الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 35، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على ادعاءات النصارى بعدم وجوب اتباع النبي محمد، ويبين أن وجود رسل من قبله لا يمنع وجوب الإيمان برسول ثان. كما يشير إلى عدم تمسكهم بالدين الذي نقله الحواريون عن المسيح.
يناقش ادعاءات النصارى حول تسلمهم التوراة والإنجيل بلغاتهم، ويرد عليها بعدم صحتها وعدم وجود شهادة قرآنية على ذلك. كما يشير إلى تغيير الأمة لدين رسولها وتفرقهم.
يشير إلى تفرق النصارى واختلافهم إلى حد كبير، مما أدى إلى تعدد مذاهبهم وتنوع معتقداتهم. كما يشير إلى اختلاقهم عقائد وعبادات باطلة وتغييرهم للإنجيل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله في كتابه "الجواب الصحيح من بدل دين المسيح" فصل: وأما قولهم: لا يلزمنا اتباعه؛ لأننا نحن قد أتانا رسل من قبله، أو من قبله خاطبونا بألسنتنا، وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا، وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلغتنا، على ما يشهد لهم الكتاب الذي أوتي به هذا الرجل، حيث يقول في سورة إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، وقال في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾. فالجواب عنه من وجوه: أحدها أن إثبات الرسول من قبله إليكم لا يمنع إتيان رسول ثان، فإن بني إسرائيل قد بعث الله إليهم موسى عليه السلام، وكانوا على شريعة التوراة، ثم بعث الله تبارك وتعالى إليهم المسيح عليه السلام، ووجب عليهم الإيمان به، ومن لم يؤمن به كان كافرا، وإن قال: إني متمسك بالكتاب الذي أنزل إليه. فكذلك إذا أرسل الله رسولا بعد المسيح، وجب الإيمان به، ومن لم يؤمن به كان كافرا، كما أن من لم يؤمن بالمسيح من بني إسرائيل كان كافرا. وبنوا إسرائيل أكثر اختصاصا بموسى والتوراة من الروم وغيرهم بالمسيح والإنجيل، فإنهم كانوا عبرانيين، والتوراة عبرانية. الوجه الثاني: دعواهم أنهم متمسكون في هذا الوقت بالدين الذي نقله الحواريون عن المسيح عليه السلام كذب ظاهر، بل هم عامة ما هم عليه من الدين، عقائده وشرائعه، كالأمانة والصلاة إلى المشرق، واتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس، واتخاذها وسائط، والاستشفاع بأصحابها، وجعل الأعياد بأسمائهم، وبناء الكنائس على أسمائهم، واستحلال الخنزير، وترك الختان، والرهبانية، وجعل الصيام في الربيع، وجعله خمسين يوما، والصلوات والقرابين والناموس، لم ينقله الحواريون عن المسيح، ولا هو موجود لا في التوراة ولا في الإنجيل. وإنما هم متمسكون بقليل مما جاءت به الأنبياء، وأما كفرياتهم وبدعهم فكثيرة جدا، لم ينقل أحد عن المسيح والحواريين أنهم أمروهم أن يقولوا ما يقولونه في صلاتهم السحرية: "تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا"، وفي الصلاة الثانية والثالثة: "يا والدات الإله مريم العذراء، افتحي لنا أبواب الرحمة". الوجه الثالث: قولهم أنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل بلغاتهم، إنما يستقيم إن كان صحيحا في بعض النصارى لا في جميعهم، فإن العرب من النصارى وغير العرب لم يسلم أحد إليهم توراة ولا إنجيل بلسانهم، وهذا أمر معروف، ولا توجد قط توراة ولا إنجيل معرب من زمن الحواريين، وإنما عربت في الأزمان المتأخرة. فإذا كانت النصارى من العرب تقوم عليهم الحجة قبل محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب نزل بغير لسانهم، ثم عرب لهم، فكيف لا تقوم على الروم وغيرهم الحجة بكتاب نزل بغير لسانهم، ثم ترجم بلسانهم؟ الوجه الرابع: أن يقال: الأمة إذا غيرت دين رسولها الذي أرسل إليها وبدلته، أرسل الله إليها من يدعوها إلى الدين الذي يحبه الله ويرضاه، كما أن بني إسرائيل لما غيروا دين موسى وبدلوه، بعث الله إليهم وإلى غيرهم المسيح بالدين الذي يحبه ويرضاه. وكذلك النصارى لما بدلوا دين المسيح وغيروه، بعث الله إليهم وإلى غيرهم محمدا صلى الله عليه وسلم بالدين الذي يحبه ويرضاه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". وأولئك البقايا الذين كانوا متمسكين بدين المسيح قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على دين الله عز وجل. وأما من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يؤمن به فهو من أهل النار، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". الوجه الخامس: أن يقال: دعواهم أن الرسل سلموا إليهم التوراة والإنجيل وسائر النبوات باثنين وسبعين لسانا، وأنها باقية إلى اليوم على لفظ واحد، دعوى يعلم أن قائلها يتكلم بلا علم، بل مفتر كذاب. وذلك أن هذا يقتضي أنه الآن في الأرض أنه الآن في الأرض هذه الكتب باثنين وسبعين لسانا، كلها منقولة عن الحواريين، وكلها متفقة غير مختلفة البتة. فكيف يمكنه أن يجمع جميع النسخ التي بالاثنين وسبعين لسانا ويقابل بين نسخ كل لسان حتى يكون فيها النسخة القديمة المأخوذة عن الحواريين؟ ثم يقابل بين نسخ جميع الألسنة. ولا يمكن ذلك إلا لمن يكون عارفا بالاثنين وسبعين لسانا معرفة تامة. وليس في بني آدم من يقدر على ذلك. ولو قدر وجود ذلك، فلم يعرف أن القادر على ذلك فعل ذلك وأخبرنا باتفاقها؟ الوجه السادس: قولهم: وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا، على ما يشهد لهم الكتاب الذي أوتي به هذا الرجل. فيقال لهم: ليس في القرآن ما يشهد لكم بأن التوراة والإنجيل سلمت إليكم بلسانكم. فاستشهادكم بالقرآن على هذه الدعوة من جنس استشهادكم به على أن دينكم حق، ومن جنس استشهادكم بالنبوات على ما أحدثتموه وغيرتم به دين المسيح عليه السلام من التثليث والاتحاد وغير ذلك. الوجه السابع: أن يقال: عمدتهم في هذه الحجة أنهم يقولون: الحواريون هم عندنا رسل الله، كإبراهيم وموسى والمسيح. عندنا هو الله، وهو أرسل، وهو أرسل، وهو أرسل إلينا هؤلاء، فيجب أن يكونوا أرسلوا إلينا بلساننا، وأن يكونوا سلموا إلينا التوراة والإنجيل بلساننا. فيقال لهم: هب أنكم تدعون هذا وتعتقدونه، ونحن سنبين إن شاء الله تعالى أن هذه دعوى باطلة. لكن أنتم في هذا المقام تذكرون أن هذا الكتاب الذي هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يشهد لكم بذلك. وهذا كذب ظاهر على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه. هذه الأوجه التي ذكرها رحمه الله تعالى ظاهرة، وفيه إشارة ظاهرة لا تحتاج إلى كثرة دكاء ولا كبير فطنة، يُعلم بها ضلال النصارى وشدة تخبطهم وبعدهم عن دين الله عز وجل الذي بعث به الأنبياء، بل وبعدهم عن دين المسيح عليه الصلاة والسلام الذي يزعمون أنهم متمسكون بدينه. فلا توحيد عرفوا، ولا بعبادة قاموا، ولا كذلك باستسلام لمنهج نبي أو أنبياء استمسكوا. وإلا فدعوة الأنبياء جميعا دعوة واحدة. فما جاء به المسيح عليه الصلاة والسلام جاء به إخوانه من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويوجب الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فلو آمنوا به حق الإيمان، لاستلزم ذلك الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام. بل قد أخبر ربنا جل وعلا أن عيسى وغيره من الأنبياء بشروا برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. وأشار رحمه الله تعالى بهذه الأوجه الظاهرة الواضحة إلى معنى هذا الكلام، وما أشار إليه من تلك الصور والعقائد والعبادات الباطلة التي اختلقوها، والتحليل والتحريم الذي أحدثوه، دليل على تغيير وتبديل الإنجيل. ولهذا لا يكاد يجتمع أهل إنجيلين اثنين على عقيدة ولا عبادة ولا تحليل وتحريم. وهذا الذي أشار إليه هو لم يخرجه من عند نفسه رحمه الله، بل أخرجه مما بين النصارى من الاختلاف والافتراق. فصار اختلافهم وافتراقهم كاختلاف الأديان وأشد.