الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المفهوم الجذاب للخير والشر في النفس الإنسانية ودور إدراك هذا الصراع في الخلاص من الذنوب. يشير إلى تأثير الفطرة والوساوس الشيطانية في هذا السياق.
يتناول درجات أهل الإيمان وأهل النار، حيث تتفاوت درجاتهم حسب أفعالهم، ويحث على التفكر في جاذبي الخير والشر للنجاة.
يؤكد على أهمية مجالسة الصالحين وتأثيرها الإيجابي في إصلاح الفرد وتطهيره من الذنوب، ويشدد على أهمية التوبة وكثرة السجود.
يشير إلى أن الإنسان في جهاد دائم وأن التوفيق يأتي من الله تعالى، ويختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذب إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين. وكل من قاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكل من قاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين. ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا، فهو أولى بها. فالمرء مع من أحب طبعًا وعقلًا وجزاءً، وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع، وكل مرء يصب إلى ما يناسبه. وقد قال تعالى: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى الأعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل. جعل رحمه الله تعالى هذا الباعث والسبب من أسباب الخلوص من الذنوب هو النظر والتفكر والتنبه والتثبت في أمر الجاذبين: جاذب الخير وجاذب الشر. فما من إنسان إلا وله ما يجذبه إلى الخير والشر، فالنفس الأمارة بالسوء وقرين الإنسان الشيطان يدعوه إلى السوء، وما جعل الله عز وجل في قلبه من الفطرة السليمة قبل أن يرد عليها ما يرد من الجهل والظلم ودلساء السوء يدعوه أصل هذه الفطرة إلى الخير. فيزداد هذا الخير لما يكون من إقباله على دين الله جل وعلا وشرعه. ولهذا أرسل الله عز وجل الرسل وأنزل الكتب ليعين هذا الإنسان على نفسه الأمارة بالسوء ولينتصر على شياطين الجن والإنس فيسلك الدين القويم والصراط المستقيم الذي به يعلو بنفسه إلى عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين والمهديين. والموفق من وفقه الله. ولا يزال الإنسان في صراع مع نفسه الأمارة بالسوء بما تقذفه شياطين الإنس بوسوستها وكذلك نفتها. ولهذا أمر الإنسان أن يستعيذ من الشيطان بلسان الحال وبلسان المقال، بلسان المقال بما يكون من دعائه وتعوده ومحافظته على ذكر ربه: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» فأنت مأمور بالتعوذ من كل شر شر كل ذي إلا هو، شر خلقه الله عز وجل للامتحان والابتلاء. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «يولد المولود على الفطرة، والفطرة هي السلامة»، فإذا ورد عليها ما يكدرها من رفقاء السوء وتربية السوء والجهل ومخالطة أهل الجهل والظلم ومخالطة أهل الظلم تغيرت هذه الفطرة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»، أي بما يكون من إهمالهما أو ما يكون من ضلالهما أو أحدهما. وهكذا كذلك إذا أقبل الإنسان على تعلم العلم النافع وحرص على العمل الصالح فهو لا يزال يسير في طريق الجنة ويرتقي في سلم الإسلام ودرجات الإيمان حتى يصل إلى أعلى الدرجات. كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وهكذا كذلك مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. وبحديث أبي هريرة كذلك: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء»، وفي الصحيح: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». وفي حديث عبد الله بن عمر: «يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فلا يزال يرتقي يرتقي بهذا القرآن علمًا وعملًا حتى يصل إلى أعلى الدرجات. وهكذا حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية مسلم: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». فإن من الناس من يبقى في الأدنى، وإن من الناس من يستوعب فيصل إلى الأعلى. فأهل الإيمان درجات كما أن أهل النار كذلك دركات، بقدر ما يفعل هذا الإنسان من خير أو شر، فهو إما أن يرتقي بنفسه إلى أعلى الدرجات وإما أن يهوي بنفسه في أسفل الدركات. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن العبد ليتكلم بالكلمة، وفي رواية: من سخط الله، لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفًا»، يعني سقوطًا في أعمق الدركات. وفي الرواية الأخرى: «أبعد ما بين المشرق والمغرب». وهذا كلمة واحدة، فما بالك بكلمات؟ وفي الحديث الآخر: «من قطع شبرًا، شبر واحد من أرض، طوقه من سبع أراضين». انظر يهوى به أن يطوق في دركات النار عمق سبع أراضين، وهذا بعمل واحد، فكيف إذا تتابعت الأعمال السيئة؟ فإنها لا تزال تهوي به حتى إذا بلغ الشرك والكفر وتعدى ذلك إلى النفاق فإنه يكون بأسفل سافلين، كما أخبر الله عز وجل عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار. إذن أهل النار دركات كما أن أهل الجنة درجات. فإذا كان كذلك، فعلى المسلم الذي يريد السلام لنفسه والخلوص من ذنوبه أن يتفكر في جاذب الخير والشر، وأن جاذب الخير يجره إلى أعلى الدرجات، وأن جاذب الشر يجره إلى أسفل الدركات. فالعاقل ينبغي أن يؤثر الآخرة الباقية عن الدنيا الفانية. ماذا عساك أن تغنم بلذة شهوة من شهوات الدنيا فانية يلحقها حسرات لا تنقطع وعذاب في الدركات ليس له وصف. فإذا تأمل الإنسان هذا وزاد أنه كلما ابتعد عن أسباب الهبوط في الدركات والصعود في الدرجات، وأنه له من النعيم المقيم وعظيم رضوان رب العالمين ما لعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإنه يؤثر أن يكون في عليين. وليس الأمر بأن يتكلم بلسانه ولا يفعل ذلك بجوارحه وبنانه، بل لا بد أن يتبع هذا العلم عملًا. ومن أول العمل أن يحمي نفسه من الذنوب والمعاصي، وإذا زلت قدمه أن يبادر بالتوبة ويعجل قبل أن تأتيه المنية فيندم حيث لا ينفع الندم. بل لا يزال على المبادرة والمسارعة على التوبة متى ما زلت به قدمه وخانه حاله مع نفسه الأمارة بالسوء. فإذا صار الإنسان في هذا الجهاد فهو بإذن الله سبحانه وتعالى سينجو وسيظفر وسيفوز. وأما إذا كان غافلًا لاهيًا فإنه يكون له بهذا والعياذ بالله الخسارة والهلاك. وهذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة في مرض موته، وفي آخر حاله مع مرضه وآخر كلمة قالها كما ذكرت عائشة رضي الله عنها: وقد مات بين حاقنتها وذاقنتها، يعني في حجرها، فكان آخر ما قال: «في الرفيق الأعلى»، كررها كما في رواية ثلاثًا. ومعنى أن الله خيره بين أن يمد في عمره فيبقى وأن يتوفاه فيرقى إلى الرفيق الأعلى، فاختار أن يكون في الرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام. قالت عائشة: فاستيقنتم أنه الموت وأنه اختار الرفيق الأعلى، فكان ذلك آخر ما قال عليه الصلاة والسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف». فقلوب الناس على حسب ميولها وطباعها. فإذا كان ميوله كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله إلى أهل السوء فليعلم أنه في خطر وأنه لن يكون إلا مع أهل السوء. وأن من كان روحه تميل إلى أهل الخير فهو بإذن الله سبحانه وتعالى معهم، كما كان معهم في الدنيا فهو معهم بإذن الله سبحانه وتعالى في الآخرة. كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ رفقتك في الدنيا أهل الطاعة وطريق من سار على هذا الطريق من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فكذلك أنت في رفقتهم إن شاء الله بالدار الآخرة. وهكذا كذلك العكس بالعكس. وهذا يؤكده ما تقدم في الجليس الصالح وجليس السوء، بل ربما يكون رجل سوء يجالس الصالحين فتكون مجالسته للصالحين سببًا لإصلاحه ولتطهير ما هو عليه. مثل النجاسة أو الثوب النجس إذا غسل بماء، فإذا غمس في ماء كثير لم يضر الماء، ولكن الماء نقى هذا الثوب النجس. والطهور ماء الحل ميتته. وأما إذا كان الماء قليل فالنجاسة كثيرة فإن الماء هذا ماذا يتنجس؟ وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». بماذا؟ بما كان من صلاحهم وسمعه للخير معهم، فهذا يعينه بإذن الله سبحانه وتعالى على التوبة والصلاح. فلذلك لا يزهدك الشيطان فيقول: أنت إنسان نجس، أنت إنسان سيء، فيقنطك من رحمة الله أبدًا. اغلب الشيطان وقل: النجاسة تطهر، والقدارة تزول، والذنوب تكفر، وباب التوبة مفتوح. فأقبل على الله سبحانه وتعالى وجالس الصالحين واحرص على طريق الخير، وبإذن الله سبحانه وتعالى ستجد آثار ذلك. ولا تقف عند الأماني، ولكن أتبع ذلك بالعمل. وفي حديث الرجل الذي جاء في الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو الله أن يكون رفيقه ومعه في الجنة، فقال: «فأعني على ذلك»، يعني هذا الدعاء بكثرة السجود. فالنبي صلى الله عليه وسلم سيدعو وهو مجاب الدعوة، ولكن لم يكتفي بهذا، بل طلب من الرجل أن يعينه على قبول الدعاء بكثرة السجود. فإذا كان الإنسان كثير السجود لله سبحانه وتعالى أعانه ذلك على أن يكون في رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ولهذا قال العلماء: من أعظم ما يعين التائبين ويصلح أحوال المذنبين أن يكثر من السجود والانكسار بين يدي رب العالمين. فمن أكثر السجود أعانه الله لتوبة صحيحة وإنابة مستقيمة وخلوص بإذن الله سبحانه وتعالى من الذنوب. إلهث بدعائك لربك وخالقك أن يعينك الله على نفسك الأمارة بالسوء، حتى ولو كنت مذنبًا، انكب ساجدًا لله عز وجل. ولهذا شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله إليه سجدتي التوبة. لماذا؟ لأنها تعين العبد على الإقبال على ربه. الإنسان بعد التوبة يشعر بحسرة وندم، فإذا استغلت هذه اللحظة أعانك ذلك على الخلاص من التوبة والذنب. ويؤكده أنك لم تتكلم بلسانك ولم تتفكر بقلبك وعقلك، ولكنك أقبلت بصلاة تريد التوبة من الله. فعند ذلك تنكب العبرات وتحصل من معاني الصدق ما يعينك بإذن الله سبحانه وتعالى على التوبة، حتى ولو تكرر الذنب، فلا تتردد بأن تكرر هذه الصلاة. كرر هذه الصلاة بعد كل ذنب تذنبه، واعلم أنه مكفر لهذا الذنب بإذن الله تعالى إذا صدقت. وهذا مما يعينك أن ترقى بنفسك إلى العلو وأن تنجذب إلى الخير. وأما إذا رضيت لنفسك بالسفول فأنت بهذا قد انهزمت ورضيت لنفسك بالهزيمة. ولا يزال الإنسان في جهاد، والموفق من وفقه الله. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.