الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 4، الدرس الرابع : فيه (والفرق بين فرض الصلاة وبين نفلها ... في فرض الصلاة ركن على القادر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الفروق بين صلاة الفرض والنفل من حيث القيام والصلاة على الراحلة. يجوز النفل على الراحلة في السفر الطويل والقصير بينما لا يصح الفرض إلا عند الضرورة.
يجب على المسافر أداء الصلاة في وقتها في وسائل النقل المختلفة مثل الطائرات والبواخر والقطارات. يمكن أداء الصلاة قائما أو جالسا أو بالتيمم حسب الظروف.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى وجود دروس لاحقة والتوكل على الله تعالى. يشدد على أهمية الاستمرار في التعلم والتوكل على الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى، في كتابه «التقاسيم والفرق»: قال: «والفرق بين فرض الصلاة وبين نفلها، مع اشتراكهما في أكثر الأحكام، أن القيام في فرض الصلاة ركن على القادر، وفي النفل سنة، ويصح النفل على الراحلة في السفر الطويل والقصير، وكذلك للماشي. والفرض لا يصح إلا عند الضرورة، ويجوز في النفل الشرب اليسير، بخلاف الفرض. ويجب ستر أحد المنكبين للرجل في فرض الصلاة دون نفلها». والصحيح في هذا أن ستر المنكب يستوي فيه الفرض والنفل، وأنه سنة من كمال السترة. ومنها جواز النفل داخل الكعبة دون الفرض، والصحيح جواز الصلاة في جوفها، الفرض والنفل. طيب، هذه مجموعة من المسائل والفروق في الفرق بين فرض الصلاة وبين نفلها من «التقاسيم والفروق». أن الصلاة تنقسم إلى قسمين: فريضة ونافلة، وبين هذين القسمين فروق. وبعض هذه الفروق صحيحة، وبعضها ضعيفة كما مر معنا. وأشار رحمه الله تعالى إلى بعض هذه الفروق، وبعض هذه المسائل التي أشار إليها من أنها من الفروق الصحيحة، فيها خلاف، لكن ربما هي في قول بعض أهل العلم على المعنى الراجح المحتمل، ولو كان عند غيره غير راجح. فأول هذه الفروق قال: «أن القيام في فرض الصلاة ركن على القادر»، وذلك لحديث عمران في الصحيح: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». فدل على أن القيام في فرض الصلاة ركن على القادر، فسقط غير القادر، بخلاف النفل كما ذكر رحمه الله تعالى، فيجوز للمتنفل أن يصلي قاعدا، لكنه خلاف الأفضل والأكمل. ولهذا يكتب له نصف أجر القائم. مثلاً، صليت قيام الليل فأطال الإمام أو أطلت بنفسك، لأنك حرست مثلاً على مراجعة القرآن في قيامك، أو كنت خلف إمام أطال فتعبت واحتجت للجلوس، إما لمرض أو لكبر سن أو لأي سبب آخر، فهل يجوز الجلوس في صلاة النفل؟ الجواب: نعم يجوز، لكن ليس أجر القائم كأجر القاعد. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، جاء عند أحمد وغيره من حديث عائشة وغيرها، فدل ذلك -وهو إسناد صحيح أو حسن- على أن المتنفل يجوز له أن يصلي قاعدا، وهو خلاف الأفضل والأكمل. وإذا صلى قاعدا، فإن له نصف أجر القائم. وينبغي أن نعلم أن الأصل أنه لا فرق بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة، فالأصل أنه سواء، إلا ما دل الدليل على التفريق. ولهذا إذا قيل: هل هذا الفرق من الفروق الصحيحة بين النفل والفرض؟ نقول: إذا صح الدليل، فهذا فرق صحيح. وإذا لم يصح الدليل، فالأصل هو التسوية في ذلك. وهذا الدليل الذي يصح قد يكون صريحا، وقد يكون غير صريح، يعني في التفريق، فقد تحتف به قرائن كما سيأتي معنا إن شاء الله في ذكر بعض الفروق بين الفريضة والنافلة من الصلاة. فهذا هو الفرق الأول. قال: «ويصح النفل على الراحلة في السفر الطويل والقصير». وهذا من الفروق، الفريضة لا يصلي الإنسان على الراحلة لا في سفر ولا في حضر إلا في الضرورة. في الضرورة يجوز أن يصلي على الراحلة في السفر وفي الحضر لا فرق. ودليل ذلك حديث عمران: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا...». كنت مثلاً في الطائرة، جاء وقت صلاة الفجر وأنت على مقعدك في الطائرة، ما تستطيع تصلي في مكان آخر. إذا استطعت يجب عليك أن تصلي قائما، كأن تذهب في أطراف الطائرة في مقدمتها أو في مؤخرتها. بعض الطائرات يوجد فيها سعة، تستطيع أن تصلي في المقدمة أو في المؤخرة. وبعض الطائرات لا يوجد فيها سعة، لا تستطيع أن تصلي لا في المقدمة ولا في المؤخرة، بل ولا يؤذن لك بالقيام من مقعدك. فهنا هل تترك الصلاة؟ الجواب: لا، لأن وقت الصلاة يجب أن يحافظ عليه. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. فصلي على مقعدك. «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا». الضرورات تبيح المحظورات. وكذلك ربما يوجد سعة في الطائرة، لكن الوقت لا يناسب، كأن تمنع لأسباب تقتضي السلامة أن لا يقوم أحد من المقعد. فهنا تصلي على مقعدك، ولا تدعى الصلاة. وهكذا مما ينتبه له. وللأسف نرى بعض المسافرين في الطائرات ورحلات الجو يتساهلون في الصلاة، ربما يقول: نقضي الصلاة. لا يجوز، ليس في الإسلام شيء اسمه قضاء. بل الصلاة يجب أن يصليها الإنسان في وقتها، ولا يجوز له أن يتعمد إخراج الصلاة عن خارج وقتها إلا لعذر. فلذلك يجب عليه أن يحفظ على الصلاة في الوقت. وأما ما يفعله بعض الناس يقول: ربما أنا ما عندي ماء، كيف أتوضأ؟ مع أنه يوجد في الغالب الماء في دورات المياه في الطائرة. إذا قدر أنه لا يوجد ماء عندك، التيمم تيمم. تستطيع أن تتيمم وتصلي. ما تيسر الماء ولا التيمم، صلي على الهيئة التي أنت عليها. «فاتقوا الله ما استطعتم»، كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتقدوا الماء، كما في حديث عائشة، ولم يكن قد شرع لهم التيمم قبل ذلك، فصلوا من غير طهارة. استدل به أهل العلم على أن فاقد الطهورين يصلي بغير ماء ولا تيمم، يجوز له من افتقد الماء وافتقد التراب، لا يدعى الصلاة، بل يصلي من غير ماء ومن غير تيمم، من غير وضوء ولا تيمم، يجوز. بل هذا الواجب. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما لم يجد الماء لم يأمر الصحابة بالقضاء، ما قال لهم: ما عندنا ماء، إذن نؤجل الصلاة، نقضيها في وقت آخر. لا، «صلوا من غير طهارة»، يعني من غير وضوء، ما وجد الماء، صلوا. ولم يكن قد شرع التيمم قبل ذلك. ثم شرع التيمم، فسميت صلاة فاقد الطهورين. فالخلاصة: الفريضة لا يصلى على الراحلة لا في سفر طويل ولا في قصير. أما النافلة فيجوز. ولكن يسن ويستحب أن يبتدأ النافلة بالتوجه إلى القبلة. ومثله كذلك الفريضة إذا اضطررت، هذا هو الأحوط. يعني تكبر وأنت متجه إلى القبلة، تجتهد ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا كنت في جهة الشمال، وما بين المشرق والمغرب قبلة إذا كنت في الجنوب، وما بين الشمال والجنوب قبلة إذا كنت في جهة الشرق أو في جهة الغرب. فإن كنت في الشرق فتتجه غربا، وإن كنت في الغرب فتتجه شرقا. كما أن ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا كنت في الشمال أو الجنوب. فإن كنت شمالا تتجه جنوبا، وإن كنت جنوبا فتتجه شمالا. وليس شرط أن تتجه إلى عين قبلة، اجتهد. فأنت تعرف مثلا أنك مسافر من اليمن مثلا إلى الهند، فالطائرة تمشي إلى جهة المشرق. فإذا لا تقول: ما بين المشرق والمغرب قبلة. لكن قل: ما بين الشمال والجنوب قبلة. ما بين الشمال والجنوب قبلة، فتتجه إلى جهة الغرب. تتجه إلى جهة الغرب، وإن استطعت أن تميل قليلا إلى شمال الغرب، فأنت إن شاء الله إلى جهة القبلة. وهكذا. طيب، نكتفي بهذا الآن، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى: «والفرق بين فرض الصلاة وبين نفلها، مع اشتراكهما في أكثر الأحكام...». مر معنا في هذا الدرس، وفي الدرس الماضي، الكلام على شيء مما ذكر من الفروق الصحيحة، على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، بين فرض الصلاة وبين نفلها. ومن هذه الفروق التي مرت معنا: القيام في فرض الصلاة ركن على القادر، وفي النفل سنة. وهكذا كذلك من الفروق التي ذكرها رحمه الله: أن صلاة النفل تصح على الراحلة في السفر الطويل والقصير، وكذلك للماشي. وليست كذلك بالنسبة للفريضة، فلا تصلى على الراحلة، لكن قلنا أنها تصلى على الراحلة للضرورة. أي الفريضة، كبعض أحوال المسافرين في زمننا المعاصر، برا أو جوا أو بحرا، فإنه ربما لا يستطيع أن يقف، ولا يستطيع أن ينزل. ففي الطائرات كما قلنا: إن استطاع أن يصلي في آخر الطائرة أو في مقدمتها قائما، فيجب عليه ذلك. فإن لم يستطع لسبب أو لآخر، واجتهد فيصلي في مقعده، بطهارة أو بتيمم. وهكذا كذلك في الوسائل الأخرى كالبحر، إن كان في باخرة، فيستطيع أن يصلي قائما، وجب عليه أن يصلي قائما. فإن لم يستطع لسبب أو لآخر، صلى على مقعده. بعض البواخر تأتي لها مقاعد ضيقة، ولا يوجد مكان للقيام مع كثرة الناس وشدة الزحام، ربما لا يسمح له بالقيام، يعني يصلي قائما لعدم وجود مكان للصلاة قائما، وربما لاضطراب البحر وغير ذلك يمنع. وهكذا كذلك في بعض الوسائل البرية كالقطار أو ما كان بمعناه، أو حتى بعض الباصات في الأسفار الطويلة، إذا وافق وقت الصلاة التي وقتها ضيق، كصلاة الفجر مثلا، وافق عدم الوقوف، ولم يستطع الراكب أن ينزل، فإنه عند ذلك يصلي قائما في الباص إن تيسر. إن لم يستطع، فإنه يصلي على مقعده، يصلي على مقعده بوضوء إن تيسر الوضوء، وإن لم يتيسر فبتيمم، وإن لم يتيسر حتى بغير وضوء ولا تيمم. ومر معنا الكلام على صلاة فاقد الطهورين. وهكذا يحتاج لهذا كثيرا في مواسم الحج، فإن بعض الحجاج، خصوصا في الانتقال من عرفة إلى مزدلفة، مع شدة الزحام، لا يستطيعون النزول لصلاة المغرب والعشاء، وآخر وقت صلاة العشاء على القول الراجح الصحيح إلى منتصف الليل، فيكاد يخرج وقت صلاة العشاء وهم لم يصلوا المغرب والعشاء. فهل يؤخروها إلى بعض منتصف الليل، أو يصلوها وهم في تلك الباصات؟ الجواب: إن استطاع الحجاج أن يأمروا السائق بالوقوف، أمروه بالوقوف، وصلوا في أي مكان، بالماء أو بالتيمم. فإن لم يتيسر ذلك، وكان فيه من الشباب من يستطيع النزول، وجب عليه أن ينزل ويصلي على الأرض. وإن كان لا يستطيع لوجود رفقة لا يستطيع مفارقتهم، أو يخاف الضياع مع شدة الزحام وكثرة الناس، فلا بأس. فلا بأس أن يصلي في مقعده، أو قائما إن تيسر، فهو يجب. إن لم يتيسر فقاعدا في مقعده، بوضوء إن تيسر الوضوء، وإن لم يتيسر فبتيمم، وإن لم يتيسر فينتقل إلى الصلاة بغير شيء، لا وضوء ولا تيمم. مع أنه في الغالب يستطيع، إذا لم يستطع الوضوء يستطيع التيمم، ينزل أحد الركاب ويأتي بتراب ويتيمم منه الجميع، أو بالتراب الذي في الممرات وتحت الكراسي ونحوها، فإنه يفعل ذلك. وهكذا أنبه هنا إلى صلاة النساء، فكثيرا ما يتساهل النساء في مسألة الصلاة في الأسفار، ربما نساء طيبات حريصات على الصلاة، لكن في الأسفار تجد الكثير من النساء لا تصلي، بحجة أن الصلاة ربما يكون فيها تكشف أو نحو ذلك. وهذا خطأ، ليس بالصحيح. بل تستطيع أن تصلي ولو على مقعدها، ولو على مقعدها على الكرسي، تصلي. لا تترك الصلاة أبدا، لا يجوز ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها. والإنسان يستطيع أن يصليها، يصليها على أي كيفية. «فاتقوا الله ما استطعتم»، ما أمرتكم به من أمر، فأتوا منه ما استطعتم. وهل النفل خاصة على الراحلة في السفر، أم هو كذلك في الحضر؟ اختلف أهل العلم في الحضر. أما في السفر، فقد ورد فيه الدليل، حديث النبي عليه الصلاة والسلام، حديث ابن عمر وغيره. وأما في الحضر، فلم يرد فيه شيء. وبعض أهل العلم من تكلم، وبعض أهل العلم يرى أنه لا بأس في الحضر، قياسا على السفر إذا احتيج إلى ذلك. إذا احتيج إلى ذلك. والصحيح، وهو الأحوط، الاكتفاء في الصلاة، صلاة النافلة على الراحلة في السفر خاصة، لأنه هو الذي ورد به الدليل. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك في السفر، ولم يثبت أنه فعل ذلك في الحضر. فإن قيل: إذا جازت الصلاة في الحضر قاعدا، فلماذا لا تجوز على الراحلة؟ الجواب: أن الصلاة على الراحلة إن كان قاعدا وفي اتجاه القبلة، فهو لا فرق بين على الأرض وعلى الراحلة. لكن الإشكال: الراحلة التي تمشي فيميل المصلي عن القبلة، هذا لا يجوز إلا في السفر، لأن الرخصة وردت فيه. وكما مر معنا وتكرر في الدروس السابقة: أن الاستثناء معيار ماذا؟ العموم. الاستثناء معيار العموم. فإذا كان الذي استثني هو في السفر على هذا الوصف، علم أن ما سواه باقي على عمومه. ما سواه باقي على عمومه. فإذا لا يجوز ذلك. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.