الصحيح المسند من دلائل النبوة 163

الصحيح المسند من دلائل النبوة 163

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 163، الدرس الثالث والستون بعد المائة:(ومنها ما فضح الله أهل الكتاب على يديه صلى الله عليه وسلم ... قال:فرأيت صاحبها يحنأ عليها يقيها الحجارة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضح الله أهل الكتاب ودلائل النبوة

ذكر المؤلف دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها فضح الله أهل الكتاب على يديه، حيث جاء اليهود بالنبي برجل وامرأة زنيا فأمر برجمهم بعد إثبات وجود آية الرجم في التوراة. هذا الفعل يعد دليلا على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يمكن أن يفضحهم إلا من عنده علم من الله.

تحريف اليهود لشرع الله ومناظرتهم

النبي عليه الصلاة والسلام بين تحريف اليهود لشرع الله في رجم الزاني المحصن، واستدرجهم ليثبت كذبهم، وكان في ذلك دلالة على نبوة النبي وصدق رسالته. كما يدل على جواز مناظرة الكفار إذا كانت فيها مصلحة ولم يكن فيها فتنة.

مسائل فقهية مستنبطة من حديث الرجم ومكانه

المقطع يتناول مسائل فقهية متعددة مستنبطة من حديث الرجم، منها ثبوت أنكحة الكفار وإقامة الحدود عليهم، وشرط الإحصان في الرجم، وجواز الرجم من غير حفر، وشهود الحدود حتى لو كانت للكفار، وكان رجم الزاني المحصن بجانب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة من هذه الوادع، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة». قال: ومنها ما فضح الله أهل الكتاب على يديه صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله: حدثني إبراهيم بن المنذر، وهو أبو إسحاق المدني القرشي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن. أخرج له البخاري. قال: حدثنا أبو ضمرة، وهو ابن عياض، أنس بن عياض بن ضمرة، المشهور بأبي ضمرة المدني، أحد الثقات المشهورين، أخرجا له بالصحيحين. قال: حدثنا موسى بن عقبة، هو ابن أبي عياش، كذلك مدني، مولى من موالي آل الزبير، فهو قرشي بالولاء. وهذا إسناد مدني. قال: عن نافع، وهو أبو عبد الله مولى عبد الله بن عمر، أحد الأئمة المعروفين. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. عبد الله بن عمر، فضائله مشهورة، أحد خيار الصحابة، فقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «نعم العبد، الرجل». وأثنى عليه مشايخ المهاجرين والأنصار، فضلا عن صغارهم. فقد ذكر بترجمته أنهم عرفوا أناسا أخذوا من الدنيا، وأخذت منهم، إلا عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، أرضاه. قال: أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنا منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن السلام: كذبتم. فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم -يعني المعلم- قال: فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم. فنزع يده عن آية الرجم -يعني ابن سلام- فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم. فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد -يعني جهة البقيع- قال: فرأيت صاحبهما يحني عليها يقيها الحجارة. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. فقال شيخنا رحمه الله: ومنها ما فضح الله أهل الكتاب على يديه، فهي آية من آيات نبوة وصدق رسالته، أنه رسول الله حقا وصدقا. فإن فضحهم لا يكون إلا ممن عنده علم من الله سبحانه وتعالى. فالنبي عليه الصلاة والسلام علم أن مما شرع لهم رجم الزاني المحصن، وكانوا قد غيروا هذا الحكم، وزعموا أن الزاني يحمم -يعني يسود وجهه بالحميم، أي الفحم- وجعلوا هذا هو عقاب الزاني. غيروا شرع الله وبدلوه. وقد ذكر العلماء أنهم تدرجوا في هذا التغيير، كانوا يقيمونه على الضعيف ويتركونه عن الشريف، يرجمون الضعيف ويتركون الشريف، فكانوا يحممون الشريف ويرجمون الضعيف. فلما ثار عليهم الناس صاروا يحممون الجميع. فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة أنهم غيروا ما عندهم من الدين. وهذا يدل أن بعض التوراة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بقي فيها ولم يغير كل ما فيه -يعني لم يحصل فيه تمام التبديل- وهذا دليل عليه. ولا