الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 53، الدرس الثالث والخمسون:من( باب بيان شيء من أنواع السحر ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن من البيان لسحرا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول العيافة والطرق والطيرة كأنواع من الجبت والسحر، ويوضح أنها تدخل في الشرك. كما يفسر معاني هذه المصطلحات ويربطها بأفعال الجاهلية والشرك بالله.
يناقش شرك النجوم والسحر، ويبين أن تعلم النجوم يمكن أن يكون شركا، وأن السحر مرتبط بالشياطين والجن. كما يشير إلى اعتقاد بعض الناس أن النجوم تؤثر في الخير والشر، وهو اعتقاد مناف للتوحيد.
ينصح بضرورة الكتابة لطالب العلم أثناء الاستماع للدروس لتجميع الفوائد وتسهيل البحث لاحقا. كما يشدد على أهمية الكتابة في تثبيت المعلومة وتذكرها، ويحذر من نسيانها بسبب عدم الكتابة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد". قال: باب بيان شيء من أنواع السحر. قال رحمه الله: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، وهو ابن أبي جميلة المشهور بعوف الأعرابي، أحد علماء اللغة. ولهذا أورده رحمه الله بهذا الإسناد لأجل أن يبين أن عوف الذي فسر الكلمات الآتية هو أحد رواة هذا الحديث. قال: حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، قال: حدثنا قطن بن قبيص، عن أبيه، وهو قبيص بن المخارق، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت». قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط بالأرض، والجبت قال الحسن: رنة الشيطان». إسناده جيد. قال: وله أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد». رواه أبو داود وإسناده صحيح. قال: وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه». قالوا: عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل أنبئكم ما العيافة؟ هي النميمة القالة بين الناس». رواه مسلم. قال: ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحرا». قال: فيه مسائل: الأولى أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت، الثانية تفسير العيافة والطرق، الثالثة أن علم النجوم نوع من السحر، الرابعة أن العقد مع النفث من ذلك، أي من السحر، الخامسة أن النميمة من ذلك، أي من السحر، السادسة أن من ذلك بعض الفصاحة. أورد رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره للأبواب الدالة على معاني تنافي التوحيد. وكما مر معنا أنه ذكر في باب ما جاء في السحر وما بعده سبعة أبواب، كلها تتعلق ببعض الأعمال الشيطانية التي تنافي التوحيد، والتي هي من الشرك إما الأكبر أو الأصغر، لما فيها من منافاة التوحيد وما يكون به عبادة غير الله. والارتباط هذا الباب بما قبله ألحقه رحمه الله تعالى به، وقرأه منه. فقوله: باب بيان شيء من أنواع السحر، أي هذا مدخل لمعرفته وتبيين شيء من أنواع السحر. وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من أن السحر ينقسم إلى قسمين: قسم ما يكون بالاستعانة بالشياطين والشرك والكفر بالله، وقسم ما يكون باستعمال الأشياء الخفية التي يكون بها الإفساد. وقد تكون هذه الأشياء الخفية حركات يفعلها بعض الناس قديما وحديثا، وممن في زماننا كما مر معنا من يسمى بأصحاب السرك. وقد يكون الخفاء بالكلام