كتاب النكاح 16

كتاب النكاح 16

الدرس في كتاب النكاح 16، فصل أحكام المهر والعشرة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

جواز المهر القليل والمعنوي

يشرح جواز أن يكون المهر قليلا أو معنويا في الزواج مستدلا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. المهر يمكن أن يكون تعليم القرآن أو الخدمة.

أحكام المهر وتقديره

يتناول أحكام المهر في الزواج، حيث يشرح أن للمرأة مهر المثل إذا لم يسم لها مهر، ويستدل بقصة عبد الله بن مسعود. تقديم شيء من المهر قبل الدخول مستحب.

استحباب تقديم المهر ومخاطر التأخر

يستحب تقديم شيء من المهر عند الزواج كما دل عليه حديث سهل بن سعد وحديث علي. التأخر في دفع المهر قد يؤدي إلى مشاكل مثل كثرة الطلاق والتساهل في النكاح.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويصح ولو قاتما من حديث أو تعليم قرآن»، وهو يشير رحمه الله تعالى إلى أنه يصح المهر ولو بشيء يسير جدا، ودليله ما جاء في قصة الواهبة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «التمس ولو خاتما من حديد»، كما في حديث سهل بن سعد في الصحيحين. وهذا يدل على أن الخاتم من حديد يصلح أن يكون مهرا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «التمس ولو خاتما من حديد»، أنكر بعضهم كيف يكون ذلك، وقد ورد أنه عن خاتم الحديد وأنه حلية أهل النار. وأجيب عليه بجوابين: الجواب الأول أن الأحاديث الواردة في ذلك فيها ضعف عند أكثر أهل العلم، والجواب الثاني أنه لا يلزم من التماسه وإعطائه كمهر أن يلبس؛ لأن الخاتم قد يستفاد منه بغير اللبس. وهذان الجوابان أحسن. يعني أن الأحاديث الواردة في النهي ليست صريحة لعدم صحتها أولا، ولا يوجد شيء صحيح صريح ينهى، ولو قدر أنه صح فإنه يحمل على أنه لا يلزم منه اللبس. وقوله رحمه الله: «أو تعليم قرآن»، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لما التمس فلم يجد شيئا، قال له: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وكذا، فسمى سورا من القرآن، وقال: «زوجتكها بما معك من القرآن». وهذا يدل على جواز التزويج بالقرآن خاصة، وهكذا كذلك جواز التزويج بالشيء المعنوي من العلم. وكذلك على القول الصحيح كل الأشياء المعنوية، ومن هذه الأشياء المعنوية الخدمة وتعليم المهنة وغير ذلك، خلافا لمن أنكر ذلك وأبطله. فالأدلة ترد؛ أما دليل العلم وما كان بمعناه فهذا الحديث، وأما دليل الأشياء المعنوية الأخرى من مهن ونحوها فما جاء في مهر موسى عليه الصلاة والسلام أن يخدم عشر حجج، فهذا يدل على أنه يجوز أن يكون شيئا معنويا. وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يخالف شرعنا وأقر في شرعنا. وهذا يدل على جوازه ومشروعيته، خلافا لمن أنكر ذلك وحصر المهر بالمحسوس. والصحيح أنه يجوز بالحسي وبالمعنوي، بالحسي القليل والكثير، والأفضل أن يكون القليل المعقول الذي يكون مهرا للمثل. والمعنوي كذلك بحسب الأصلح والحاجة؛ فإنه قد تكون الحاجة مثلا للخدمة كما في قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وقد تكون الحاجة كذلك تعليم العلم، فيكون كذلك تعليم العلم، أو تكون الحاجة شيء آخر، فإنه يكون كذلك. وأشار رحمه الله تعالى إلى حديث ضعيف يستدل به بعض أهل العلم، وهو: «لا مهر أقل من عشرة دراهم»، وهو حديث ضعيف، أشار إلى ضعفه، رواه الدارقطني من حديث جابر، فيه من أشار إليه من الضعفاء. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها إذا دخل بها، ويستحب تقديم شيء من المهر». طيب قوله: «من تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا» يعني لم يسم لها مهرا، فلها مهر المثل من نسائها. ومهر المثل يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. واستدل رحمه الله على ذلك بقصة عبد الله بن مسعود في امرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا ولم يكن دخل بها، فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة. فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضى -يعني عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أرضاه-. وفي هذا دليل لما ذكر رحمه الله تعالى أن من تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا فلها مهر المثل. والحديث يصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كما أشار المعلق إلى ذلك. فإن كان دخل بها فكما ذكر في فتوى بن مسعود، فإنه يلزمه المهر كاملا. وهكذا كذلك عليها العدة للدخول، وهكذا كذلك لها الميراث لوجود عقد النكاح بينهما، فهي زوجة ولها مالي الزوجات. وأما إن لم يكن دخل بها فيختلف الحكم؛ إن لم يكن دخل بها فيختلف الحكم، فليس عليها عدة إذا لم يكن قد دخل ولم يرخ سترا ولم يخل بها، ولها نصف المهر، ولها نصف المهر. والميراث يثبت هذا إذا طلق، والميراث يثبت، لكن القصة هنا في الوفاة. وقوله رحمه الله: «ويستحب تقديم شيء من المهر» يعني فيما ذكر رحمه الله، قال: «ويستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول». وهذا الاستحباب أخذ من أحاديث كثيرة، منها ما مر معنا قريبا حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه خطب فاطمة رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هل معك شيء تعطيه إياها؟ ثم قال: إنه لم يجد، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن درعه الحطمية -يعني أن يعطيها إياه-. وجاء في بعض ألفاظ هذا الحديث أنه خطبها فدل ذلك أنه يستحب تقديم شيء من المهر لمن تزوج امرأة. وهذه السنة ويدل عليه ما سبق في حديث سهل بن سعد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل للرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة الواهبة حين لم يجد خاتما من حديد، لم يقل له: إذن يبقى في ذمتك المهر كما يفعل الكثير من الناس في هذا الزمن، فإنهم يجعلون المهر مؤخرا ويتزوج. وكذلك ربما يطلق ويبقى المهر عليه، ويتزوج الثانية ويطلق ويبقى مهر الأولى والثانية عليه. وهذا مع ما فيه من مخالفة السنة هو ذريعة للعبث بالنساء، وذريعة كذلك للتساهل بعقد النكاح. وهذا ما يقع في بعض البلاد القريبة من بلادنا، فقد أخبرت عن قضايا كثيرة تقع في تلك البلاد بسبب التساهل في قضية المهر، فربما تتزوج المرأة عشرات الرجال، ويتزوج الرجل عشرات النساء؛ بسبب أنه ليس هناك شيء اسمه مهر مدفوع، كله مهر في الذمة، يتزوج الرجل بمهر في ذمته، وترضى المرأة ويرضى الولي، هذا إن وجد الولي، وإلا ربما بعض محتال وذهب ببعض المذاهب الشاذة على مذهب الحنفية ونحوهم، فيتزوجون المرأة بغير ولي أو بحيلة على الولي، وهذا باطل مخالف للشرع، مفض إلى تشبيه النكاح بالصفاح. أما إذا كان من غير ولي فهو صفاح لا نكاح، إلا بولي هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما إذا وجد الولي ولكن لم يكن مهر مدفوع، وإن كان هناك مهر مسمى، فهو خلاف السنة، وهو ذريعة مفضية لوقوع الشر. وهذا الشر وهو التساهل في هذا النكاح وكثرة الطلاق، وهكذا كذلك ربما يفضي إلى السفاح، فيصير الرجل يتزوج ويطلق، يتزوج ويطلق، والمرأة بالمثل. إذا رأت الرجال يفعلون هذا فهي تريد كذلك أن تتزوج، وربما تكذب وتقول: قد انتهت عدتي، وهي لم تنته عدتها، وتدخل مع الزوج الثاني وهي لم تنته من عدة الزوج الأول. وهكذا مصائب وأمور تقع بسبب مخالفة السنة والخروج عن طريقة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه في هذا الباب. وذكر رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو حديث ضعيف، لكن يغني عنه ما سمعنا من حديث علي رضي الله تعالى عنه في طلب النبي عليه الصلاة والسلام من علي درعه الحطمية أن يعطيه لفاطمة رضي الله تعالى عنه قبل النكاح، فهو يدل على استحباب تقديم شيء. وهكذا يغني عنه حديث سهل بن سعد المتقدم في أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل أن يعطي المرأة شيئا ولو خاتما من حديد، فهو يدل على هذا الأصل وهذا المعنى، وهو مهم كما سمعنا في هذا الباب؛ حتى لا يتساهل الناس في النكاح، ولا كذلك يكون ذريعة لكثرة الطلاق وتشبيهه بالسفاح.