الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الحديث عن خطورة التعلق بالدنيا الفانية، حيث خلق الله الإنسان للبقاء في الآخرة. الدنيا فانية ويجب عدم التعلق بها.
يتطرق الكلام إلى أن الدنيا دار ممر وليست دار مستقر، فيجب على الإنسان التوجه لطاعة الله والاستعانة بالحلال والتفكير في العاقبة.
يُناقش فضل وثمرات العمل الصالح في الدنيا والآخرة، حيث يجعل الإنسان يعيش بسعادة ويتفاوت الناس في هذا النعيم بحسب أعمالهم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب: التاسع عشر أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه، وأمن لا خوف فيه، وغناء لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه. وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف. وكذلك الغناء واللذة والفرحة والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده، يتعقبه ضده، وهو سريع الزوال. فغلط أكثر الخلق في هذا المقام، اطلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله، ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يغنم بما طلبه من ذلك، والذي اغتنم به إنما هو متاع قليل ثم يزول عنه. والرسل إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير. فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان يعيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم. فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه. فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه، فانقاد معه لداع الدين، فهو الملك حقًا؛ لأن صاحب هذا الملك حر، والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسخر مملوك في زي ملك، يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير. فالمغرور المخدوع يقع نظره على الملك الظاهر الذي صورته ملك وباطنه رق، وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة. والبصير الموفق يغير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. جعل رحمه الله تعالى هذا الموضع والسبب من أسباب بواعث الخلاص من الذنوب في التفكر في الدنيا الفانية والحرص على الآخرة الباقية. فإن من أعظم أسباب نجاة العبد وتخلصه من ذنوبه وعدم الركون إلى شهوات نفسه، وكذلك طول الأمل بالبقاء في هذه الدنيا، أن ينظر في أمر هذه الدنيا الفانية، ويتفكر ويتدبر في عظيم ما أعد الله عز وجل في الآخرة الباقية. وقد أمرنا الله عز وجل بهذا التدبر والتذكر في آيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وكما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾، وغيرها من الآيات والأدلة الكثيرة التي تدل على هذا. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة ثم تركها». فأمر هذه الدنيا كاستظلال رجل تحت شجرة، أو كعابر سبيل كما جاء في الحديث الآخر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فهذا حال من يعيش في هذه الدنيا. بل أمر الدنيا كحلم ورؤية يراها الإنسان في منامه، سرعان ما يمر ويستيقظ. فاليقظة الحقيقية هي بما يلقاه الإنسان بعد موته، فهنا يستيقظ، لكنه حين لا ينفعه تلك اليقظة. فهذه الحياة ويقظتها حقيقتها كغفوة نائم، والحياة الحقيقية الباقية هي ما سيأتي الإنسان وما سيدوم معه؛ لأن هذا الذي نمر به إنما هو طريق إلى ما بعده، طريق إلى ما بعده. فنحن مسافرون إلى الوطن الذي خرجنا منه، خرجنا من جنة عرضها السماوات والأرض، كان فيها أبونا آدم عليه الصلاة والسلام. فمن وفقه الله للنجاة في سفره من الأخطار، وأن يتعدى طرق الأشرار، فهو بإذن الله سبحانه وتعالى سيصل إلى وطنه. وأما من رضي لنفسه أن تختطفه تلك