الذي تحصل به الفتن كالنميمة، أو الكلام الذي يلبس به الباطل كالشعر والخطابة المتكلف فيها والمراد بها لبس الحق وتغطيته وإظهار الباطل بتزيينه بتلك الكلمات المنمقة. فهذا شعبة من شعب السحر، وهو يدخل تحت القسم الثاني. وهكذا ما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في تفاصيل هذا الباب. وأورد أول ما أورد حديث قبيصة رضي الله عنه. وهذا الحديث كما أشار المعلق ضعفه العلامة الألباني رحمه الله، وقبله خلق من أهل العلم بالحديث، وبعض أهل العلم قبله وجعل إسناده جيد كما أشار المؤلف رحمه الله. وكما تقدم معنا المؤلف لا يورد حديثا موضوعا ولا شديد الضعف، فإنه غالبا ما يورد الحديث الصحيح أو الذي هو فيما ظنّ التحسين، وربما نزل إلى القسم الثاني إذا كان معناه صحيحا أو احتاج إلى بعض التفصيل الذي معناه صحيح وتؤيده عمومات. ومرت معنا نظائر من هذا فيما تقدم. وأورده رحمه الله هنا بإسناده لأجل أن يشير إلى أن عوف ابن أبي جميل المشهور بعوف الأعرابي أحد علماء اللغة هو أحد رواة الحديث، وهو الذي فسّر هذه الكلمة أو هذه الكلمات في هذا الحديث. فلذلك أورده بهذا الإسناد وبهذه الزيادة، أي التي فيها تفسير لألفاظ الحديث ومعنى الحديث كما بيّنه. قال عوف: العيافة زجر الطير، فزاجر الطير يقال له العائف، أي الذي يزجرها. فإن طارت يمينا قال: خير، أو طارت غير ذلك قال: غير ذلك. وهذا معنى من معاني أفعال أهل الجاهلية التي تدخل في الطيرة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم شركا. ففي حديث ابن مسعود في مسند الإمام أحمد بإسناد حسن قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام. وفعل العائف من هذا الباب، أي يدخل في الشرك، فهو إما الشرك الأكبر وإما الشرك الأصغر. الشرك الأكبر ما كان فيه اعتقاد أن ذلك الفعل حقيقة يكون به حصول الخير ودفع الشر، فإن ذلك التشريك لما هو من خصائص الله. فإن الله وحده هو الذي ينفع ويضر، فمن اعتقد أن الطير بذاتها تحدث ذلك الخير أو الشر بحركتها، فقد زعم أن لله من يشاركه في إحداث الخير أو الشر في مخلوقاته، وهذا من الشرك. أو يكون كذلك الشرك الأكبر باعتقاد أن هذا العائف ومن كان بمعناه يملك كشف الغيب، فإن الغيب من خصائص الله عز وجل، واعتقاد أن غير الله يعلم الغيب هذا كفر وشرك. قال الله عز وجل: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. وقد يكون شركا أصغر، وهو إذا اعتقد أن هذا سبب جعله الله عز وجل سببا، والأمر ليس كذلك، فهو من الشرك الأصغر. فاعتقاد الأسباب فيما لم يجعلها الله عز وجل أسبابا للخير والشر هذا من الشرك الأصغر. وأما قوله: والطرق الخط يخط بالأرض. أصل الطرق مأخوذ من استئذان الليل والإتيان فيه، كما رويا من قول جرير الشاعر: طرقت صائدة القلوب فليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلامي. والطرق عرف عند العرب بأنه إتيان واستئذان الليل. وسمي من يخط على الأرض سمي فعله بالطرق، لأنه بخطه ذلك يكشف كما يزعمون الغيب، فكأنه يدخل في الشيء الخفي كالسائر في الليل والآتي بالظلام. وهذا معنى آخر من معاني الشرك الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية، فهم يظنون أن الرمال ومن كان بمعناه ممن يخط على الأرض يعلمون الغيب بهذه الخطوط. ومنه من يسمى أو تسمى بقارئة الفنجان، تنظر في