شرح أصول السنة 28

شرح أصول السنة 28

الدرس في شرح أصول السنة 28، الدرس الثامن والعشرون : ( ومن مات من أهل القبلة موحداً يصلي عليه ... كان أمره إلى الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الصلاة على المسلم الموحد

يناقش حكم الصلاة على من مات من أهل القبلة وهو موحد، ويؤكد أن من مات على التوحيد يصلى عليه ويستغفر له. يشير إلى أن النهي عن الصلاة على بعض الأشخاص ينطبق على الكافرين والمشركين.

منهج أهل السنة في التعامل مع المخطئين

يشرح منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع المخطئين، حيث يدعون إلى الرحمة والنصح والتوجيه بدلاً من القطيعة والتشديد. يميز بين منهجهم ومنهج الحدادية المتشدد.

معاملة المسلمين وعدم التفريق بينهم

يؤكد على أهمية الرحمة والرفق في معاملة المسلمين وعدم التفريق بينهم بسبب الأخطاء أو الذنوب. يشير إلى أهمية الصلاة على الميت المسلم مهما كانت ذنوبه.

ختام البحث والصلاة على النبي

يشير إلى نهاية البحث المطروق مع الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على اختتام الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ومن مات من أهل القبلة موحدا يصلى عليه ويستغفر له ولا يحجب عنه الاستغفار ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرا كان أو كبيرا، أمره إلى الله تعالى». قال: «والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وسلم تسليما». أورد رحمه الله تعالى هذا الأصل وختم به هذه الأصول، فقال: «ومن مات من أهل القبلة موحدا يصلى عليه». ومراده رحمه الله تعالى تأكيد ما سبق فيما يتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في أهل المعاصي. وهكذا كذلك هنا جعله كالخاتمة لأجل أن يكون كالتتمة لهذه الأصول. فمن أتى بها وحققها فهو كامل التوحيد، والموحد هو من أتى بأصول التوحيد لتوحيد الله عز وجل في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. وينافي التوحيد معنيان: معنى يخرج صاحبه منه إلى الكفر أو الشرك أو النفاق، ومعنى يخرجه من كماله إلى معنى النقص فيه. ومراده رحمه الله تعالى «موحدا» أي ولو اخترم هذا التوحيد شيء من النقص، لما تقدم في مسألة الفاسق الملي، أي من فعل المعصية ولو كبيرة وهو مسلم، فهو مسلم ومؤمن ناقص الإسلام والإيمان، فيصلى عليه. وقوله رحمه الله تعالى «يصلى عليه» للأدلة الكثيرة في الكتاب وبالسنة التي تدل على هذا المعنى، وهو أن أهل الإيمان ما داموا مؤمنين يصلى عليهم. بل صلى النبي عليه الصلاة والسلام على بعض المنافقين، يعني استغفر لهم ظنًا منه أنه خير في ذلك «إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم لن يغفر الله لهم». فظن أنه خير حتى أنزل الله عز وجل عليه «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى». وهكذا كذلك ما نهي عن الاستغفار للكافرين والمشركين والمنافقين عموما، فعلم بذلك أن صاحب المعصية باقي على أصل الإيمان والإسلام فيصلى عليه. وأما امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على قاتل النفس، فليس هو لأجل عدم صحة وجواز الصلاة عليه، ولهذا أمر بالصلاة عليه كصاحب الدين، قال: «صلوا على صاحبكم، صلوا على صاحبكم». وهذا إذا كان الإمام ومن قام مقامه بعدم الصلاة يزجر أصحاب المعاصي عن معصيتهم، فيشرع مثل ذلك. وأما من لم يكن كذلك فلا. وليس معناه أنه يشرع له أن يترك جميع الناس الصلاة عليه لا، ولكن المعنى أنه يصلى عليه، ولا يدفن من غير صلاة، فهو حق على المسلمين له. ولكن لا يصلى عليه على الوجه الذي يكون فيه الإكرام بهذا المعنى، لأجل أن يستقبح الناس هذه المعصية ولا يقعوا في مثلها. وقوله «ويستغفر له» كذلك لأن النهي إنما ورد في حق المشركين «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين»، فضد المشركين المسلمين والمؤمنين، فإنهم يستغفر لهم ويصلى عليهم. وأما من كان كذلك من المشركين فلا يصلى عليه. بل إننا إذا شككنا في إنسان وظاهره الإسلام، فإننا نكل باطنه إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «أنه لم يبعث ليشق عن قلوب الناس ولا عن صدورهم». فمسألة ما في القلب الله أعلم به، نحن لنا الظاهر. من أظهر الإيمان والتوحيد والإسلام فإنه يصلى عليه ويستغفر له وأمره إلى الله سبحانه وتعالى. وأول ذلك الصلاة ينظر في صلاته، إن حافظ عليها صلي