كتاب النكاح 17

كتاب النكاح 17

الدرس في كتاب النكاح 17، فصل أحكام المهر والعشرة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام حسن العشرة بين الزوجين والصبر على نقص المرأة

يتناول الشيخ مسألة إحسان العشرة بين الزوجين والصبر على نقص المرأة مستندا إلى قول الشوكاني والحديث النبوي حول خلق المرأة من ضلع أعوج. يبين أن نقص المرأة لحكمة إلهية لكونها أماً ومربية.

تحمل عيوب الشريك والتعاون على الخير

ينبغي على الزوجين السعي لإيجاد الصفات الحسنة في بعضهما والحرص على إصلاح بعضهما مع تحمل بعض العيوب والتعاون على الخير. كما أن الناس يختلفون في صفاتهم ومواهبهم ولا يوجد أحد كامل.

الاستيصاء بالنساء خيرا وآثاره على العشرة الزوجية ومقارنة بأهل الكتاب

يؤكد المقطع على أهمية استيصاء الرجل بالمرأة خيرا ويبين أن هذا يتطلب استجلاب الصفات الحسنة. كما يشير إلى أن المرأة مطالبة بالمثل في معاملة زوجها ويستشهد بحديث نبوي يوصي بالنساء خيرا.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله الشوكاني رحمه الله تعالى: «وعليه إحسان العشرة، وعليها الطاعة». وهاتان مسألتان من مسائل هذا الفصل، وهما تتعلقان بحسن العشرة وأحكامها، أو شيء من أحكامها. ذكر رحمه الله بعض الأدلة في أمر الزوج بإحسان العشرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «إن المرأة كالضلع، إذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج». وفي رواية: «إنها خلقت من ضلع أعوج». وهذا يعني أن الرجل ينبغي عليه أن يصبر على ما قد يجد من نقص في المرأة. وقوله: «فاستوصوا بالنساء خيرا» يعني في حسن العشرة فيما بين الرجل وبين امرأته. وفي هذا أربعة مسائل. أولها: تنبيه الرجال أن المرأة خلقت وفيها شيء من النقص، وهذا النقص ليس انتقاصا في حقها، ولا إنزالا من قدرها، ولكن لحكمة من الله سبحانه وتعالى خلقها كذلك؛ لأنها تكون أما ومربية. فاستلزم ذلك أن يكون عندها ما لا يكون عند الرجال، من الرفق والعاطفة، وهكذا، وكذلك زيادة التحسس ونحو ذلك، وهي من الصفات الحسنة التي يكون معها تربية الأبناء. ولهذا بين ربنا جل وعلا هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. فهذا لأن المرأة لا تحتاج إلى خصومات، والمرأة كذلك لا تحتاج إلى قتال ولا إلى شدة، ولكنها تحتاج إلى صفات تعينها على هذه المنزلة التي هي عليها، منزلة الأمومة ومنزلة التربية. فنقصها كمال لها، نقصها بالنسبة للرجل هو كمال لها، وهو من رحمة الله عز وجل وفضله عليها. ولهذا تجد النساء القويات التي يكون عندهن شيء من الحزم، وكذلك النفوذ، يكون في مقابل ذلك تقصير في حق الأمومة والتربية. وهذا أمر لا بد وملازم لهؤلاء النساء، فكمال المرأة في كمال صفاتها المناسبة لكونها امرأة، وهذا يستلزم نقصا. وهذا هو التنبيه الأول. والتنبيه الثاني: فيه كذلك، أي هذا الحديث، أن الرجل لا يمكن أن يستمتع بالمرأة إلا بذات النقص، يعني أن النقص لا يمكن أن يكمل بالمعنى الذي يريد، لكن ينبغي أن يستحضر المعاني الحسنة التي عند هذه المرأة، ويعوض بها ما قد يقع من نقص. والنقص ينقسم إلى قسمين: قسم فطري جبل الله عز وجل عليه النساء، وهذا الذي أمر الرجل بالصبر عليه، وأمر كذلك بالرفق به، وأمر كذلك بالقناعة بما أعطاه الله عز وجل في هذا الذي معه من الزوجات. وهذا الفطري الجبلي هو الذي يدل عليه هذا الحديث، وهذا كذلك الذي تدل عليه الآيات الكثيرة، وهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا ذهبت تقيمه كسرته» يعني لا يمكن أن تقيمه، كالضلع خلق أعوج، ضلع الإنسان خلق أعوج، هل تستطيع أن تجعله كعظم اليد؟ ما تستطيع. إذا ذهب تريد تجعل عظم الضلع كعظم اليد مستقيما كسرته، إذا أردت أن تقيمه كسرته. وهكذا المرأة لا يمكن أن تقوم لك على ما تريد من صفات الرجال؛ لأنها ليست برجل، هي امرأة. وهذا الشيء الذي أمر الرجل بالصبر عليه، وأمر كذلك بالرضا به. وأما ما كان من كسب المرأة، فينبغي عليه أن يكملها، وأن يدعوها إلى الكمال من الأخلاق الحسنة، وتحصيل العلم النافع، والعمل الصالح، والاجتهاد في الخير، والمثابرة في أبواب الفضل والبر. كل هذا مما لا ينبغي أن يرضى الرجل بالنقص، بل ينبغي أن يسعى ويدفع بامرأته إلى الكمال في ذلك، ويصبر كما أمر الله عز وجل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بالصلاة، وأمر أهله بالصلاة، «واصطبر عليها». ليس فقط تأمر، تأمر وتصبر، فهذه الصفات لا بد أن يسعى الرجل في إيجادها في أهله، ويحرص على ذلك. وهذا من البر، ومن الإحسان، إحسان العشرة فيما بين الزوجين. ومقابل ذلك، لا ينبغي له أن يرضى بنقص في هذا المقام، لا فيما هو دون الأفضل، فضلا عما هو فيه منافاة للواجب، من ترك واجب أو فعل محرم. هذا النوع من النقص لا يجوز الرضا به، ولا يجوز السكوت عنه، بل ينبغي عليه أن يطلب الكمال في ذلك. وما أثر الأحاديث الواردة في حسن العشرة بين الزوجين، والحث عليها. ومن ذلك التعاون على الخير، والاجتهاد في إصلاح بعضهما بعضا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث العظيم: «ما من رجل يقوم من الليل فيصلي ركعتين، ثم يوقظ أهله، فإن أبت، وإلا نضح في وجهها الماء، أو امرأة كذلك -يعني بالمقابل- إلا وكان لهم من الفضل كذا وكذا». وهذا الفضل، وهذا السبق لهذا الخير يكون بالمسابقة والحرص على هذا البر. وهذا معناه أن الرجل يحرص على إصلاح زوجته، والمرأة تحرص على إصلاح زوجها. وإذا كان هذا في قيام الليل، فما هو أولى منه من الواجبات، والحرص عليها، والمحرمات، والحذر من تركها؟ فهو من باب أولى. وليس هو من النقص الذي يرضى به؛ لأجل أن نفرق ما هو النقص الذي أمرنا بالرضا به والصبر عليه، وما هو النقص الذي لا ينبغي الرضا به ولا السكوت عنه، فمنه ما يجب دفعه، ومنه ما يستحب الحرص عليه والوصول إليه كما سمعنا. وهكذا التنبيه الثالث في هذا الحديث كذلك: بيان إلى ما ينبغي أن يحرص عليه الرجل من استمرار العشرة بما يوافق فطرة المرأة، كما قال: «وإن تركتها استمتعت بها على عوج». وعلمنا ما معنى العوج في هذا الموضع، معنى العوج في هذا الموضع ليس هو النقص في الدين، ولكن المعنى هو ذات الخلل الذي ربما يخطئ بعض الرجال فيطلبون فيه الكمال، ولا يمكن الكمال للمرأة فيه. مثل الغيرة، ومثل كذلك النظر العاطفي، ومثل كذلك قلة الفهم في أمور الدنيا، أو بعد النظر في الأمور الأسرية، ونحوها، أو كذلك ربما سرعة الغضب فيما يتعلق بالنساء، أو غير ذلك مما قد يقتل به الأزواج. والنساء يختلفن، والنساء يختلفن، فينبغي عليه أن يكون عنده سعة صدر، يصبر على مثل هذا، ويسايره ذلك. كما قال عليه الصلاة والسلام: «تستمتع بها على عوج»، تستمتع بها على عوج. وفي المقابل كذلك قد يكون هناك خلل من الكمال الذي أمرت بتحصيله، فهنا تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «لا يفرك مؤمن مؤمنة -يعني لا يكره ولا يستصغر- إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر». أنت قد تكره في امرأة خلقا، لكن انظر إلى أخلاق أخرى كثيرة هي حسنة. فلا يفرك مؤمن مؤمنة. وهكذا كذلك اعلم أن فضل الله عز وجل على عباده متنوع، فهذا يرزقه الله عز وجل مالا، وذاك يرزقه الله عز وجل ذكاء، وذاك يرزقه الله عز وجل قوة وصحة، وذاك يرزقه الله عز وجل جمالا، وذاك يرزقه الله عز وجل كمالا في الأخلاق، وذاك يرزقه الله عز وجل فصاحة وبيانا. وكما أن هذا في الرجال، فكذلك هو في النساء. وكما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الناس كإبل مئة، لا تكاد تجد عليها راحلة». الناس كإبل مئة، يعني مثل يضرب عند العرب أن الرجل إذا أراد أن يسافر وعنده إبل كثير، ربما ينظر في مئة ويتحير ماذا يأخذ من هذه الإبل التي تناسب لهذا السفر الطويل. الشارع ربما ينظر إلى الأولى فيصرف نظره، والثانية فيصرف نظره، والثالثة وهكذا في مئة من الإبل، فمئة من الإبل ما وجد فيها صفات كاملات في واحد منها، يجد في كل واحد نقص. فإذا كان هذا في الحيوان، فكيف في الإنسان؟ فإنه من باب أولى. والمعنى أن الإنسان ينبغي أن يراعي مثل هذه المعاني. وأخيرا ما في هذا الحديث من الاستيصاء بالنساء خيرا، وكما مر معنا وتكرر أن الألف والسين والتاء يدل على الطلب. ومعناه أنه ليس فقط أن الرجل أمر بأن يستوصي بالنساء خيرا فحسب، بل أمر أن يطلب هذا الاستيصاء، يعني إن لم تكن عندك الأخلاق الحسنة فاستجلبها وتكلفها، إن لم يكن عندك فاستجلبها وتكلفها، احرص على ذلك؛ لأن هذا به تكون دوام العشرة. أنت ربما من طبعك الغضب، وكذلك من طبعك عدم الصبر، ومن طبعك كذلك ربما كذلك ضيق الصدر، ونحو ذلك، فينبغي أن تعلم أن هذا ليس مما تدوم به العشرة. إذا كنت تريد ما تدوم به العشرة، فاحرص على أن تستجلب الصفات الحسنة التي يكون فيها الاستيصاء بالنساء خيرا، استجلب ذلك. لا تقل: أنا هذا طبعي، وأنا هذا وصفي، من أرادني رضي بي بهذا، وإلا لا. تقول هذا. اعلم أن نبيك عليه الصلاة والسلام قد أمرك بأن تستوصي يعني تطلب ما يعينك على أن يكون بينك وبين النساء الخير. فإن كان الخير في جلب صفات اللين استجلب صفات اللين، ولو لم يكن من طبعك. إن كان الخير في استجلب صفات الكرم استجلب صفات الكرم، ولو كان ليس من طبعك، حتى ولو كان هذا ليس على قدر حالك، حاول، حاول أن تجد ما يكون فيه الإحسان إلى المرأة. وفي المقابل المرأة مطالبة بذلك، حتى لا يقول الرجل هذا فيه رفعة للنساء، وبخس للرجال، لا، الرجل مطالب بهذا، والمرأة كذلك مطالبة بالمثل، كما سيأتي إن شاء الله في المبحث الذي بعده. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء من حديث المقدام بن معد يكرب، ورواه الطبراني وغيره، وصححه العلامة الألباني في الصحيحة في المجلد السادس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرا؛ فإنهن أمهاتكم، وبناتكم، وخالاتكم. وإن الرجل من أهل الكتاب ليتزوج المرأة، ثم يعلق يدها -الخير فيما يرغب واحد منهما عن صاحبه- حتى يموتا». ومعنى هذا الحديث: يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه وأمته بأن يستوصوا بالنساء خيرا، وليتذكر كل رجل في امرأة عنده أنها أم، كما أن له أم، وأنها أخت، كما أن له أخت، وأنها خالة، كما أن له خالة، وأنها بنت، كما أن له بنت. يعني كما يحب أن تكرم أمه، فليكرم هذه المرأة التي هي زوجة، كما أنه يحب أن تكرم بنته، فليكرم هذه المرأة التي هي زوجة، كما يحب أن تكرم سائر أقرباء قرابته من النساء، من خالات وعمات وأخوات، وغير ذلك، فليكرم هذه المرأة؛ فإنها بمنزلة أولئك. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام مثلا بأن أهل الكتاب -ويريد من سبق ممن كانوا على دين وكانوا على صدق قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام- كان الرجل يصبر على امرأته، وربما ما يكون بينهما مما يبقي العشرة إلا مثل الخيط، ومع ذلك يصبر ويصبر، ولا يتفرقان، حتى لا يفرق بينهما إلا الهرم -يعني الشيخوخة والموت- الشيخوخة والموت. ومعنى ذلك: إذا كان بعض أهل الكتاب ممن سبقكم كان عندهم من الصبر والحلم وحسن الخلق والعشرة والإحسان بين الزوجين ما جعلهما يحافظان على العشرة بينهما، ولو على هذا الحد، وإلى هذا المستوى، فأهل الإسلام من باب أولى، مع ما أنزل الله عز وجل عليهم من شريعة ودين، وما علموا من أخلاق حسنة تدعوهم إلى هذه الأبواب الخيرة. وعلق الشيخ الألباني رحمه الله، وإتماما للفائدة نذكر ما ذكره رحمه الله، علق تعليقا على هذا الحديث الصحيح، قال: «هذا حين كان أهل الكتاب يتمسكون بدينهم، أما اليوم فهم حرموا الطلاق، وأحلوا الزنا واللواط، فضلا عن سوء العشرة بين الزوجين». وصدق رحمه الله تعالى، صدق رحمه الله تعالى. فإن حال الكافرين ممن كانوا من أهل الكتاب اليوم هي أسوأ الحال، فالحالة الأسرية وعشرة الأزواج من أسوأ الأحوال تكون عند هؤلاء الكفار.