الفنجان أي كاسة القهوة ونحوها، فتقرى حظك بتلك الخطوط التي تراها في هذا الفنجان. ومثله من ينثر الحصى على الرمل أو من ينثر الرمل على الورق أو غير ذلك مما يتعامل به الناس قديما وحديثا، فهو يدخل في هذا المعنى الذي هو باب من أبواب الشرك، وقد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر بحسب التفصيل الذي سبق في الطيرة. وأما قوله: والجبت، قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. استشكل بعض الشراح هذه الكلمة، أي كون الجبت رنة الشيطان، فما وجهه أن يكون الجبت رنة الشيطان؟ حتى قال بعض الشراح على سعة علمه وكذا كثرة اطلاعه وشدة بحثه لم يجد في شيء من المراجع ما يدل على موافقة هذا التفسير. وذهب بعض الشراح في النظر إلى ما ذكر أن للشيطان رنة، وقد روية في بعض الأحاديث التي رويت بأسانيد ضعيفة، وبعضها جاءت بأسانيد محتملة التحسين، وحسنها بعض أهل العلم، أن للشيطان رنات. ومن رنات الشيطان رنته حين نزل القرآن أو سورة الفاتحة، ورنته كذلك عند ولادة الإنسان، وذكروا رنات في ذلك. والصحيح الذي بيّنه بعض المحققين من أهل العلم أن هذا الموضع من هذا الكتاب حصل فيه تصحيف، فالصواب: قال الحسن: إنه الشيطان. فتصحف على بعض النساخ فكتب: قال الحسن: رنة الشيطان. والصواب أنه قال: قال الحسن: إنه الشيطان. وهكذا هو في مسند الإمام أحمد بهذه الزيادة: قال الحسن: إنه الشيطان، وليس رنة الشيطان. وإن وجد كما ذكر المؤلف فيكون إما تصحيفا وإما على التفسير الذي ذكره بعض أهل العلم. وقد سبق أن بعضهم رأى ذلك شيئا من التكلف، لأنه ليس في شيء من السنة ولا ما نقل عن أحد من أهل العلم ولا بكتب اللغة أن الجبت يفسر برنة الشيطان. ولكن كما مر معنا أن الجبت كما تقدم هو الباطل بكل معانيه، ومن معانيه السحر، فيكون الجبت ها هنا الشيطان، فالشيطان من الباطل. وقد تقدم معنى الجبت في الباب الذي قبله وما قبله. والمراد بالجبت ها هنا السحر الذي يأتي من قبل الشيطان، لأن السحر كما مر معنا لا يتوصل إليه الساحر إلا بإعانة الشيطان له. فيتعاون شياطين الجن والإنس حتى يحصل هذا السحر. وبهذا يتوافق هذا التفسير، أي: قال الحسن: إنه الشيطان، مع هذا الباب ومع هذه اللفظة في هذا الحديث. وقوله: عن ابن عباس الحديث، يريد رحمه الله تعالى كما أشار في المسائل. والحديث صحيح كما أشار المعلق، أن من أبواب السحر ومعانيه علم النجوم. وهذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد». لأن السحر كما مر معنا له معنيان، ومن معانيه الخوض فيما هو خفي إما للوصول به إلى الإضرار بالناس أو زعما أنه يكون به كشف الغيب أو يكون به تغطية وتعمية للحق وإظهار للباطل وغير ذلك. وهذا منه ولهذا كان اقتباس شعب النجوم يعني تعلم هذا العلم والخوض فيه من الشرك، وقد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر، بل بعض ذلك مما يكون من فعل السحرة الذين استعينوا بالشياطين والجن، فصار هذا من السحر. وكما ترون بعض أنواع النوع الثاني من السحر لها ارتباط بالنوع الأول. وقد خاض في هذا الناس قديما وحديثا حتى قبل الإسلام، فالناس ينشغلون بعلم النجوم. وله علاقة بالسحر لما له من ارتباط بعلم الشياطين والجن في ذلك. وهذا العلم إن أريد به ما تقدم من المعاني المنافية للتوحيد فهو من الشرك إما الأكبر أو الأصغر، كزعم أن