الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 6، الدرس السادس : ( القول في رؤية الله عز وجل ... رسول الله وصدق يزيد وقال الحق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله تعالى يوم القيامة ثابتة بالأحاديث الصحيحة مثل حديث جرير بن عبد الله. يُؤكد الشيخ ابن بريك أن هذه العقيدة تتماشى مع ما عليه أهل السنة والجماعة.
المقطع يتناول مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة مستندًا إلى أدلة من الكتاب والسنة، مثل الآيات القرآنية التي تشير إلى نعيم المؤمنين برؤية الله، وأحاديث نبوية تثبت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
يناقش المقطع مسألة الرؤية ويثبت أن أهل السنة أجمعوا على رؤية الله في الآخرة، بينما يختلفون مع المعتزلة والجهمية والأشاعرة في تفاصيل هذه الرؤية. الرؤية تكون في الآخرة وليس في الدنيا.
المؤمنون يرون ربهم في يوم القيامة وفي الجنة، بينما يرى أهل الكتاب والمنافقون الله مع أهل الإيمان. هذا ما دلت عليه الأحاديث وبه تجتمع الأدلة، وهو قول أهل السنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بصبيح السنة قال: القول برؤية الله عز وجل، وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فإن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا ابن فضيل. وحدثنا تميم بن منتصر، ومجاهد بن موسى، قال تميم: أنبأنا يزيد، وقال مجاهد: حدثنا يزيد بن هارون. قال: وحدثنا سفيان، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون جميعًا عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم راؤون ربكم عز وجل كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. قال: ورفع الحديث، ورفع الحديث لحديث مجاهد، قال يزيد: من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله. مرة وأقول: أنا صدق رسول الله، وصدق يزيد. وقال الحق -أي ابن جريج- أورد رحمه الله تعالى هذا المبحث في كتاب «السلام على الرؤية»، وهو كما مر معنا في هذه الرسالة، يبين عقيدته التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو بهذا يرد على طائفتين: الطائفة الأولى هم أهل البدع والأهواء الذين خالفوا في هذا الباب، والطائفة الثانية الذين يرمونه -رحمه الله- أنه يخالف أهل السنة ببعض مسائل الاعتقاد، فيبين -رحمه الله- أنه لم يخالف أهل السنة بمسائل الاعتقاد، بل هذا الذي يدين الله جل وعلا به. وقال: نرى أن سبب ذلك بعض الخصومات التي وقعت بينه وبين بعض أقرائه، مما دفعتهم لاتهامه ببعض التهمة التي كان بريئًا منها -رحمه الله تعالى-، وكتبه شاهدة بذلك، وهكذا شهادة العلماء له بجلالة علمه، وصحة معتقده، وحسن استقامته وسيرته -رحمه الله-. أما قوله: «وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين»، فقوله: «وأما الصواب» ليبين أن كثيرًا من الناس قد أخطأوا في هذا الباب، أي باب رؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة، وذلك لأن أدلة الكتاب والسنة تفيد إثبات الرؤية، وهي أدلة كثيرة. من هذه الأدلة من الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وهي ناظرة بمعنى النظر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ من النضرة، أي نظرة النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ من النظر، أي نظر العين، فيناظرة بمعنى منتفع بها، وأثر النعيم، ﴿وَإِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي رائية، ترى ربها يوم القيامة في الجنة. وكذلك مثل قول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، رجح تسير ذلك عن عدد من الصحابة بأنه النظر إلى وجه الله عز وجل. وغيرها من الآيات التي