الأخطار، أو أن يكون تبع الأشرار، فإنه لن يصل إلى وطنه، بل ستكون عاقبته عاقبة أولئك الأشرار. وهذا ما لا ينتبه له الكثير من الناس. فالدنيا دار ممر لا دار مستقر، ولهذا ينبغي أن يذكر الإنسان نفسه بين الحين والآخر بهذه الحقيقة: أن الله عز وجل خلقه لدار البقاء لا لدار الفناء، ولعز دائم لا لعز يمر ويزول. وإنما ينبغي أن يتفكر فيما يبقى لا فيما يفنى، ويتأمل أن لذة الدنيا مهما طالت فهي زائلة. فإذا كان معها ما يغضب الله، فهي مبتدئة بآلام، وتمر بآلام، وتنتهي بآلام، وتبدأ بأحزان، وتمر بأحزان، وتنتهي بأحزان. أما إذا كان في طاعة الله، فهو يستعين بها على دار البقاء. فلذلك أغنان الله بالحلال عن الحرام، فما من شيء يزينه الشيطان وتدفعه النفس الأمارة بالسوء بالحرام، إلا وقد جعل الله عز وجل لك عوضه من الحلال. فليكن دعاء الحال الدعاء بلسان الحال ولسان المقال: «اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عن من سواك». ندعو بلسان المقال، وننفذ ونعمل هذا بلسان الحال. فإننا إذا فعلنا ذلك ذكرنا أنفسنا بأننا سنزول من هذه الدنيا، ثم تبقى آلامها وأحزانها وحسراتها. فإن نحن قودنا نفسنا الأمارة بالسوء في طاعة الله، فإننا نوجهها ونغنيها بالحلال عن الحرام، وبفضل الله عما سواه سبحانه وتعالى. ويزداد الأمر كذلك أهمية إذا علمنا أن هذه الدنيا دار امتحان، وأن كذلك سرعان ما يلحقها الفناء. فإذا كان كذلك، فإن على الإنسان أن يخاف أن يفشل في امتحانه، وخصوصًا أن العاقبة أمر عظيم، وهو بقاء الإنسان في نعيم مقيم أو العياذ بالله نار الجحيم. والأمر ليس بالسهل، فهو مصير لا يمكن أن يتغير ويتبدل؛ لأن الله عز وجل الحكم العدل قد حكم، وهو أحكم الحاكمين. فينبغي أن يحذر من العاقبة السيئة في ذلك. ونبه رحمه الله أن الدنيا مهما فيها من عز، فهو عز يصاحبه الذل ويعقبه الذل، ومهما كان فيها من أمن، فهو مشوب بالخوف، يصاحبه الخوف وينتهي بالخوف. ومهما كان فيها من غنى ومن لذات وفرحات وأنواع السرور والنعيم، فهو مشوب بضده من الآلام والمذال والأحزان والعذاب. فإن هذه الدنيا لا يستقر عليها حال إنسان أبدًا، بل لا بد أن يكون فيها من الأضداد ما هو محل عظة وعبرة. فكل ما فيها من حسن يزول، بل لا يكون حسنًا دائمًا ولا ثابتًا. فإذا كان الأمر كذلك، فعلى ماذا يؤثر الإنسان الدنيا الفانية على الآخرة الباقية؟ وهكذا أيضًا مما ذكر رحمه الله أن يتأمل الإنسان أنه إذا حرص على كل ما في الدنيا من ملذات ومن شهوات ومن مطامع ومن مقاصد، فمحلها أنها تكون ناقصة، هذا إذا استطاع الوصول إليها. فكيف والكثير من الناس يبدد الكثير من عمره بشيء لا يصل إليه، ولو وصل إليه وصل إليه ناقصًا مشوبًا بما يكدره ويعكره؟ والأمر كما قال الله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فالمغرور هو من ينشغل بمتاعها عما ينفعه ويبقى له في الآخرة. ولكن ينبغي أن يتفكر كما ذكر رحمه الله بحال الرسل عليهم الصلاة والسلام، أخذوا من الدنيا ما يستعينون به على الآخرة، وكان مقصدهم إعمار الآخرة. فإعمار الدنيا إنما جعل لإعمار الآخرة. فما تريده في آخرتك أن تتبنيه اليوم في دنياك، مثل ما تقول لابنك: أن تتبني مستقبلك اليوم لتلقاه غدًا. فإن جد واجتهد في دنيا بالتعلم والجد والاجتهاد، أثمر مستقبلًا قريبًا بإذن الله تعالى يكون فيه شيء من الرخاء والاستقرار المعيشي والدنيوي. والعكس بالعكس. وهكذا أيضًا والأمر أعظم من هذا بالنسبة للآخرة. فالآخرة نبنيها بهذه الدنيا بما سخره الله عز وجل لنا بالأقوال النافعة الطيبة والأعمال الصالحة، وكذلك صلاح الظاهر والباطن واستقامة الجوارح. فإذا فعلت ذلك بنيت آخرتك، فتغرس في الجنة أشجارًا