النجوم يكون بها كشف الغيب، فهذا من الكذب على الله وعلى رسوله، خصوصا إذا زعم أنه من دين الإسلام كما يفعل بعض المتصوفة والباطنية. فإنهم توسعوا في هذا العلم وأخذوا من علوم من ضل من الأمم ونسبوه لدين الإسلام، والإسلام من ذلك بريء. وهكذا اعتقاد أن في حركات النجوم حصول الخير والشر، وهذا كذلك معنى آخر من معاني الشرك إما الأكبر أو الأصغر. فمن اعتقد أنها أسباب فهو شرك أصغر لأن الله لم يجعلها أسبابا، ومن اعتقد أنها تنفع وتضر بذاتها فهو شرك أكبر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي معنا إن شاء الله في حديث زيد بن خالد قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الفجر، فقال لهم على إثر مطر من السماء: «أتدرون ماذا قال ربكم؟». قال: الله ورسول أعلم. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله سبحانه: أصبح بي اليوم مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فهو مؤمن بالكوكب، كافر بي». والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ما كان موجودا عند بعض الناس من نسبة الخير إلى النجوم، أي المطر إلى النجم، صار هذا كفر بالله سبحانه وتعالى. فلا تنسب آثار الأفعال إلى هذه النجوم، بل الخير كله لله سبحانه وتعالى. وكذلك ما يظن أنه به يعلم ويتخرص في حظوظ الناس، حتى اشتهر اليوم في بعض المجلات والصحف زاوية خاصة في النظر في النجوم: هل أنت من أهل نجم الحوت أو الأسد أو العقرب؟ وتنظر حظك في ذاك اليوم أو في ذاك الشهر أو في تلك السنة، وغير ذلك من المعاني التي هي تدور حول الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، وكل ذلك لا يجوز. ولكن خلق الله عز وجل النجوم علامات يهتدى بها في البر والبحر، وفي الزمان معرفة الزمان كذلك، وزين للسماء ورجوما للشياطين. فمن اقتبس شعبا من النجوم فقد اقتبس شعبا من السحر. وهكذا ذكر حديث أبي هريرة، وهو حديث ضعيف كما ترونه في التعليق، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله. والشاهد منه في أن من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه. وكما سمعنا أن المؤلف رحمه الله يذكر الجمل التي تؤيدها النصوص الأخرى، ولو كان فيه بعض الضعف، لكن ضعفه ليس بالشديد. فالجزء الأول من الحديث تدل عليه آيات من القرآن، فضلا عن أحاديث أخرى. قال الله عز وجل: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾. فمن السحر نفث النافث في العقد. وفي حديث عائشة بالصحيحين في سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن سحر ذاك اليهود كان في مشط ومشاطة. والمشط والمشاطة لا يكون إلا بالعقد، يعني يعقد الشعر في المشط عقد معينة، ويكون فيها كذلك شيء من النفث. وبالاستعانة بالجن يكون لها التأثير وإيقاع السحر. ولله حكمة في الإذن بذلك ووقوعه في مخلوقاته، فهو يبتلي أهل الخير بأهل الشر والسوء. وأما الجزء الثاني: ومن سحر فقد أشرك، كذلك معناه في القرآن فضلا عن السنة، كما مر معناه في قصة هاروت وماروت: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾. وأما الجزء الثالث فكذلك معناه صحيح، وقد تقدم معنا في الكلام على التمائم: ومن تعلق شيئا وكل إليه. وأن تعلق أبقى من علق، لأنه يشمل التعليق الحسي والتعليق المعنوي. ومن التعليق المعنوي تعلق القلب، فمن