يزال إلى يومنا هذا بعض ما في أيدي اليهود والنصارى من مما يسمونه بالكتب المقدسة، فيها ما هو حجة عليهم. وفي هذا الحديث مسائل أخرى غير هذه المسألة، وهي كونها من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. فمن أهم هذه المسائل: فيه موضع من مواضع المناظرة بالعلم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدرج اليهود لأجل أن يتبين للجميع أنهم غيروا وبدلوا دين الله، وهم يزعمون أنهم متمسكون بدين الله. لأنه لو قال لهم: عندكم كذبوا ولم يأتوا بشيء. لكن سألهم كالمستفهم. وكما قال العلماء: وقد علم بما أعلمه الله أنهم غيروا وبدلوا. فقال: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ مستفهم، وهو يعلم عليه الصلاة والسلام أن في التوراة الرجم. فقالوا: لا نجد شيئا. فقال لهم عبد الله بن السلام: كذبتم. فلما أتوا بالتوراة كانت فضيحتهم. وفيه كذلك جواز مجادلة ومناظرة الكفار مع أمن الفتنة وحصول المصلحة. وهذا يختلف من زمان إلى زمان، ومن شخص إلى آخر. فهذا الباب ليس على إطلاقه، بل الصحيح أن فيه تفصيلا. وعلى هذا يحمل حال ما نقل عن السلف والعلماء والأئمة من الرضا وكذلك القيام ببعض المناظرات مع أهل الباطل من كافرين ومبتدعين. ومن إغلاق هذا الباب في مواضع؛ لأن الأمر على حسب ما تقتضيه المصلحة. فقد يكون -مثلا- في مقام أهل الباطل أقوياء، فمناظرتهم ويفحامهم فيه مصلحة في إظهار الحق. وقد يكون العكس: هم ضعفاء وليس لهم صوت يذكر، فمناظرتهم إشهار وكالدعاية لهم. فما كان كذلك ليس من المصلحة أن يناظر أمثال هؤلاء. فامتناع بعض أهل العلم من مناظرة أهل الباطل يحمل على هذا، أنهم رأوا أن في مناظرتهم مفسدة أعظم من مصلحة خصمهم في هذه المناظرة. والمسلم أمر في هذا الدين أن يتتبع أعلى المصلحتين ويدرأ أشد المفسدتين. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث: فيه ثبوت أنكحة الكفار. وهذا له أدلة كثيرة. فإن أنكحة الكفار جاء إقرارها بالكتاب والسنة على ما فيها من نقص. ولو لم تكن مثبتة لما ثبت بها حكم الإحصان، فكان الرجم. وفيه من المسائل كذلك ثبوت الحد. أن الكفار يقام عليهم الحد، ولكن اختلف أهل العلم: هل هذا الحد أقيم على هؤلاء لأنه حكم الإسلام، أو لأنه حكمهم في دينهم؟ وفي هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه أقيم لهما جميعا. ويبقى ها هنا الإشكال فيما إذا لم يكن في دينهم هذا الحد الذي في الإسلام، فماذا يكون؟ هل يقام عليهم الحد أم لا؟ نص العلماء: وفي المسألة خلاف. وهذا هو الراجح: أنهم ما داموا في عقد الذمة، فإنه يلزمهم ما يلزم المسلمين، ويلزمون بذلك -يعني إن جاهروا بشيء مما يوجب الحد- مما يوجب الحد. وهذا الحديث ظاهره أن ثبوت الحكم -أي حكم الزنا- كان بالإقرار؛ لأنه لم يذكر فيه طلب الشهداء. وعلى هذا ترتب حكم ذكره العلماء، وهو ثبوت الإقرار على الكافر في حكم الإسلام. وذلك لأن الشهادة من الكفار غير مقبولة. إذا كان الفاسق المسلم الفاسق لا تقبل شهادته، فكيف الكافر؟ واضح: إذا كان المسلم الفاسق لا تقبل شهادته، فكيف الكافر؟ الكافر لا تقبل شهادته. لكن الظاهر أن ثبوت هذا كان بالإقرار. أقرا بالزنا، فأقيم عليهما الحد. وفيه دليل كذلك على شرط الإحصان في الرجم، حتى ولو كان لكافر. وهذا الحديث دليل عليه. وكما تقدم: الصحيح أن الحد أقيم على هذين اليهوديين للأمرين جميعا: لكونه حكمهم في دينهم، ولأنه حكم الإسلام. وفيه من المسائل كذلك: جواز الرجم من غير الحفر للمرجوم. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة. والصحيح أنه بحسب المصلحة. فقد يحتاج الأمر أحيانا إلى الحفر، وقد لا يحتاج أحيانا إلى الحفر، فيرجم من دون أن يحفر له. وهناك تفاصيل ذكرت ويذكرها العلماء في كتب الفقه وشروح الحديث، تتعلق بمسائل الرجم. وفيه من المسائل كذلك: شهود الحدود، ولو كانت حدود الكفار -أي أن يحضرها طائفة من المسلمين-. فظاهره أنهم رجميا بجانب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، في موضع الجنائز، وهو قرب البقيع، قرب البقيع على يسار قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على ما سبق. فهذا خلاصة ما يذكر من مسائل في هذا الحديث. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم.