شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2

شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2

الدرس في شرح كتاب آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب التعلم والتعليم وضرورة التعاون

يتناول المقطع آداب التعلم والتعليم حسب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، ويشدد على أهمية توضيح المعلم للمسائل وتفهيمها للمتعلمين. كما يشير إلى أهمية التعاون بين الطلاب في مراجعة المحفوظ والمفهوم.

أهمية نشر العلم وجمع كلمة أهل العلم

يؤكد الشيخ على أهمية نشر العلم وإخراجه للآخرين لتثبيته وزيادته، ويشير إلى ضرورة جمع كلمة أهل العلم وتعاونهم لتحقيق مصالح الدين والدنيا.

جمع الكلمة وتأليف القلوب وعلاج التفرق

حذر الشيخ من التفرق والتمزق الذي ينافي العمل بالعلم، وشدد على أهمية جمع الكلمة وتأليف القلوب، وذكر بعض الأسباب التي تؤدي إلى التفرق.

فضل التواضع ورفعه لصاحبه

التواضع لله يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ولا يهم المرء موقعه في المجتمع، فالرفع بإذن الله يأتي في كل حال.

التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فمواصلة مع الرسالة النافعة الماتعة للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله تعالى. وقد أخذنا بعضًا من هذه الآداب، ونواصل إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «وينبغي سلوك الطريق النافع عند البحث تعلمًا وتعليمًا، فإذا شرع المعلم في مسألة وضحها وأوصلها إلى أفهام المتعلمين بكل ما يقدر عليه من التعبير، وضرب الأمثال، والتصوير، والتحرير. ثم لا ينتقل منها إلى غيرها قبل تحققها وتفهيمها للمتعلمين، ولا يدع المتعلمين يخرجون من الموضوع الذي لم يتم تقريره إلى موضوع آخر حتى يحكموه ويفهموه. فإن الخروج من الموضوع إلى غيره قبل الانتهاء منه يشوش الذهن، ويحرم الفائدة، ويخلط المسائل بعضها ببعض. وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالمراجعة والامتحان، والحث على المذاكرة والمراجعة وتقرير الدرس. فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار، والدرس والمذاكرة والمراجعة بمنزلة السقي لها، وإزالة الأشياء المضرة لتنمو وتزداد على الدوام. وكما أن على المتعلم توقير معلمه والأدب معه، فكذلك أقرانه في التعلم معه عليه توقيرهم واحترامهم. فالصحبة في طلب العلم تجمع حقوقًا كثيرة، لأن لهم حق الأخوة والصحبة، وحق الاحترام لما قاموا به من الاشتغال بما ينفعهم وينفع الناس، وهو الانتماء إلى معلمهم، وأنهم بمنزلة أولاده. وحق نفع بعضهم بعضًا. ولهذا ينبغي أن لا يدعى ممكنًا يقدر عليه من نفع من يقدر على نفعه منهم، من تعليمه ما يجهل، والبحث معه للتعاون على الخير، وإرشاده لما فيه نفعه. وينبغي أن يكون اجتماعهم في كل وقت غنيمة يتعلم فيه القاصر ممن هو أقوى منه، ويعلم العالم غير العالم، ويتطارحون المسائل النافعة. وليجعلوا همهم مقصورًا على ما هم بصدده، وليحذروا من الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم، فإنه إثم حاضر، والمعصية من أهل العلم أعظم من غيرهم، لأن الحجة عليهم أقوى، ولأن غيرهم يقتدي بهم. ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة والوقت النفيس، ويذهب بهجة العلم ونوره. واعلم أن القناعة باليسير من الرزق، والاقتصاد في أمر المعيشة مطلوب من كل أحد، لا سيما المشتغلون بالعلم، فإنه كالمتعين عليهم، لأن العلم وظيفة العمر كله أو معظمها. فمتى زاحمته الأشغال الدنيوية والضرورية حصل النقص بسبب ذلك. والاقتصاد والقناعة من أكبر العوامل لتحصيل الأشغال الدنيوية، وإقبال المتعلم على ما هو بصدده. ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم. ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك، فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي. كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية، وحفظًا لما علمه، وجزاه الله بحسب عمله». هذه مجموعة من الآداب جعلها رحمه الله تعالى في ثنايا سرده للآداب، وهي تتعلق هنا بإتقان المفهوم والمحفوظ. وقد ذكر ثلاثة طرق: الطريق الأول ما يكون من جهة المعلم، فعلى المعلم أن يبدل الوسائل المتنوعة لتثبيت المحفوظ والمفهوم. فمثلًا إذا كان المحفوظ فيه شيء من الصعوبة فيحتاج إلى التكرار والتوضيح ما يعين على تسهيل هذا المحفوظ بقدر ما يحتاجه. ومثله كذلك المفهوم، إذا شرح درسًا يحتاج إلى زيادة إيضاح وتكثير الأمثلة ووقفة أكثر من غيره من الدروس الأخرى، فإنه يعطيه حقه. فرب كتاب واحد مباحثه تختلف، مثل النحو مثلًا، إذا كان في الكلام على المبتدأ والخبر والإسم والفاعل وأحكام هؤلاء، ربما الأمر يكون فيه نوع من عدم الصعوبة. فإذا دخل في بعض المباحث الشائكة التي تحتاج إلى وقفة وتدقيق، كالتفريق في باب المنصوبات في باب الاشتغال ونحوه من الأمور العميقة الدقيقة، يحتاج إلى وقفة أشد. ومثله في باب المواريث مثلًا، فقد تكون بعض المباحث ثقيلة تحتاج إلى وقفة. فالمحفوظ والمفهوم لا بد أن يكون له اعتناء بما يناسب العلم، محفوظًا أو مفهومًا، بما يعين الطالب على حفظه، فيعينه المدرس بأسلوبه وبطرقه وضرب الأمثلة وتكثير الوقت والإعادة وغير ذلك. القسم الثاني: ما يتعلق بالطالب، ينبغي للطالب كذلك أن يعتني بالمحفوظ والمفهوم بحسب كل محفوظ ومفهوم. ومثل الطالب الذي يتعهد محفوظه ومفهومه مثل الشجر الذي يتعهدها المزارع، إذا لم يتعهد الشجر بالماء وبإزالة ما يضرها من حشيش وأشجار أخرى، ربما ماتت هذه الشجرة. القسم الثالث: ما يكون من أخوة وتعاون بين الطلاب، الطلاب لا بد أن تكون عندهم أخوة وتعاون في مراجعة المحفوظ والمفهوم. المحفوظ مثلًا، إنسان يحفظ القرآن، حين يحفظ ويراجع وحده، ليس كمن له زميل يسمعان مع بعض، جزء بجزء، نصف جزء بنصف جزء، وهكذا صفحة بصفحة، حتى يأتي النشاط وتستمر هذه المراجعة. تستمر هذه المراجعة بوجود الصديق وصاحب لك يساعدك في تعهد المحفوظ. ونفس الشيء المفهوم. ومما يعين كذلك أن يوجه المدرس، وإن لم يوجه المدرس، تعاون الطلاب بأن يعلم الكبار الصغار. وذكر لنا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى أنه لما التحق بالدراسة عند شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، قال: «كنا نحضر درس الشيخ، ويوكل لنا الشيخ من يدرسنا بعض العلوم من كبار طلابه، يعني حضرنا الدرس العام عند الشيخ، لكن تفاصيل العلوم يدرسها كبار طلاب الشيخ لصغار طلاب الشيخ». وكان شيخنا يعتبر نفسه في ذلك الزمان من صغار طلاب الشيخ، فيوجد من زملائه الكبار من علمه، فانتفع. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: «وختم بهذا أيضًا أن الإنسان ينبغي أن يراعي في تعلم المسائل أن لا يحتفظ بها لنفسه، فمما يعين على تثبيت المحفوظ والمفهوم إخراج هذه الفائدة. كما قال القائل: يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن كف به». شددت: هذا هو العلم، العلم إذا أخرجته يثبت. مثلًا حفظت حديثًا، أخرج هذا الحديث، ركبت في سيارة مع مجموعة من إخوانك: «يا إخوان، ما رأيكم نحفظ الحديث؟ يلا، أنا أبدأ، سأكرر الحديث ثلاثًا، والذي عن يميني يبدأ». عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم. مرتين ثلاث، يلا تفضل، تحفظ، حفظ، لا ما حفظ، الذي بعده حفظ، نعم يقرأ، والذي بعده، والذي بعده، ثم يدور على من في السيارة، ويرجع إلى المنزل يحفظ. وحفظ، كررت هذا مرتين ثلاث، سيحفر حفظ هذا الحديث في قلبك وذهنك، ما تنساه بعد. وهذا الذي حفظ منك في السيارة، لو فعل مثل هذا في السيارة أخرى، ومرتين وثلاث، سيحفظ وسيبقى. إذن من الذي أعان على تثبيت هذا الحفظ؟ إخراجه. «يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن كف به». شددت. كذلك أنت تنال أجرًا حين تبذل هذا العلم وتخرجه للآخرين. أنت تبذل العلم، حسنًا، تبقى لك طلاب يكونون من كما قلنا من أبنائك، يحملون عنك العلم كما يحمل الأبناء منك النسب. ثم قال رحمه الله: «ومن أهم ما يتعين السعي في جمع كلمة أهل العلم، وتعريف القلوب على ذلك. كلمتهم، وحسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم، وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم وغاية يسعون إليها بكل طريق، لأن المطلوب واحد، والقصد واحد، والمصلحة مشتركة، فيحققون هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم، ومن له قدم فيه أو اشتغال أو نفع. ولا يدعون الأغراض الفاسدة تملكهم وتمنعهم من هذا المطلوب الجليل، فيحب بعضهم بعضًا، ويذب بعضهم عن بعض، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفًا عن الآخر، ويبرهنون على أن الأمور الجزئية التي تدعو إلى ضد المحبة والائتلاف لا تقدم على الأصول الكلية التي فيها جمع الكلمة. ولا يدعون أعداء العلم من العوام وغيرهم يتمكنون من إفساد ذات بينهم وتفريق كلمتهم، فإن في تحقيق هذا المقصد الجليل والقيام به من المنافع والمصالح ما لا يحصى. ولو لم يكن فيه إلا أن هذا هو الدين الذي حث الشارع عليه بكل طريق، وأعظم من يلزمه القيام به أهله. ولأنه من أعظم الأدلة على النصح والإخلاص اللذين هما قطب الدين وروحه. وإن هذا الوصف يتصف به أهل العلم الذين هم أهله، الذين ورد في الكتاب والسنة من مدحهم والثناء عليهم ما لا يتسع هذا الموضع لذكره. وفيه من تكثير العلم وتوسعة الوصول إليه وتنوع طرقه ما هو مشاهد. فإن أهل العلم إذا كانت طريقتهم واحدة تمكن أن يتعلم بعضهم من بعض، ويعلم بعضهم بعضًا. وإذا كانت كل طائفة منهم منزوية عن الأخرى منحرفة عنها، إن قطعت الفائدة وحل محلها ضدها، وحصل التعصب والبغض والتفتيش عن عيوب الطائفة الأخرى وأغلاطها، وكل هذا مناف للدين والأخلاق ولما يتعين على أهل العلم ولما كان عليه السلف الصالح. فالموفق تجده ناصحًا لله بتوحيده والقيام بعبوديته ظاهرًا وباطنًا بإخلاص واحتساب، وتكميل لها بحسب وسعه. ناصحًا لكتاب الله بالإيمان بما اجتمع عليه، والإقبال على تعلمه وتعلم ما يتعلق به ويتفرع عنه من علوم الشريعة كلها. ناصحًا لرسوله بالإيمان بكل ما جاء به من أصول الدين وفروعه، وتقديم محبته على كل محبة بعد محبة الله تعالى، وتحقيق متابعته في شرائع الدين الظاهرة والباطنة. ناصحًا لأئمة المسلمين من ولاتهم وعلمائهم ورؤسائهم، في محبة الخير لهم، والسعي في عونتهم عليه قولًا وفعلًا، ومحبة استماع الرعية على طاعتهم، وأداء ما عليهم من الطاعة. ناصحًا لعامة المسلمين، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويقدر لهم ما يقدر لنفسه، ويصدق ظاهره وباطنه، وأقواله وأفعاله، ويدعو إلى هذا الأصل القويم والصراط المستقيم. فنسأل الله الكريم أن يرزقنا حبه وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه، ويهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم». ختم رحمه الله تعالى بهذه النصائح التي تعين على الاجتماع، فقد حذر رحمه الله تعالى من التفرق والتمزق الذي ينافي العمل بالعلم، ومن أهمية السعي إلى جمع الكلمة وتأليف القلوب، وغلق أبواب وأسباب الشر والعداوة والبغضاء. أولًا لأن هذا ينافي العلم وطريق حملته، وثاني، ثانيًا لأنه وهو أعظم ينافي الدين، وثالثًا لأنه يحرم العالم والمتعلم من الاستمرار في طريق العلم، ورابعًا لأنه كذلك تكون سبب لحلول غضب الله عز وجل العاجلة قبل الآجلة، وخامسًا لأنه سبب لعدم حصول المقصود من العلم، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة أهل الحق هي العليا. ولهذا حذر ربنا جل وعلا من النزاع والشقاق الذي يفضي إلى الفرقة، ويدخل الضعف والخور وعدم القوة، بقوله: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» أي: قوتكم. فلذلك ذكر بعض الأمور التي قد تكون سببًا في إيجاد هذا المعنى المذموم، وهو التفرق وعدم جمع الكلمة، من هذه الأمور: الأمراض القلبية، حب الظهور، العجب، الرياء، الخيلاء، الكبر، التعالي على الآخرين، ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة والأمراض السيئة التي يحرس الشيطان على إفساد حال المعلم والمتعلم فيها، ليحرمه طريق الاستمرار بطريق العلم. ومنه: الحسد، ونحوه من الأمراض الأخرى. فينبغي للإنسان