بالتسبيح، وتبني بيوتًا بالذكر، وتبني قصورًا، وكذلك يعني شيئًا عظيمًا بما يكون من أنواع الصدقات والمبرات والأوقاف الخيرات. والمرء في ظل صدقته يوم القيامة. ومن بنى لله مسجدًا بنى الله له به بيتًا في الجنة. وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الكثيرة، مع ما في هذه الأعمال الصالحة والأقوال الطيبة النافعة من إصلاح القلب والنفس، وكذلك تهذيبها وترويضها على ما يحبه الله ويرضاه. فتسير بسير الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فتكون معهم في الدنيا، وبإذن الله سبحانه وتعالى تكون معهم في الآخرة. والمرء مع من أحب يوم القيامة. ولهذا قال من قال من أهل العلم: الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الله في الآخرة، ومن لم يدخلها في الدنيا لم يدخلها في الآخرة. هذه الجنة هي دينه وشرعه وعبوديته سبحانه وتعالى. فمن أقام العبودية لله عز وجل فقد دخل هذه الجنة، بأن يمرر هذه العبودية، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله عز وجل بقلبك وبجوارحك، بأقوالك وبأعمالك، بظاهرك وباطنك. فإذا فعلت كذلك فأنت دخلت جنة الله في هذه الدنيا، وجدت من لذات هذه الجنة ما يدخل عليك من الراحة والحياة الطيبة ما لا يعرفها الملوك، كما كان يقول العلماء. ولو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ لأنهم في الحقيقة حرموا هذا النعيم وهذه اللذة وهذه الحلاوة الذي يعيشها أهل الإيمان ومن عرفوا عبودية الرحمن سبحانه وتعالى. فمن دخل فيها في الدنيا فهو بإذن الله تعالى يدخلها في الآخرة. والناس يتفاوتون في هذا الخير وهذا النعيم في الدنيا، ولهذا صار أهل هذا الدين درجات. وكذلك كما أن أهل النار في دركات، كما تقدم معنا. حتى أهل النعيم المقيم فهم يتفاوتون بما يكون من عظيم عطاء الله، بما كان من سابق عمل في هذه الدنيا. كما قال سبحانه في هذا في أمر أعمال الناس وأثرها في حسن العاقبة: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. بحسب العمل ينال الإنسان ما عند الله، حتى لو زاد في إحسانه فإن الله يزيده من فضله. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وهكذا هذه الزيادة رضوان الله ورؤية الله سبحانه وتعالى، يتفاوت فيها أهل الفضل بتفاوت ما كان من إحسان منهم في هذه الدنيا. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عمر في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: أن أهل الجنة يتفاوتون في الفضل في رؤية الله على تفاوت فضلهم. فإن منهم من يرى الله في اليوم مرتين، ومنهم دون ذلك، يعني بحسب ما كان من إحسانهم وفضلهم يكون التفضل الرحمن سبحانه وتعالى لهم برؤيته واللقاء به جل وعلا. والناس يتفاوتون في هذا. وكذلك مما يعين كما ذكر رحمه الله تعالى ألا ينخدع بما يقوده إليه نفسه الأمارة بالسوء بشهوات هذه الدنيا وبما فيها، فيكون سببًا لحرمانه حسن العاقبة، وكذلك حسن الخاتمة في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق الناس وما هم عليه: «الناس يبعثون على ما ماتوا عليه». فالذي تعود الطاعة يختم الله له بإذن الله على الطاعة، والذي تعود المعصية فإنه والعياذ بالله يختم له بالمعصية أو الكفر، فإنه يختم به ويبعث عليه يوم القيامة. فلذلك عود نفسك على فعل الطاعات والاجتهاد في أنواع القربات حتى يكون ذلك دأبك وسلوكك، وبإذن الله سبحانه وتعالى تختم عليه بالدنيا، وكذلك تكون لك العاقبة الحسنة في الدار الآخرة. والله عز وجل فضله عظيم في الدنيا وفي الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الحياة الطيبة والجزاء الحسن، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين.