القول السديد في مقاصد التوحيد  85

القول السديد في مقاصد التوحيد 85

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 85، الدرس الخامس والثمانون:من( باب قول الله تعالى:يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ... والاستعانة بها على طاعة المنعم وعبادته والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم إنكار نعمة الله وعلاقته بالشرك

يناقش المقطع مفهوم إنكار نعمة الله ونسبتها إلى غيره، ويبين أنه من الشرك الذي ينافي التوحيد. يستدل على ذلك بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح.

شرح معنى الشرك والكفر وعلاقتهما بإنكار النعمة

يشرح المقطع معنى الشرك والكفر وعلاقتهما بإنكار النعمة، ويبين أن كل شرك كفر ولكن ليس كل كفر شرك. يتطرق إلى أمثلة على إنكار النعمة مثل نسبة الخير لغير الله.

كفر النعمة وأسبابه وطرق شكرها

يتناول المقطع مفهوم كفر النعمة وأسبابه، ويشرح أن إضافة النعم إلى غير الله تعالى يعد كفرًا للنعمة. يبين أهمية شكر الله على نعمه وطرق تحقيق ذلك.

الكفر ودرجاته وأسبابه

الكفر قد يكون نتيجة إعظام النفس أو اتباع الشهوات أو عبادة الشيطان. الآية التي ذكرت في المقطع تفصل في درجات الكفر وأثرها على الإيمان.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. قال مجاهد: ما معناه هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقول عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» الحديث - وقد تقدم -: وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير. قوله: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، إشارة إلى ما ينافي التوحيد، فهو ذكر في هذا الباب، والأبواب التي قبل وبعده مسائل تنافي التوحيد، منها ما تنقضه، ومنها ما تنقصه. ومن ذلك كفر النعمة، فكفر النعمة مما قد ينقض التوحيد أو ينقصه. فمن الشرك كفر النعمة، فإن كان لفظيا فهو من الشرك الأصغر الذي قد يفضي إلى الشرك الأكبر، على ما تقدم من تعريف الشرك الأصغر على أحد قولي العلماء. وقد يكون أكبر كما ذكر ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا، فنسب النعمة إلى غير الله، فحصل بهذا الشرك الأكبر. وقوله: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، الآية مكية في سياق ذكر عقيدة المشركين والكافرين، والمعنى: أن من كفر الكافرين جحود نعمة الله جل وعلا. وليس هذا فحسب، بل من الكافرين من ينسبها إلى غير الله، ينسبها إلى غير الله من معبوداتهم التي تعبد من دون الله جل وعلا. كما قال أبو سفيان قبل أن يسلم، حين كان مشركا: أن ما معناه أن النصر أو الغلب هو بآلهتهم، حتى صاروا يفتخرون بذلك: «لنا العزة ولا عزة لكم». فرد المسلمون: «الله مولانا». فنسبة النعمة إلى غير الله من الشرك والكفر الذي ينافي التوحيد، فقد يكون أكبر كشرك المشركين الأولين، وقد يكون أصغر كقول القائل - كما ذكر مجاهد -: هذا ما لي ورثته عن آبائي. ومعناه أن هذا ليس فيه أدب مع الله، والأفضل أن يعبر بتعبير فيه الاعتراف بنعمة الله عز وجل، تقول: هذا فضل الله، يسر الله به بهذه التركة أو بهذه الوراثة، فترد النعمة أولا لله عز وجل. وهكذا قول عون بن عبد الله: لو لفلان لم يكن كذا، لكن قل: لو لفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه، ثم اجتهاد فلان، ثم اجتهاد فلان، رد النعمة أولا لله سبحانه وتعالى، تأدبا مع الله وتعظيما لله وشكرا لنعمة الله سبحانه وتعالى. وقوله: وقال أبو العباس - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله - بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» الحديث، يريد أن يستدل به أن هذا كذلك مما يدخل في معنى هذا الباب. لهذا نقل هذا الكلام عن شيخ الإسلام في قوله: وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. والشاهد في قوله: ويشرك به، فمن الشرك إضافة النعمة إلى غير الله، وسماه ربنا جل وعلا كفرا، وسماه نبينا عليه الصلاة والسلام كفرا. وفيه أن الشرك قد يرادف الكفر، أو الكفر قد يرادف الشرك، الكفر قد يرادف الشرك، فليس كل كفر شرك، ولكن كل شرك كفر، ليس كل كفر شرك، ولكن كل شرك كفر، فالنفاق كفر، والشرك كفر، ولكن الإلحاد ليس بشرك وهو كفر مثلا، وهكذا كذلك في معاني كثيرة هي كفر وليست بشرك. وهذا الشرك الذي ذكر - كما تقدم - في حديث زيد بن خالد، قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. وبه نعرف أن كفر النعمة قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. وقوله: قال بعض السلف: وكقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير، يعني مما فيه نسبة الخير لغير مفضله ومنعمه، وهو الله سبحانه وتعالى. فالسلامة ليس بالريح ولا بحذق الملاح، ولكن السلامة كانت بفضل الله جل وعلا وتوفيقه، فضله الذي تفضل به على عباده بأن سهل لهم دربهم بسلامتهم في الريح والهواء واستقرار الماء وغير ذلك، وتوفيقه إذ وفق هذه الرفقة بهذا الملاح الذي كذلك وفق بتوفيق الله، وإلا فالحاذق قد يخطئ والحاذق قد يجهل، ولكن الله عز وجل هو الموفق. فالنعمة رد أولا وآخرا لله جل وعلا، وهذا من الكفر اللفظي الذي ينافي كمال الإيمان والتوحيد، فلذلك ينبغي أن يجري المسلم على لسانه رد النعمة لله جل وعلا بفضل الله وتوفيقه: سلمنا في سفرتنا، ووصلنا بالسلامة، ويسر الله لنا ريحا طيبة وبحرا هادئا، وكذلك ملاحا حاذقا، الله الذي يسر وهو الذي وفق. قال رحمه الله: فيه مسائل: الأولى تفسير معرفة النعمة وإنكارها، يعني في الآثار المذكورة التي تفسر هذه الآية وغيرها من الآيات التي بمعناها، فمنه ما قد يفضي إلى الشرك الأصغر، ومنه ما قد يفضي إلى الشرك الأكبر. قال: الثانية معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير، يعني كثير من الناس يجري على ألسنتهم مثل هذا الكلام، فيقولون: لو لفلان لما حصل كذا، وفلان له الفضل في كذا، وفلان له المنة بكذا، وفلان هو السبب الأعظم في كذا، كل هذا ينافي الأدب مع الله في شكر نعمته، لكن قل: لو لفضل الله وتوفيقه بفلان، لو لفضل الله وتيسيره بسبب وجود فلان، أو أو غير ذلك من العبارات: لولا أن يسر الله بكذا وكذا ثم كان فلان كذا. على أنه بعض الأعمال لا يجوز فيها حتى هذا التشريك اللفظي، ولو بتقديم النعمة لله، فلا يجوز أن تقول: توكلت على الله ثم عليك، لا يجوز أن تقول: توكلت على الله ثم عليك، لماذا؟ لأنه عمل قلبي يجب أن يخص به الرب سبحانه وتعالى وحده، فالأعمال القلبية التي يخص بها الرب جل وعلا لا يجوز فيها حتى مثل هذا اللفظ. قال: الثالثة تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة، يعني العبارات التي مرت معنا. قال: الرابع اجتماع الضدين في القلب، يعني قد يجتمع الضدان في القلب، وإذا اجتمع قدح في التوحيد إما بنقضه وإما بنقصه كما تقدم. قال الشارح رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، قال: الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولا واعترافا كما تقدم، وبذلك يتم التوحيد، فمن أنكر نعم الله بقلبه ولسانه فذلك كافر ليس معه من الدين شيء. وهذا قد يقع عند المشرك أن ينكر نعمة الله بقلبه ولسانه، بعض المشركين يصل بهم الشرك إلى هذا المعنى حتى يضيع عقله، كأنه ما معه ذكر. الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" أن بعض الرافضة كان غاليا في علي وله مجلس تحديد، فحضر إليه بعض أهل التوحيد وأهل السنة. فكان هذا الشيخ الرافض إذا افتتح درسه يقول: من خلق السماء؟ فيقولون: علي، من نصب الجبال؟ فيقولون: علي، من أجرى البحار والأنهار؟ فيقولون: علي، فإذا نطقهم ابتدأ في درسه. انظروا إلى كفر وإلحاد، فدخل عليه هذا الطالب يريد أن يغيظ هؤلاء الرافضة وهو لا يعتقد هذا الذي يقوله. فلما ابتدأ الشيخ بدرسه قال: من خلق السماء؟ قال: معاوية، فقال: امسك الملعون، ففر هذا الطالب من الدرس. الشاهد من هذا أنه يوجد في الدنيا من أضاع الله عقله مع دينه، ليس الدين فقط ضاع حتى العقل ضاع. قال رحمه الله: ومن أقر بقلبه أن النعم كلها من الله وحده وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله وتارة يضيفها إلى نفسه وعمله وإلى سعي غيره كما هو جار على ألسنة كثير من الناس، فهذا يجب على العبد أن يتوب منه وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها. وهذا ما قد يبتلي به بعض الناس بسبب جهلهم، فهو بقلبه يقر بأن النعم كلها لله وحده، ولكنه بلسانه تارة يضيف إلى الله وتارة يضيف إلى نفسه وعمله وسعيه وتارة إلى غيره. وفيه كذلك في هذا إشارة منه رحمه الله إلى أن العجب والغرور قد يفضي إلى كفر النعمة، لما يكثر الإنسان: فعلت وصنعت، ولولا أني كنت معهم لما وفقوا، لولا أنهم دعوني لما سلموا، لولا أني فعلت كذا، ونحو ذلك من العبارات التي منبعها مرض في القلب، والدافع إليها العجب والغرور والكبر والتعالي ونحو ذلك يفضي به إلى هذا. قال رحمه الله: فهذا يجب على العبد أن يتوب منه وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها وأن يجاهد نفسه على ذلك. وهذا الجهاد نوعين: جهاد فيما إذا كان هناك مرض فيجاهد نفسه في علاج هذا المرض، كهذا المغرور المسكين الذي قد اغتر بنفسه وأعجب بها، أو كذلك الجهل ليس عنده غرور ولا شيء ولكن جهل جرى على لسانه عبارات من عبارات الجهال. وهذا كذلك يعالج نفسه، الأول بالإخلاص والنظر إلى فقر نفسه وغنى خالقه، والثاني بالعلم. قالوا: أن يجاهد نفسه على ذلك ولا يتحقق الإيمان والتوحيد إلا بإضافة النعم إلى الله قولا واعترافا ظاهر وباطن. قال: فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان: أولها اعتراف القلب بنعم الله كلها عليه وعلى غيره، عليه على المتكلم والمحدث وعلى غيره إذا أخبر عن غيره. قال: والتحدث بها والثناء على الله بها، هذا من شكر الله عز وجل أن يكثر الإنسان الحمد لله على فضله وعلى استيسيره، متى ما وجدت فرصة للثناء على الله وشكره على ما من عليه به فافعل، فهذا يربيك على الشكر ويعينك على القيام بالعبودية لله. قال: والاستعانة بها على طاعة المنعم وعبادته، والله أعلم. والاستعانة بها في الطاعات تستعين بهذه النعم على طاعة المنعم وعبادته، فهذا من شكر الله عز وجل. أعطاك الله مال فمن شكر نعمة الله على ما يسر الله به من المال سخرها في الطاعة وفي العبادة، وهكذا يسر الله لك بقوة، كذلك يسر الله لك بذكاء، كذلك يسر الله لك بأبناء صالحين كذلك، وهكذا قل في سائر النعم التي يمن الله عز وجل بها عليك، فسخرها في طاعة المنعم وعبادته، وهذا من شكر النعم. إلى هنا إن شاء الله والله أعلم. هل من كفر النعمة عدم إظهارها للغير؟ إذا كان عدم الإظهار لأجل عدم ظهور فقرك، فهذا من كفر النعمة، وأما إذا كان عدم إظهارها لخوفا من الحسد أو غير ذلك مما أذن لمثله فهذا جائز، ففيه تفصيل. قال: قلتم: ليس كل كفر من الشرك، وهل يمكن أن نقول: من وقع في الكفر عبد نفسه أو عبد الشيطان؟ فمن هذا الوجه مشرك. ما فهمت هذا السؤال، أنت صاحب السؤال. طيب أحسن. صاحب السؤال يوضح. نعم، صاحب السؤال يوضح. الذي وقع في الكفر عبد نفسه، ما هو هذا الكفر؟ قد يكون الكفر ليس فيه عبادة أصلا كالإلحاد فيه جحود. فإذا كان كفره فيه شيء من إعظام نفسه واتباع شهواها وشهوتها أو ما يدعوه إليه شياطين الجن والإنس، فهذا نعم فيه كفر بعبادة نفسه أو بعبادة الشيطان. نعم. وهذا يقول: الآية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾، هذه الآية هل تدل على من حاكم إلى الطاغوت فإنه ليس على الإيمان؟ ويؤخذ من قوله: يزعمون، كما تقدم أنه قد يكون منافي لكمال الإيمان وقد يكون منافي لأصل الإيمان، فالآية فصل فيها العلماء بحسب حال صاحبها. طيب إلى هنا ويجزاكم الله خيرا. شكرا.