا يضر تفرده بالرفع. ومعناه صحيح تؤيده أدلة من الكتاب ومن السنة. وهكذا أيضا أشار إلى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو ضعيف، ومعناه صحيح: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». وقد رجح الترمذي إرسال هذا الحديث، أنه حديث مرسل. ومعناه صحيح لعموم الأدلة في ذلك. فقد قال ربنا جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فالمسلم يحرص على العدل بقدر المستطاع من العدل في المبيت، والعدل في النفقة، وسائر الأمور الأخرى. يعدل إن استطاع. وما لا يستطيع مما تقع به المشقة، أو كذلك ليس هو في إمكان الإنسان، فهو يعذر فيه. مثال ما تقع فيه المشقة: مثلا إحصاء ما يقع من الزوج من إحسان على المرأة. هذا صعب. صعب أن يحصي ما يقع من إحسان من الزوج إلى زوجته أو زوجاته. يعني مثلا أحسن إلى هذه المرأة بكلمات أو بأفعال، شيء حسي أو شيء معنوي. لو قلنا بوجوب العدل بمثله عند الزوجة الأخرى، يحتاج أن يأتي بدفاتر يحصي عدد الكلمات وعدد الحركات والأفعال التي فعلها مع الأولى حتى يعدل بمثلها مع الأخرى. لكن المشقة تجلب التيسير، هذه قاعدة شرعية صحيحة دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. وربنا جل وعلا يقول: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. لكن مع ذلك يحرص على العدل قدر المستطاع. يحرص على العدل قدر المستطاع. وهكذا فيما لا يملكه الإنسان من ميل القلب، أو الرغبة في الجماع، أو نحو ذلك. فهذا ليس في إمكان الإنسان. قد يكون اليوم قويا وغدا ضعيفا. قد يكون اليوم فرحا مرحا وغدا ضيق الصدر مغضبا. وقد يكون له رغبة بامرأة وليس له رغبة بأخرى. فهذا مما قد لا يملكه الإنسان. ومع ذلك هناك حد أدنى ينبغي أن لا يتعداه فيما جاءت الرخصة فيه. قلنا: أن الرخصة جاءت فيما فيه مشقة، وجاءت الرخصة فيما ليس في إمكان الإنسان؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في ذلك. لكن مع ذلك هناك حد حتى لا يعتدي على حق أحد الزوجات. فمثلا الحد الأدنى الذي يكون في الجماع هو كما قال العلماء: مرة كل أربعة أشهر. هذا الحد الأدنى الذي يجب عليه. لا يجوز له أن يفرط هذا ولو قال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. نقول: نعم، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها؛ هذا فيما زاد عن هذا. أما هذا الحد فهو الحد الذي لا يجوز الاعتداء فيه. وذلك لأن الله عز وجل حده في شرعه، وهو العادل سبحانه وتعالى وحكمه العدل. قال ربنا جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۞ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هذا الحكم حكم الإيلاء في الرجل يحلف أن لا يأتي امرأته. جعل الشرع له مهلة أربعة أشهر، فإن لم يأتي فإنه يخير بين إحدى ثلاث: إما أن يطلق، وإما أن يرجع إلى امرأته ويكفر عن يمينه، وإما أن يفرق بينهما الحاكم إذا لم يحصل منه الأمران الأولان. واستدل العلماء بذلك على أن هذا الحد لا يجوز الاعتداء فيه. بل الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يجوز للرجل أن يقصر في هذا الحق، وفي غيره إذا علم أن امرأته قد تتضرر بتقصير الزوج في حقها في هذا الباب - يعني بذلك أنه لا يقتصر على المرة الواحدة في أربعة أشهر. ولهذا قال بعض أهل العلم: يجب - كما ذكر ابن حزم وغيره - في كل طهر مرة. يجب في كل طهر مرة. والصحيح: أنه لا يحد، بل لكل امرأة وصفها الذي يصلح لها. والرجل يجب عليه أن يعدل في هذا الباب. وهكذا كذلك في الأبواب الأخرى التي فيها مشقة. ليس معنى أن فيها مشقة معنى أنه لا يبالي ويعرض. لا، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. فهذا الميل قد يكون بالكلام. لماذا هذه تعطيها الكلام الطيب وتلك من أول ما تدخل من الباب - كما يقولون - صرعة بالكلام؟ وبالفعل أول ما يدخل عند المرأة الثانية إذا بها ترى الإعراض في الوجه، وربما الشتم باللسان، وربما النفخ والدفع باليد، والضرب وغير ذلك. ولا يقول: يشق علي العدل في الإحسان. لا، يشق عليك العدل في الكلمة الطيبة والكلمتين والثلاث التي ما تستطيع تعدل فيها. هذه قد تعطيها ثلاثة، وهذه تعطيها واحدة. لكن أن تعطي هذه كل الطيب، وهذه تعطيها كل السيء؛ لا، هذا ليس مما يشق عليه، سواء كان قولا أو كان فعلا. فينبغي للمسلم أن يعدل. فعموم الأدلة تدل على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في قوله رحمه الله: «وما تدعو الحاجة إليه». عدل بينهن في القسم، وما تدعو الحاجة إليه. فما تدعو الحاجة إليه من الكلمة والفعل وغير ذلك، فإنه ينبغي عليه أن يعدل في هذا الباب. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله لدرس لاحق. والله تعالى أعلم.