الدرس في كتاب الزكاة 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن مصارف الزكاة، مركزًا على الرقاب والغارمين. الرقاب تشمل المكاتبين والعتق، والغارمين من غرموا لإصلاح ذات البين.
يشرح الأصناف الذين يستحقون الزكاة مثل الغارمين وأهل الجهاد وطلاب العلم. يمكن أن يكون الغارم غنيًا لكنه يحتاج للزكاة في الشدة.
يتحدث عن أصناف أخرى مثل المجاهدين وطلاب العلم والحجاج وابن السبيل. يشرح آراء أهل العلم في جواز إعطائهم الزكاة.
يشرح حكم تأخير أو تعجيل إخراج الزكاة. لا يجوز التأخير بدون سبب شرعي، بينما التعجيل جائز في بعض الحالات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة معنا في الدرس الماضي الكلام على مصارف الزكاة، وأخذنا أن مصارف الزكاة ثمانية، وأخذنا من الثمانية: الفقير، مسكين، والمؤلف قلوبهم، والعاملين عليها. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ومنا يذكر كذلك من أصناف الذين تصرف لهم الزكاة: وفي الرقاب، كما في الآية. والمشهور عند أهل العلم أنهم هم المكاتبون الذين كاتبوا أسيادهم على أن يعتقوا أنفسهم بما يدفعون من مال. فقوله: «وفي الرقاب» يشمل هؤلاء المكاتبين، ودل دليل القرآن على ذلك أولًا في هذا العموم، وثانيًا في الدليل الخاص في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِذَا عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. أين وجه الشاهد في هذا؟ ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، نعم هذا الشاهد. وكذلك على القول الصحيح يلحق في الرقاب كل رقبة تصلح للعتق، فإن عتق الرقاب مما ينفق فيه من الزكاة، فكل رقبة يصلح عتقها فإنها تعتق من مال الزكاة؛ لأن الرقاب معرف بالألف واللام، وهذا من مواضع العموم. فكل رقبة مسلمة مؤمنة فهي تستحق أن تعتق، بل الكافر إذا كان عتقه سببًا في إسلامه فإنه يعتق. الكافر الأسير إذا كان عتقه سببًا لإسلامه فإنه يعتق؛ لأمرين: أولًا لأن ذلك يدخل في معنى التأليف، وثانيًا لأنها رقبة حتى الشرع على عتق مثلها إذا كان بذلك إسلامه. وأصح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق كافرًا ليس من الزكاة. ألصح هذا؟ نعم. من هذا؟ تمامة. نعم، تمامة. أعتقه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما فعل ذلك به عليه الصلاة والسلام ذهب فاغتسل فأسلم. وهكذا كذلك يدخل في الرقاب على القول الصحيح الأسير المسلم الذي بأيدي الكفار، فإنه كذلك هو بمعنى الرقيق، بل هو رقيق. كما أن الأسير الكافر عند المسلمين ماذا؟ رقيق. فهو مما تعتق رقبته على القول الصحيح، فإن كان ذلك بدفع المال فبدفع المال، وإن كان ذلك بعتق مثله من الكفار فيشترى ويعتق مثله؛ لا لأجل الكافر، ولكن لأجل المسلم الذي عند الكفار. وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقوله: «والغارمين» ينقسمون إلى قسمين: من غرم لغيره، من غرم لغيره كإصلاح ذات البين ونحوه، فهذا يصلح ولو كان غنيًا؛ فإنه يدخل في الغارمين كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي سعيد. وجاء كذلك عن غيره معناه: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، ومن اشتراها بماله -يعني اشتراها هذه الصدقة بماله ممن أعطيت له- كرجل فقير أعطي من الزكاة شيئًا فجئت أنت الغني فاشتريت هذه الزكاة لا حرج عليك. وهكذا كذلك قال: «أو غارم أو غارم ولو كان غنيًا» وصورته ما جاء كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أو رجل تحمل حمالة» -يعني في إصلاح ذات البين- وهكذا كذلك «أو غاز في سبيل الله أو غاز في سبيل الله» هؤلاء أربعة. قال: «أو مسكين تصدق عليه فأهدى بها لغني» أهدى بها لغني. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «هو لها صدقة ولنا هدية» ولنا هدية. والحديث رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني في الإرواء وغيره وصحيح الجامع. فهذا يدل أن من تحمل دينا لغيره من أبواب الخير والبر كإصلاح ذات البين، وكالقيام على تحفيظ أو كذلك دور العلم أو ما كان بمعناه من أبواب الخير والبر تحمل حمالة لأجل ذلك فإنه يعطى من الزكاة ولو كان غنيًا؛ لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث الأخرى. وهكذا النوع الثاني وهو المشهور عند أهل العلم: الفقير الذي يتحمل الديون لفقره، أو المسكين الذي يتحمل الديون لمسكنته. والمسكين قد يملك، وقد يكون به بعض الغنى كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾. السفينة وهي لمساكين لماذا؟ لأن هؤلاء الأملاك أو أصحاب السفينة المالكون لها هم في الحقيقة لا يكتفون بنفقة السفينة، نفقة السفينة التي تأتيهم ما يأتي من السفينة لا يكفيهم؛ فلذلك سمهم مساكين. والمسكين كما مر معنا: من يجد أقل من كفايته هل في يومه أو في شهره؟ الصحيح: في سنته. من يجد أقل من كفايته في سنته؛ يعني رجل عنده ما يكفيه في أغلب السنة، لكنه يحصل له بعض ما يوقعه بالشدة في بعض أيام السنة؛ مثل صياد يعمل في البحر فيأتي أيام الخريف ينقطع عليه العمل في البحر، أو من يعين الصياد ممن يعملون في البحر، وهم كثر في أيام السنة هم أغنياء، لكن إذا جاء الخريف هم فقراء ما عندهم ما يكفيهم من المال. فهل يجوز أن يعطوا من الزكاة في مثل هذه الأيام؟ نعم، يجوز أن يعطوا من الزكاة. وهكذا كذلك مثل هؤلاء أصحاب السفينة. ومنه رجل عنده سيارة يعمل بها أجرة تمر به أزمات يحتاج، أو رجل عنده وظيفة تمر به أزمات يحتاج، أو رجل عنده بقالة ودكان تمر به أزمات يحتاج؛ مثلا أصيب بمرض أو أحد أهله، فإنه لا يستطيع أن يغطي هذا الشيء العاجل، أو تلد زوجته -ربما بعض الرجال إذا ولدت زوجته ولد معها هي تلد جسديًا وهو يلد معنويًا- لا يجد ما يصنع في النفقة وفي كذلك كلفة هذا الولاد. فأمثال هؤلاء يعانون من الزكاة، فخصوصًا إذا استدانوا، فإذا استدانوا واحتاجوا فإنهم يعطون من الدين، فلا يقول إنسان: كيف أنا أعطي فلان وهو عنده سيارة أو عنده بقالة أو عنده سفينة أو كذلك عنده وظيفة؟ الجواب: قد كتب الله جل وعلا ذلك لهم. قال: «والغارمين» وهو لم يغرم لأجل أن يأخذ ما في أيدي الناس ولا يسدد، فإن فعل ذلك فقد استحق سخط الله وغضبه؛ فمن أخذ أموال الناس أراد إتلافها أتلفه الله، ومن أخذها أراد سدادها أعانه الله. والغالب أن الصادق لا يأخذ أموال الناس مستكبرًا، وإنما من حاجة؛ فالدين ذل بالنهار وهم بالليل، ولا يرضى الإنسان لنفسه بذلك إلا من شدة في الغالب. وقوله كذلك جل وعلا: «والغارمين وفي سبيل الله» وفي سبيل الله. وذكر العلماء -وهذا قول جمهور أهل العلم- أنهم أهل الجهاد من الغزاة المتطوعين الذين لا ديوان لهم يكفيهم. ومفهومه أن هؤلاء الغزاة المتطوعين الذين لا ديوان لهم إذا كان لهم ديوان يكفيهم -يعني مال مصروف من بيت المال ومن الدولة المسلمة- فإنهم لا يعطون من الزكاة إلا إذا نقص ذلك عنهم، فيعطون من الزكاة من نفقتهم؛ من نفقتهم أكل أو شرب أو عتاد أو سلاح أو أي شيء آخر، فهذا يدخل. وفي سبيل الله وسواء كان الجهاد في غزو أو دفع كلا نوعي الجهاد يُعطون من الزكاة. وهكذا على القول الصحيح يلحق في سبيل الله أهل العلم من طلبة العلم والعلماء؛ فإنهم يعانون. وكما مر معنا بحديث أبي سعيد: ولو كان غنيًا المجاهد ولو كان غنيًا فإنه يعطى من المال. وهكذا كذلك حامل العلم والداعي إلى هذا العلم ومتعلم العلم؛ فإنه على القول الصحيح كما هو اختيار جماعة من المحققين من أهل العلم، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية بمواضع، وهكذا شيخنا محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله؛ بأنهم يعطون من الزكاة إن احتاجوا إلى كتب أو فراغ؛ بعض المجتهدين كأن يوجد بعض طلبة العلم والعلماء المجتهدين فيقال لهم: تفرغوا للعلم؛ فإن هذا من الجهاد في سبيل الله. وإلا فهم في الحقيقة يريدون أن يكتسبوا؛ الرجل العفيف لا يرضى أن تكون يده السفلى، يريد أن تكون يده العليا. فإن خرجوا فاكتسبوا كان ذلك سببًا في عدم تفرغ من يحتاج أهل الإسلام لأمثالهم لهذا الباب العظيم الذي ينصر الله عز وجل به الإسلام والمسلمين. فتفرغ أمثال هؤلاء من الجهاد في سبيل الله. والله جل وعلا يقول: ﴿وَجَاهِدْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي جاهدهم بالقرآن وبالعلم. فلذلك كان على القول الصحيح أن هؤلاء كذلك يعطون من الزكاة من يستحق يعطى من الزكاة حتى يتفرغ للعلم والتعليم، وكذلك نصر الدين بهذا الباب. وهكذا كذلك الصنف الثالث مما يلحق في سبيل الله: الحج والعمرة. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب جماعة من أهل العلم ويروى عن إمام أحمد بأن الحج والعمرة من سبيل الله؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كقصة المرأة التي احتبس زوجها جملًا في سبيل الله، فأشارت إليه أن يعطيها الجمل لتحج عليه، والحديث الصحيح المسند لشيخنا مقبل رحمه الله تعالى. فقالت: «أما إنك لو أعطيتني الجمل لكان في سبيل الله». فذهب فسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره أن ذلك من سبيل الله. وعلى هذا قول جماعة من أهل العلم. فإذا كان إنسان لم يحج فاحتاج أن يعان من الزكاة ليحج أو إلى العمرة الواجب ليحج أو ليعتمر؛ فإن ذلك مما يجوز أن يعطى من الزكاة بقول جماعة من أهل العلم. المسألة خلافية. والأخير: وابن السبيل، وهو المسافر المنقطع عن أهله. المسافر المنقطع عن أهله فإنه يعطى من الزكاة ولو كان بعياله وأهله؛ فإنه يعطى من الزكاة كرجل في أرض غربة احتاج أن يرجع إلى بلده لكبر سنه أو تغير حال بلاد الكفر من بلاد الإسلام إلى بلاد كفر، أو كونه ابتلي ببلاد كفر فأراد أن يتوب إلى الله ويرجع إلى بلده أو نحو ذلك، فطلب الإعانة أن يعطى من الزكاة في نفقة رجوعه إلى أهله ووطنه؛ فإنه يعان من الزكاة. وهو في معنى ابن السبيل وهكذا كذلك المار الذي يمر بالمسلمين يريد أن ينتقل إلى بلدته؛ فإنه يعطى من الزكاة إذا علم أنه صادق بذلك. المؤلف رحمه الله اختصر واقتصر هذا الباب؛ فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم. طيب، يقول: إذا كان الرجل يعرف أنه من هذه الأصناف الثمانية أو يعرف أنه من أهل هذه الأصناف الثمانية، هل يجوز له أن يطالب بالزكاة؟ الأولى أن لا يطالب، وسيأتي إن شاء الله الكلام على المسألة في موضعه. يقول: هل يجوز أخذ الزكاة من الناس وإدخارها إلى أن يوجد مستحق لها؟ لا، لا يجوز؛ إلا إذا علم صاحب الزكاة نفسه أن الأحوط أو أن الأكمل إعطاؤها للناس في وقت معين؛ مثلا يؤخرها أو يعجل بها، نقول: يعجل بها في وقت الخريف مثلا أو في وقت حاجة الناس، فلا بأس؛ التعجيل جائز والتأخير غير جائز إلا أن يكون ذلك لورع الأمر. أما عامة الناس فلا يبرئ ذمتهم. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.