الدرس في كتاب النكاح 5، كتاب النكاح المقدمة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يشرح جواز التوكيل في عقد النكاح واستدلاله من القرآن والأحاديث، مثل قصة الرجل الذي زوج النبي امرأة له. كما يشير إلى جواز التوكيل من جهة الرجل والمرأة.
يشرح المقطع شروط صحة النكاح بالتوكيل وأهمية الرضا، ويبين أركان النكاح الأربعة: الزوجان الخاليان من الموانع، الإيجاب، القبول. كما يشدد على تعيين الزوجين ورضاهما.
يشترط في النكاح تعيين الزوجين، الرضا، وجود الولي، والإعلان. يوضح أن رضا الطرفين أساسي مع استثناء الصغيرة، والشهادة تعد إعلاناً شرعاً.
ينتهي الفصل بالإشارة إلى أن الشهادة تعد إعلاناً، ثم يعلن عن الدرس الآخر مع التشجيع على الاشتراك في القناة، ويختم بالتوكل على الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على مجموعة من المسائل التي ذكرت في أوائل كتاب النكاح، وكان آخر ما وقفنا عليه الكلام على جواز التوكيل في النكاح. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحداً». قوله: «ويجوز لكل من الزوجين أن يوكل إلى آخره»، يريد رحمه الله تعالى أنه يجوز أن يتم النكاح بالوكالة، سواء من قبل الزوج أو من قبل الزوجة، ويدل على ذلك عموم الأدلة الدالة على مشروعية الوكالة من الكتاب ومن السنة. وهكذا كذلك على وجه الخصوص ما ورد من الأدلة في جواز التوكيل في النكاح. ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى فيما رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، في قصة الرجل الذي جاءت إليه امرأة، فزوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل من المرأة والمرأة من الرجل، زوج أحدهما بالآخر. وفيه قصة، وهو أنه لم يمهرها شيئاً، ثم بعد ذلك جعل سهمه في غزوة مهراً لها. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «ترضى أن أزوجك فلانة؟» قال: نعم. وقال للمرأة: «أرضينا أن نزوجك فلاناً؟» قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه. وهكذا يدل عليه ما جاء في قصة الواهبة، كما جاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد، أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «إني وهبت نفسي لله ورسوله». وفيه ألفاظ كثيرة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما لي في النساء من حاجة». فقال رجل: «زوجنيها». وفي رواية: «يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها»، وهي قد وهبت نفسها لله ولرسوله، كما جاء في أحد الألفاظ. فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل، وسأله: «هل عندك ثوب؟» قال: لا أجد. قال: «اعطها ثوباً». قال: لا أجد. قال: «خاتماً، التمس ولو خاتماً من حديد». قال: لا أجد. فرجع، فقال: لم أجد. إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: «ما معك من القرآن؟» قال: سورة كذا وكذا. قال: «زوجتكها بما معك من القرآن». فهو يدل على جواز التوكيل في النكاح، والحديث وإن ورد في قصة توكيل المرأة، لكن في حديث أبي داود يدل على التوكيل من الجهتين، من جهة المرأة ومن جهة الرجل. ولأن الغالب أن التوكيل يكون من جهة النساء، لحاجتهن إلى الولي، وهكذا كذلك يقال: إذا لم يكن للمرأة ولي، فإنها تجعل السلطان ولي من لا ولي له، فإن كان السلطان لا يقوم بذلك، فمن تأمنه على دينها ونفسها يكون ولياً لها، ويجوز لهذا الولي أن يوكل إنساناً آخر، ولو في بلدة أخرى. على أنه ينبغي أن يحتاط في هذا الباب، وأن يجتنب كل ما فيه مضرة دينية أو دنيوية على المرأة أو على من يكون ولياً لها. والشرع كما تعرفون من أصوله وقواعده الصحيحة التي دلت عليه عمومات النصوص الشرعية: «لا ضرر ولا ضرار»، والضرر على الدين أعظم من الضرر على الدنيا. فينبغي أن يحذر ويجتنب، وأن لا يتساهل في هذا الباب. وأشار رحمه الله في الشرح إلى قول الإمام مالك رحمه الله، فيما نقله الفتح عن الحاطب، قال في الفتح عن مالك: «لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها نفسه أو بمن اختار، لزمها ذلك». يعني لو أن المرأة وكلت رجلاً أن يزوجها بمن رأى، ثم اختار لها رجلاً فزوجها وهي لم تعلم به، أنه يصح وأنه يلزمها. والصحيح في ذلك بالتفصيل: يصح ويلزمها بعد ماذا؟ بعد رضاها، لأن الرضا من شروط النكاح كما مر معنا. وإذا لم ترضَ، فإن النكاح لا يمضي، لأنه لا يصلح الاستدلال بالعموم ملزماً للمرأة في النكاح. وهذا هو الصحيح الذي تقتضيه القواعد الشرعية بعموماتها وخصوصاتها، مما ورد وما مر معنا في مسألة الرضا يدل على ذلك. وقوله رحمه الله تعالى فيما ذكره: «ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح ولو واحداً»، يريد بقوله: «ولو واحداً»، أي ولو رجل واحد هو نفسه وكيل للمرأة ووكيل للرجل. ويدل على ذلك ما أورده في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه. والمسألة عمومات الأدلة تدل على مشروعيتها، فضلاً عما ورد من خصوص الدليل في ذلك. فخلصنا من ذلك أي من هذا الفصل وهذه المسائل أمور، من أهمها أن للنكاح أركاناً، وأركانه: الزوج والزوجة الخاليان من الموانع، وثالثاً الإيجاب، ورابعاً القبول. وإن أردنا أن نختصر، فنقول: زوجان خاليان من الموانع، وإيجاب وقبول. فأما الزوجان الخاليان من الموانع، فما تقدم. ولأن النكاح لا يتم إلا بهما، فعدمهما عدم للنكاح، والخلو من الموانع لأن وجود المانع سبب للفسخ ولعدم حصوله. وهكذا كذلك الإيجاب والقبول، لأمر الرب جل وعلا به فيما جاء في الآيات التي سبقت، وهكذا كذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكما مر معنا كذلك على القول الصحيح من أقوال المحققين من أهل العلم، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدد من كتبه: أنه لا يشترط له لفظ معين، بل لا يشترط أن يكون باللغة العربية. بل إنه رحمه الله تعالى أشار في بعض كتبه أنه حتى لا يشترط له اللفظ، فيصح بأي لفظ وبأي لغة، بل ولو بالإشارة أو نحوها، يعني من كانبه ونحوه، فكل ما صار في عرف الناس مما يتم به معنى الإيجاب والقبول وعلم كذلك، فإنه يصح به. وهكذا كذلك مما نخلص به أن للنكاح شروطاً، ومن شروطه تعيين الزوجين، لابد من تعيين الزوجين، فإن عمومات الأدلة تدل على شرطية التعيين، فبغير التعيين لا يتم النكاح. مثلاً لو قال: «زوجتك ابنتي الصغرى»، وكانت له بنتان في سن واحدة، كأن تكون هذه من زوجة وهذه من زوجة أخرى، فلا يصلح إلا أن يعين. لا يصلح أن يعين إذا لم يكن في هذا الوصف كفاية في التعيين، فلابد أن يعين، كان يقول: الصغرى فلانة، أو كذلك ابنة فلانة، أو نحو ذلك. وهكذا كذلك من هذه الشروط الرضا، كما مر معنا: رضا الزوج ورضا الزوجة، فلا يتم النكاح إلا بشروطه. ومن شروطه الرضا، إلا الصغيرة التي لا تحسن الرضا، فإنه يستثنى كما سبق الكلام عليه. على أنه ليس كل صغيرة ليس لها رضا، فإن كانت الصغيرة لها رأي ولرأيها محل وهو ليس مما ينافي الصواب في ذلك، فإنه ينبغي أن يعتبر رضاها، كأن مثلاً تطلب التأجيل حتى تحفظ القرآن، فلا بأس أن تعطى ذلك، أو تطلب التأجيل حتى تقرأ أو تتعلم شيئاً معيناً، فإنه يُعطى لها ذلك. وهذا مما ينبغي أن يعتبر فيه الرضا، وهذا الذي انتصر له شيخ الإسلام، تلميذ ابن القيم، خلافاً لقول الجمهور: بأن الصغيرة مطلقاً لا يعتبر رضاها. بل الصحيح أنه يعتبر رضاها. وهكذا من هذه الشروط الولي بالنسبة للمرأة، لا نكاح إلا بولي، كما سبق في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الشروط رابعاً الإعلان، فيدخل فيه شهادة. لعدم ثبوت حديث صحيح صريح باتفاق في مسألة الشهادة، ولكن الإعلان اتفق أهل العلم على وجوبه. فتدخل الشهادة في معنى الإعلان، ويكون بذلك شرعاً. بهذا ننتهي من هذا الفصل، والله تعالى أعلم، وننتقل إن شاء الله يسيراً إلى الدرس الآخر. اشتركوا في القناة.