كما ذكر الشيخ أن يحرص على الإخلاص والنصح، ينصح نفسه أولًا، وينصح الآخرين ثانيًا. والأمر الآخر كذلك: بعض العوام كما ذكر رحمه الله قد يكونون سببًا في التفرق والتمزق، فلا ينبغي أن يقبل منهم من يحرش بين أهل العلم وحملة العلم. وقد يكون للتحريش أسباب، من هذه الأسباب: أن يحرش لأجل الأغراض الشخصية، أو الانتصار لطائفة وفئة وجهة، أو الوصول إلى مطمع من المطامع، أو غير ذلك من الأمور الأخرى. وينبغي أن يحذر من أمثال هؤلاء المحرشين. ومن هذه الأسباب كذلك: أنه يحرص دائمًا على أن يفتش في عيوب نفسه، وأن يعلم أن ما وجده من عيب في غيره، فعنده مثله، هو أكثر، حتى لا يصاب بالعجب والغرور والتعالي على الآخرين. ومن هذه الأمور: أن يذكر نفسه دائمًا، وغيره، بأن الأخطاء ينبغي أن تعالج بطرقها الشرعية الصحيحة. فإن من الأخطاء ما تطوى ولا تروى، ومنها ما يكون هناك حاجة للنصح، ولكن بالطرق الشرعية الصحيحة والآداب والوسائل المرعية التي دلت عليها النصوص الشرعية. فلذلك لا ينبغي من باب أولى إذا كان هذا الواجب وهذا الأدب، أن تتبع العيوب والأخطاء. فإن من فعل ذلك حصل له بالمثل وأشد. وأحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن تتبع عورات المسلمين، فمن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، حتى فضحه في قعر بيته. «الجزاء من جنس العمل». «الجزاء من جنس العمل». وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. والعكس بالعكس، من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. ولا تظن أن الستر الحسن الذي يحبه الله معناه الموافقة والإقرار على الباطل، لا، لا بد أن تفرق كما فرق العلماء بين الباطل الذي ينصح فيه، والباطل الذي يستر. فهناك من الباطل ما تكون فيه النصيحة، والنصيحة قد تكون بمجلس خاص، أو مجلس عام، إذا كان عام فبغير تسمية: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا». إذا احتيج إلى التعميم. وإذا كانت أشياء خاصة فبمجلس خاص، إن كان يقبل منك. وإذا لا يقبل ترسل من ينصح، المهم هو حصول المقصود بالإصلاح. ولا يكن غرضك هو أن تأخذ مكانه، لأن من الناس من يجعل النصيحة وسيلة للإسقاط؛ لأجل أن يصل إلى المكان الذي لا يستطيع الوصول إليه إلا بزحزحة من هو فيه، كالرئاسة ونحوه من الأمور الأخرى. وهذا خطأ. وقد يدخل الشيطان شبهة بأن هذا من الغيرة على الدين، لا، هذا من الشيطان. فالله أغير على دينه. ينبغي أن تعلم أنك متى ما تأدبت بالأدب الشرعي، وسرت بسير العلماء، ارتقيت بنفسك، وكنت بذلك في رفعة. رفعك الله في الدنيا والآخرة. والله عز وجل أغير على دينه، كما قال سبحانه: «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». كذلك يضرب الله الأمثال. الزبد لا يمكن أن يبقى، حسي أو معنوي. إذا كان الحسي تراه أنت، يعمل رغوة في البحر، وفي النهاية يذهب. وفي السيل، وفي النهاية يذهب. فكيف بدين الله عز وجل؟ من باب أولى، إذا دخل فيه إنسان غير صادق، غير مخلص، مريض، فالله عز وجل سيبعده، لا بد، لن يبقى أبدًا في دين الله عز وجل إلا الصافي. قد يتأخر لامتحان وابتلاء، لكن في النهاية ما يصفو. كما يقول العوام: «إلا الصافي». فينبغي أن نكون على يقين في هذا. والأمر الأخير الذي أشار إليه وختم به: أن يكون عند المسلم ما هو أعظم من هذا، وهو خلق الكبار، أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك. ألا يكون عندك بخل في أن يصل الخير لغيرك. «لا يمن حدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». واعلم أنك متى ما حرصت على تحقيق ذلك، أعطاك الله مثله أكثر، وزادك الله عز وجل من فضله. بتواضعك، ما تواضع أحد لله إلا ماذا؟ رفع الله. «الرفع بإذن الله في الدنيا وفي الآخرة». ولا تبالي، كنت في أول الصف، في آخره. كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره: «إن كان في الساسة فأي مكان وضعت اقنع». وبإذن الله ستجد الرفع في الدنيا قبل الآخرة. وبهذا يكون قد ختم هذه النصيحة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.