تعلق قلبه ولم يفعل فهو كذلك عنده شيء مما ينافي التوحيد، قد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر، وقد يكون دون ذلك بحسب تفريط القلب وتعلقه بغير الله. وهذه المعاني الثلاثة كلها تنافي التوحيد. وأراد رحمه الله المعنى الأول والثاني، لأنه يتعلق بالسحر وهو من معاني السحر. والمعنى الثالث بعمومه يدخل فيه تعلق بعض الجهلة ببعض السحرة والكهان وأعمالهم. وهذا معنى آخر كذلك من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر بحسب هذا التعلق. ومن تعلق شيئا وكل إليه، أي لم ينتفع. ومع ذلك فالله عز وجل يخذله ويكله إلى غيره. ومن وكل إلى غير الله فهو مهزوم. وهكذا حديث ابن مسعود، وهو كما أشار المؤلف رحمه الله في صحيح مسلم. والشاهد منه أن النميمة سميت عيافة، وهو معنى من معاني السحر. فأراد أن يبين أن الإفساد بهذا الوجه الخفي معنى آخر من معاني السحر. فالساحر يستعمل هذه الأساليب كلها، أي صاحب النوع الأول من السحر. ولما كان بعض هذه الأساليب ليس فيها استعانة بالجن، فإنه صار من القسم الثاني لإفضائه للقسم الأول، لأنه يوصل ويفضي إليه. فلذلك ينبغي للمسلم أن يجتنب النميمة والإفساد، لأنه من أفعال الكافرين والمشركين من السحرة ونحوهم. وهكذا حديث ابن عمر: «إن من البيان لسحرا». وبالصحيحين. ولهذا قال: ولهما، أي للبخاري ومسلم. والشاهد أن بعض البيان الذي يغطي الحق يكون منه السحر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أوجه. ونكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. يقول: ما معنى ليلة القدر؟ وما هي؟ وما الذي نزل، أي وقع في هذه الليلة؟ ليلة القدر ليلة خص الله عز وجل بها أحد ليالي شهر رمضان. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها أرجى ما تكون في العشر، وأرجى ما تكون في الوتر من العشر. وأرجى ما تكون من الوتر الثلاثة الأخيرة من العشر، وأرجى ما تكون من الثلاثة الأخيرة التاسع والعشرين والسابع والعشرين. وأرجى ما تكون من السابع والتاسع والعشرين ليلة السابع والعشرين. ولا يعني أنها تأتي دائما في السابع والعشرين، ولكن هي أرجى هذا الجميع الذي هو أرجى ما في الشهر. وقد تتنوع تأتي أحيانا في بعض العشر في غير السابع والعشرين، كما صح ذلك أنه وقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى السنوات في ليلة إحدى وعشرين. فهذه الليلة جعل الله عز وجل عمل العاملين فيها مضاعفا، كما قال سبحانه: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾. حسبها بعض أهل العلم فقال: تقدر بثلاث وثمانين سنة، يعني يضاعف عملك كأنك عملت أكثر من ثلاث وسبعين سنة. وهذا فضل عظيم أن تجد هذه المضاعفة في عمل ليلة واحدة. ولهذا أخفى الله عز وجل هذه الليلة في شهر رمضان ورحمة ورفقا بالأمة، أذن لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول لأمته أنها أرجى ما تكون في العشر الأواخر. لأجل أن يجتهدوا في العشر الأواخر في طلبها، فإنها عشرة أيام قليلة. من اجتهد فيها وفق بإذن الله لإدراك هذه الليلة التي تضاعف فيها الأعمال. وما يقوله بعض العامة أن ليلة القدر يأتي فيها نور ويرى المرء النور، حصل له كذا وكذا، هذه من الخرافات. لكن ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن لها علامة، وهذا من عاجل بشرى المؤمن، ففي صبيحتها تكون الشمس من غير شعاع. يقول: ما هو الأفضل للطالب المبتدئ أن يبقى مستمعا لما يقال في الدرس أو الدروس، أو أن يأخذ دفترا وقلما ويكتب ويتعلم اقتناص الفوائد بأن يكتب كل شيء حتى يتعلم سرعة الخط؟ الجواب: الثاني، الأفضل الثاني أن تعود نفسك أن تكتب. وبعض الأشياء اليوم أنت لا تعرف قدرها ولا تعرف كذلك فائدتها، لكنك إذا تدربت في طريق العلم تستفيد من هذه الفوائد وتعرف كيف تستفيد منها وأين تضعها وما هي أهميتها ومنزلتها. وأنا أذكر عن نفسي أول ما قدمت عند الشيخ مقبل رحمه الله في تقريبا ثمانية وثمانين ميلادي، كنت أكتب أشياء في دفاتر، بعضها ما أعرفها لأنني ما درست علم الحديث ولا شيئا. لكن ما يقوله شيخ نكتب: حديث كذا ضعيف، معلله فلان ابن فلان. أكتب: إذا روى فلان عن فلان فهو فلان. وأنا ما أعرف لا فلان ولا فلان. وإذا جاء في الإسناد كذا فهو كذا. وإذا جاء في الإسناد كذا أكتب ولا أدري ما أكتب، فقط أكتب. فمرت السنين، فإذا بها فوائد عظيمة، فوائد عظيمة أعرف فيها آراء الشيخ في حكمه على بعض الأحاديث، وأعرف فيها فوائد في الرجال، وفوائد في الأسانيد. أحيانا تبحث في الرجل ربما أكثر من يوم كامل يشكل عليك، والشيخ قد تعب قبلك وتعب قبله مشايخ، فهو ذكر لك فائدة بكلمة واحدة: إذا روى فلان عن فلان هو فلان. أنت تبحث ربما تبحث تبحث ما تدري من هذا الرجل؟ لماذا ذكر بهذا بغير ما اشتهر به؟ وأذكر حديثا حسنه العلامة الألباني رحمه الله، أخطأ فيه ظنه رجل ثقة وهو رجل ضعيف، عرفه الشيخ بأحد الأسانيد. فهذه الفائدة كتبتها وأنا ما أدري قدرها، ولكن استفدت منها بعد فترة حين وقفت على الحديث، وكان في ضمن دروس معينة أحتاج أن أعرف الكلام على هذا الحديث، فتبين هذا. فطالب العلم يكتب، وكما قيل: قمش ثم فتش. أنت في طريق الطلب قمش، اجمع الفوائد جمع جمع، اكتب. ثم في الأخير فتش هذه الفوائد. وإذا انتهى الدفتر، أنا أنصح أن الإنسان يفرق في الفوائد، يجعل فوائد الرجال لوحدها، وفوائد العقيدة لوحدها، وفوائد الفقه لوحدها. ثم إذا درست أنت تمر ستمر على هذه الفوائد، ستحتاج هذه الفوائد، ستعينك في التدريس، لأنها ستسهل عليك كثيرا في البحث. فبعض الترجيحات قد تتعب حتى تصل إليها، فإذا سمعتها ووقفت عليها أو سمعت إلى بعض الإحالات تجد أشياء تسهل على الطالب. مثلا هذا الذي مر معنا اليوم: رنة الشيطان، انظر الشيخ سليمان صاحب تيسير العزيز الحميد، تعب في هذا تعبا شديدا، وانظروا ماذا كتب في شرحه لهذا الحديث، وانظروا ماذا كتب الشيخ عبد الرحمن بن حسن في تعليقه في فتح المجيد في هذه اللفظة في هذا الحديث. وهؤلاء علماء كبار تعبوا في البحث عن هذا الحديث، وتعب بعدهم أناس كثر. فآتي أنا مثلا أأخذ هذه الفائدة جاهزة من أحد المشايخ يفيد بأن الحديث حصل فيه تصحيف، والدليل في مسند الإمام أحمد في الموضع الفلاني، ترجع فتجد أنه قال: الحسن إنه الشيطان. أليس هذا الآن تيسيرا؟ أليس بتيسير؟ تيسير، تأخذ أنت شيئا جاهزا، وعلماء قبلك كبار تعبوا في فتح هذا الإشكال، أرادوا أن يفتحوا هذا الإشكال، ما تصبروا كيف يفتح؟ ما علاقة رنة الشيطان بالجبت؟ فمثل هذا تستفيد منه في لحظات، ولكن متى تستفيد؟ إذا كتبت. وإذا لم تكتب فإنه يدخل من الأذن اليمنى ويخرج من الأذن اليسرى. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.