استدل بها أهل العلم، كقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فقد جاء عن الحسن البصري، ومالك، والشافعي أن هذه الآية فيها دليل على رؤية المؤمنين لربهم، فإذا كان الكفار يعاقبون بعدم الرؤية، فإن مفهوم المخالفة يفيد أن أهل الإيمان ينعمون ويكرمون بالرؤية، وهذا ما يفهم من الآيات قبل هذه الآية. ومن السنة دلائل كثيرة ذكر منها -رحمه الله- حديث جرير بن عبد الله البجلي، وقد جاء معنا من حديث سهيل، وحديث أبي هريرة: «أن الناس يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»، يعني لا يضايقكم ولا يمنعكم من رؤيته شيء، فإنكم مع تفرقكم ترون الرب جل وعلا. وهذا التمثيل إنما هو تمثيل للرؤية بالرؤية، أي أنها رؤية حقيقية كما أن رؤية القمر رؤية حقيقية، وأنها كذلك رؤية لا يكدرها ولا يشوش عليها شيء، كما أن رؤية القمر كذلك، فالمسألة ليست بها شيء من التشبيه والمماثلة، وإنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية. وأكد من مسائل الرؤية التي كذلك ينبه عليها أنه قال: «وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة»، فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار، ومعنى ذلك أن أهل السنة أجمعوا على ذلك، أي على الرؤية، ومن لم يثبت الرؤية فليس من أهل السنة، فليس الأشاعرة من أهل السنة لأنهم لا يثبتون الرؤية، ولا يثبتون كثيرًا من مسائل الاعتقاد على ما عليه أهل السنة، فهم يثبتون أنها رؤية، رؤية ليست رؤية حقيقية، بل يرون أنها رؤية إما قلبية، وإما رؤية لا وجود لها في الواقع، يعني ليست رؤية حقيقية تكون كرؤية الدنيا. وأعظم منهم من نفاها كالمعتزلة ومن كان على شاكلتهم. وهنا يناسب أن يذكر أن الناس في باب الرؤية ثلاثة مذاهب: قوم يثبتونها في الدنيا وفي الآخرة، وهم الصوفية، يثبتون الرؤية رؤية الرب في الدنيا، ويثبتونها كذلك في الآخرة، على أن إثباتهم في الآخرة فيه دخن. وصنف ينفونها كالمعتزلة والجهمية. وصنف يثبتونها في الآخرة وينفونها في الدنيا، وهم أهل السنة، وعلى هذا دلت الأدلة. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، فلن يرى أحد ربه عز وجل في الدنيا، وإنما تكون الرؤية يوم القيامة. فإن قال قائل: فماذا نصنع بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت ربي بأحسن صورة»؟ فجوابه: أنها رؤية قلبية منامية، وليست رؤية عين، لأنه صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «نور أنى أراه، نور أنى أراه»، فهو لم ير ربه جل وعلا رؤية عين، وإنما رآه رؤية منام، رؤية قلبية، هذا هو القول الصواب. وبهذا يعلم أنه لا خلاف بين السلف في مسألة الرؤية، فطول من قال: إن السلف اختلفوا في باب الرؤية، فإن ابن عباس خالف، لم يثبت في ذلك كما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وإنما عبد الله بن عباس أثبت الرؤية القلبية المنامية التي جاءت بها بعض الأحاديث، وأما رؤية العين فلم يثبت عن عبد الله بن عباس، ولا عن غيره من سلف الأمة، فهم مجمعون على مسألة الرؤية كما ذكر ابن جرير -رحمه الله-، وهذا إجماع نقله ابن جرير، ونقله غيره من أهل العلم. ومما ينبني عليه من مسألة الرؤية قوله في رؤية المؤمنين، فالمؤمنون يرون ربهم في عرصات يوم القيامة، وهكذا كذلك في الجنة. وأما أهل الكتاب والمنافقون فيرونه مع أهل الإيمان، فيرونه مع أهل الإيمان، فهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث، وبه تجتمع الأدلة. فخلاصة ما ذكره -رحمه الله- أن الحديث يدل على إثبات الرؤية للمؤمنين في الجنة، وهذه من المسائل التي أجمع عليها أهل السنة، وهو يقول بهذا القول لأجل أن يبين ما هو الصواب، وهكذا ليدفع عن نفسه التهمة -رحمه الله تعالى-.