عليه. إن كان من المصلين يصلى عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». حديث بريدة عند أبي داود وأحمد بإسناد حسن. وفي مسلم حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك» قال «والنعم الأول حديث جابر، والثاني العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». هذا حديث بريدة. وقوله «ولا يحجب عنه الاستغفار» يعني لا يجوز أن يمنع من الاستغفار ولو كانت عنده معصية، كما تقدم. فالله عز وجل أمرنا بالاستغفار لأهل الإيمان ما داموا مؤمنين «والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان». فدعوة أهل السنة والجماعة دعوة رحمة. ثم من هذا الذي يسلم من معصية؟ من هذا الذي يسلم من معصية؟ ليس أحد يسلم من المعاصي، وليس أحد يسلم من الذنوب. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عصمهم الله بما يوحي إليهم جل وعلا. وغير الأنبياء مهما بلغوا من الفضل فإنهم غير معصومين، فإنهم غير معصومين مهما بلغوا من الفضل، حتى أفاضل الصحابة رضي الله عنهم هم غير معصومين ولم يسلموا، ولكن الله عز وجل تجاوز عنهم لسابقتهم وفضلهم، وكذلك حسن إيمانهم وإسلامهم. وغيرهم كذلك يتفاوتون بحسب الفضل، والجميع لا يسلم من تقصير. وفي هذا كذلك لفته إلى معنى آخر في هذا الباب، هو كذلك من أصول أهل السنة والجماعة. إن كنا لا نترك الصلاة على العاصي ما دام موحدا، ولا نترك الاستغفار له، ولا نحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا أو كبيرا، فإننا كذلك ينبغي أن ننتبه بهذا في معاملته في الدنيا. فإن معاملة من يقع منه التقصير في الدنيا، دلت عليها الأدلة الشرعية، معاملته بما يكون به صلاحه وإصلاحه، وبما يكون به صلاح المجتمع، لا بما يكون الإضرار به وإفساده وإفساد غيره وإفساد المجتمع. لا هذا لم يأمر الله به، ولم يكن من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. فينبغي أن نتفقه، أن نتفطن لهذا المعنى. فإن الوعيدية لهم حكم فيما يتعلق بالآخرة. وفي الدنيا قريب منهم، وإن لم يتلفظ بذلك من سلك مسلكهم من جهة المعاملة، كالحدادية في زماننا هذا، فإنهم فيما يزعمون -وهو من طريقتهم ومذهبهم ومنهجهم- أنهم لا يتركون من وقع منه شيء من التقصير في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فلازمهم أن الدعاة إلى الله وطلبة العلم يكون ملائكة، حتى لو أن الواحد تاب ما تقبل التوبة عنده، حتى لو أنه تاب ربما قالوا: التوبة بينك وبين الله، أما الدعوة فلا تقربها. سبحان الله! هل هذا في كتاب أو في سنة أو في فهم سلف أو طريقة إمة؟ بل هذا هو عين منهج الخوارج الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام. فإن من طريقتهم الغلو، ومن طريقتهم التشديد. ربما ما تركوا حتى علماء، بعض كبار أهل العلم زلت لسانه في أحد الصحابة، ربما ربما سبق لسان خطأ في تعبير، توسع في لفظ، أخطأ، فاعترف بخطأه، فاعترف بخطأه، وقال: أتوب إلى الله وأستغفره من هذا اللفظ، ولم أقصده ولم أرده، وأبرأ إلى الله منه، وأتوب إليه بالمنطوق وبالمفهوم. ومع ذلك لا يقبل منه، لا يقبل منه. حتى قال رحمه حفظه الله تعالى: «قال هؤلاء يريدون توبتك توبة بني إسرائيل». إيش توبة بني إسرائيل؟ أن يقتلوا أنفسهم، ما في توبة إلا أن تقتل نفسك وتنتهي وترتاح ويرتاح الناس منك. فهذا ليس من منهج أهل السنة والجماعة. إذا كان هذا منهج أهل السنة والجماعة مع الأموات، فمن باب أولى مع الأحياء. لو أن كل إنسان أخطأ قطعنا رأسه، كما يقول العامة: «محشنا». من يبقى للدعوة؟ كلما كبر إنسان وبدأ ينفع الله به، أو امرأة وبدأ الله ينفع بها، أخطأت في مسألة علمية أو أي مسألة أخرى، فنصحت، رجعت بحمد الله، وأنابت. عند هؤلاء ما دام ثبت الخطأ لا تصلح للدعوة. من الذي يقرر أنها تصلح أو لا تصلح أو يصلح أو لا يصلح؟ هم العلماء، ليس السفهاء الصغار الأحداث. فينبغي أن يتنبه لهذا، وهذا الذي ينتظر ويرجى فيه من الأحداث الذين يحكمون على الأكابر، هو غدا سيكبر وسيخطأ، فإذا أخطأ وقطعنا دابره، وكلما كبر إنسان وأخطأ قطعنا دابره، من يبقى للدعوة؟ من يبقى للخير؟ إن كان كل خطأ موجب للمحق، لم يبق خير أبدا. فينبغي أن نتفطن وأن نتنبه. ولمشايخنا رسائل في هذا الباب، وكنت قد أشرت في دروس سابقة في رسالة أو رسالتين لشيخنا العلامة إمام الجرح والتعديل في عصره الشيخ ربيع حفظه الله تعالى، فيها الرد على هذه الطائفة، وهذا المنهج الغالي في هذا الباب، الذين يسلكون مسلك الحدادية، سواء سموا حدادية أو سموا أنفسهم ورضوا بهذه التسمية أو لم يرضوا. لأن المسألة هي صفات، من اجتمعت فيه هذه الصفات فهو من أهل هذا المنهج شاء أم أبى. فأهل السنة والجماعة دعوتهم دعوة رحمة، ويدورون مع الأدلة حيث دارت. وهذه عقيدة أهل السنة في الأموات، وهذا الذي سمعت عقيدة أهل السنة في الأحياء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الناس» في حديث به رواه مسلم «لا يفرق مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر». يعني ما تجد أحد كامل في خلقه، لكن إن كرهت خلقا ترتضي خلقا آخر. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: إن في هذا الحديث قاعدة عظيمة في المعاشرة، معاشرة الخلق فيما بينهم، في رسالته العظيمة التي سماها «الحياة السعيدة». فإن فيه في الحقيقة أصل كما ذكر رحمه الله لأصول التعامل مع الآخرين. ليس كل من أخطأ يهدم، لا. وفرق بين هذا المعنى وبين قاعدة الموازنات. قاعدة الموازنات هذه بالنسبة لمن لم يتب، وبالنسبة لمن لم يرجع هي باطلة، هي باطلة. وأما من تاب ورجع وأصلح وسار مع أهل السنة، فالله عز وجل غفور رحيم، وينبغي للخلق كذلك أن يسلكوا هذا المسلك وأن يتأدبوا بهذا الأدب. وهكذا في الحديث الآخر: «الناس كإبل مئة، لا تكاد تجد منها راحلة». إنسان إذا عنده مئة من الإبل يريد أن يسافر ويأخذ أكمل هذه الإبل صفات، ما سيجد في هذه الإبل المئة ناقة أو بعير فيه صفات كاملة. ربما يجد هذه ما شاء الله تتحمل، لكنها ضعيفة، وهذه متينة لكنها بطيئة، وهذه فيها الصفات هذه وهذه لكنها أكولة، وأخرى شروبة، وهكذا. الناس كإبل مئة لا تكاد تجد عليها أو منها راحلة. وهذا هو الواقع، ما من إنسان إلا وله وعليه، قد يقع منه تقصير. وهل وقوع هذا التقصير يقتضي أن نهدم الخير الذي عنده، وأننا كذلك لا نستفيد منه؟ الجواب هذا خطأ. وأنه ينبغي أن نفرق بين طريقة الموازنة التي هي إبقاء أهل السيئات على سيئاتهم مع ما عندهم من حسنات، فهذا باطل لأنه جمع بين الحق والباطل. وأما الذي يدعو إليه مشايخنا فهو الذي يقصد منه الرحمة والرفق واللين والحلم والحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل وفي معاملة الآخرين. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرا كان أو كبيرا، أمره إلى الله تعالى». ما دام مسلما مؤمنا، فإننا نصلي عليه، ولا نترك الصلاة لأجل ذنب. وليس معناه كما قلنا عدم ترك الصلاة معناه على الإطلاق لا، بعض المسائل قد لا يصلي عليه ولي الأمر أو من كان بمعناه، بما يكون فيه زجره وزجر أمثاله عن تلك الذنوب، كالقتل والغلول وهكذا، كذلك التساهل في الديون ونحو ذلك، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وأما أنه لا يصلى عليه بالمرة لا، فإنه يصلى عليه. حق المسلم على المسلم ست، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ومن ذلك أن يصلى عليه، وأن تتبع جنازته، وأن يعاد إذا مرض. فهذه من حقوق أهل الإسلام فيما بينهم. وقوله رحمه الله تعالى «صغيرا أو كبيرا» إشارة إلى أن أهل السنة لا يفرقون بين الكبائر وبين غيرها في هذا الباب، خلافا للوعيدية ومن وافقهم أو قاربهم. وقوله «أمره إلى الله تعالى» إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن منهج أهل السنة والجماعة الظاهر والباطن أمره إلى الله. نحن ما أمرنا أن نشق عن القلوب ونفتش عن الصدور، فهذا ليس إلينا، ولا هو في استطاعتنا. هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور». أما نحن لنا الظاهر، من أظهر الإسلام والإيمان، وكلنا باطنه إلى الله سبحانه وتعالى. ولو كان في بعض عباراته لحن القول، فإننا لا نستطيع أن نجزم عليه لأجل لحن قوله بأنه منافق أو أنه كذلك نحكم عليه أنه كافر أو مشرك أو غير ذلك، حتى يظهر من ظاهره ما ينافي ما عنده من إيمان أو ما عنده من إسلام. فننتبه لهذا المعنى بارك الله فيكم. وهكذا كذلك ختم بعد ذلك بقوله رحمه الله تعالى: «والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وسلم تسليما». وبهذا انتهت الرسالة، وذلك ختما للمجلس بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام والثناء على الله بما هو أهله، على ما وردت به بعض الآثار. وبهذا نكون قد انتهينا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.