الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 16، تابع : 26-الجهاد . 27-المرابطة في سبيل الله عز وجل . 28-الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الجهاد في سبيل الله واجب، مستدلاً بالقرآن والسنة، ويوضح شروطه وضوابطه. له حكم عظيمة مثل إعلاء كلمة الله.
الجهاد له أهمية كبيرة في الإسلام، منها دخول الناس في دين الله وحماية الضعفة وتحقيق العدل. كما أنه رحمة للناس حتى للكفار.
المرابطة تشمل أبواب الخير المختلفة، مع التركيز على الجهاد. الثبات عند لقاء العدو مهم، مع استثناءات محددة للتراجع أثناء القتال.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. مر معنا فيما سبق ما ذكره المؤلف، رحمه الله، في الشعبة السادسة والعشرين من شعب الإيمان: الجهاد في سبيل الله. وذكر رحمه الله عددًا من الآيات والأحاديث التي تدل على وجوب وفرضية هذه الشعبة من شعب الإيمان. من هذه الآيات آية سورة الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وهي عامة تتناول جميع أنواع الجهاد. وهكذا كذلك آية سورة المائدة: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ في صفات أهل هذا الدين. وكذلك آية سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، وقوله: ﴿وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ يعني يندفع به شر الكفار، ويكون به عدم جرأتهم وتسلطهم. وهذا في حق الكافر الحربي، أما غير الحربي فيحسن إليه بما يكون فيه جذبه وتأليفه إلى هذا الدين. ولهذا كان من معاني المؤلفة الذين هم أحد أصناف الزكاة: أصناف من الكفار، على تفاصيل معروفة في كتب الفقه وكلام أهل العلم. وهكذا كذلك نحو هذا قول الله عز وجل: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الآيات في سورة التوبة. ويدل كذلك على وجوبه، بل على عدم جواز التأخر عند النداء له في الجهاد الشرعي الصحيح الذي تتوفر فيه شروط وضوابط الجهاد الشرعية. ثم ذكر كذلك آية سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، والمراد به الزيادة في الحث، وذلك لما فيه من المصالح الكثيرة التي يكون بها عز الإسلام والمسلمين. فإن قال قائل: كيف هذا مع الأوضاع التي يعيشها المسلمون اليوم، ومع الاتفاقيات التي أبرمها حكام المسلمين؟ فهل هذا ينافي مثل هذه الآية؟ وهل يعد نفاقًا أو كفرًا أو ردة كما يقوله بعض من ينادي بالجهاد؟ الجواب: لا. فيجوز للمسلمين في مواضع أن يوقعوا أو أن يبرموا الاتفاقيات التي يكون فيها الصلح مع الكفار. وقد حصل هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى علينا ما وقع في الصلح الحديبية من الغضاضة على المسلمين في تلك الشروط القاسية التي فرضها الكفار، فلحكمة ووحي من الله وافق النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشروط. وفي هذا الحدث العظيم دروس وحكم عظيمة من أهمها ما يناسب أحوال المسلمين في هذا الزمان، فإن أحوال المسلمين في هذا الزمان تشبه ما وقع في ذاك الزمان. وكما قيل: ما أشبه الليلة بالبارحة. فيحتاج المسلمون إلى أن يبرموا مثل هذا المعنى ليدفعوا عن المسلمين الشر، وليكون كذلك به حفظ جناب هذا الدين، وغير ذلك من المصالح الكثيرة. ومن لم يفقه مثل هذا المعنى ربما دفعه سوء فهمه إلى مثل تلك الأحكام والتهم التي لم تقف عند هذا الحد، بل ربما تطاولت على العلماء الناصحين والدعاة المخلصين الذين يريدون ما عند الله، ويتكلمون بما يقربهم إلى الله ديانة لا لدنيا ولا لغير ذلك. فننتبه لهذا، بارك الله فيكم. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». وهذا يدل على فضل الجهاد في سبيل الله. وحديث عبد الله بن أبي أوفى، وفيه كذلك هذا المعنى من الأمر بالجهاد والصبر عند لقاء العدو. وقد جاء معناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». فيه فضل الجهاد، وأنه سبب عظيم لدخول الجنة، وما أعد الله للمجاهدين من الفضائل العظيمة. فقد أعد الله عز وجل للمجاهدين جنانًا، وليس الجنة واحدة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن في الجنة مئة درجة أعد الله عز وجل تلك الدرجات للمجاهدين في سبيله. وفضل الله واسع. وهكذا كذلك فيه الأمر بالصبر على ما قد يبتل به المجاهد في سبيل الله. ومن حكمة الله عز وجل ولطفه أنه يخفف عن المجاهد في سبيل الله ما يجده في الجهاد، حتى أن مصابه يكون كالقرصة كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والجهاد في سبيل الله من الواجبات والفرائض التي لا يجوز للمسلم أن يتخلف عنها إذا وجبت. وإذا لم تجب فلا يجوز له أن لا يحدث نفسه بها. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق». نسأل الله السلامة والعافية. فلذلك يجب على كل مسلم إذا وجب الجهاد الشرعي الصحيح أن يبادر به، سواء أكان فرض عين فيجب على كل مسلم قادر مستطيع، أو فرض كفاية فيقوم به البعض، وبشروط وضوابط معروفة في كتب أهل العلم. وإذا لم يكن فلا أقل من أن يحدث المسلم نفسه به، محبًا لهذه العبادة والطاعة. وللجهاد في سبيل الله حكم كثيرة، من أعظم هذه الحكم ما ذكر في الحديث: «أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلاء»، سواء بجهاد الطلب أو جهاد الدفع. ولا ينافيه ما قد يناله المجاهدون من المغنم إذا أخلص المسلم نيته وأصلحها. وإن كان قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر: «ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم». فكونه يعجل له أو يعجل له أجره لا ينافي ذلك ما عد الله للمجاهدين من الأجر، فهو وإن لم ينل الأجر كاملًا في هذه الغزوة، فعسى أن ينالها في غزوة أخرى، وعسى أن تكتب له الشهادة في أخرى وهكذا. ومن حكم الجهاد كذلك في سبيل الله ما يكون به كذلك دخول الناس في دين الله عز وجل، فبالجهاد بنوعيه: بالحجة والبرهان، وبالسيف والسنان، يدخل الناس في دين الإسلام. وهذه نعمة عظيمة. وإذا كان كذلك فينبغي أن يراعى آداب وأحكام الجهاد العظيمة الحكيمة التي ذكرها العلماء بما أخذوها من أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. إذ بتلك الآداب والأحكام يكون الجهاد على أجمل وأحسن صوره، فيدخل به الناس في دين الله أفواجًا. انظروا كيف فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالأسرى. والإسلام كما يأمر بالرحمة، ويأمر كذلك بالرفق، فهو كذلك لا يرضى أن يعتدي عليه أحد. ولذلك من خان أو كاد أو فعل ما يقتضي العقوبة، فقد جعلت له العقوبة في هذا الدين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة حين نقضوا العهد. ومن نظر إلى هذا بعين عوراء ظن أن الجهاد فيه من الجفاء والقتل ما ينافي جمال هذا الدين. والحقيقة: ليس كذلك، كما تقدم. بل الجهاد لو تأملت إلى أحكامه وآدابه بنظرة شاملة دقيقة لعلم أنه رحمة للناس، رحمة للكافر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يعذب قومًا يدخلون الجنة بأساليب مختلفة». يدخلون الجنة «بالسلاسل»: كيف؟ كفار يؤسرون، فيأخذون إلى بلاد الإسلام، فلا يقتلهم أهل الإسلام، فإذا رأوا حال المسلمين عن قرب دفعهم ذلك للدخول في هذا الدين، كما صنع بثمامة بن أثال: مشرك أسر، فربط في سارية المسجد ثلاثة أيام، تركه النبي صلى الله عليه وسلم يتعرف على الإسلام عن قرب، كلما مر عليه: «ماذا عندك يا ثمامة؟» وهو يقول: «خيرًا يا رسول الله». حتى في الثالثة أمر بفكه، فذهب واغتسل، وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم يتشهد بشهادة الإسلام. فهذا في الحقيقة رحمة. ومن حكمة كذلك أنه سبب لحماية الضعفة، ليس من المسلمين فقط، بل حتى من غير المسلمين. لأن بالجهاد يقام العدل في الأرض، فليس هناك دين يستطيع البشرية جمعًا أن يجد فيه معاني العدل مثل دين الإسلام. فدين الإسلام خير للكفار والله مما هم فيه، ولكنهم لا يعقلون. لكن الإسلام الحق الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ليس ما حكاه عليه أحوال الناس مما فيه أثرة الدنيا أو تعطيل بعض الأحكام أو التخلف عن بعض الآداب وغير ذلك، حتى شوه جمال هذا الدين. الإسلام الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والله إنه خير للكفار مما هم فيه، فإنه لا يأمرهم إلا بما فيه الخير لهم في الدنيا وفي الآخرة. والذي أراده الله لهم في الآخرة لا يجبرون عليه، إما أن يدخل في دين الإسلام، وإما أن يدفع الجزية، ولا يحاربون المسلمين. وإن قال قائل: لماذا الجزية؟ الجزية في مقابل ما يقوم المسلمون من الإحسان للمسلمين والكافرين الفقراء والضعفة، وما تقوم به مصالح الناس جميعًا. فاليهودي أو النصراني أو الكافر الذي في دولة الإسلام إذا لم يكن عنده نفقة من ينفق عليه، بيت مال المسلمين ينفق حتى على الكافر. حتى الكافر ينفق عليه أهل الإسلام، وينفق عليه من عطاء أهل الإسلام وغيرهم. فالمسلم الغني يدفع: الزكاة، والكافر يدفع: الجزية، لأنه ليس عليه زكاة. فيدفع في مقابل الزكاة: الجزءية. حتى لا يظن أن الجزية عبارة عن ظلم، لا. ليس بظلم، بل هو عين العدل. واليوم الدول الكافرة، ومن تشبه بها من الدول المسلمة، تفرض على المسلمين، وتفرض على غير المسلمين من الضرائب والمكوس ما هو أعظم من الجزية التي أمر بها دين الإسلام. لو تأمل هؤلاء الكفار، وهم يتهمون الإسلام بهذه الشبهات التي يريدون أن يشوهوا جماله، حال أنفسهم، لعلموا أنهم والله يظلمون هذا الدين، ولم يسلكوا مسلك العدل. وإلا فهم يدفعون من الضرائب والمكوس ما هو أعظم من الجزية التي يتهمون بها أهل هذا الدين أنها من مواضع الشبهات التي يريدون يشوهون جمال هذا الدين. يدفعون في كل شيء، حتى الماء الذي يشربونه فيه ضريبة، والأرض التي يمشون عليها فيها ضريبة، والهواء الذي يتنفسونه فيه ضريبة، واللباس الذي يلبسونه فيه ضريبة. فهناك ضريبة للطبيعة، وضريبة للأشجار، وضريبة للغازات في المدن الصناعية، وضريبة للبنزين، وضريبة للماء، وكل شيء فيه ضريبة. ما فيه شيء ما فيه ضريبة، حتى الخارج فيه ضريبة، والماء الداخل فيه ضريبة، والماء الخارج فيه ضريبة. كل شيء بضريبة. ومن يعرف أنظمة الكفار ودخل بلادهم عرف هذه الحقائق. فأيهما أرفق بالكفار: نظام الإسلام أم نظام الكفار؟ والله: نظام الإسلام ليس فقط في الدين، بل حتى في الدنيا. بل حتى في الدنيا، ولكن أكثر الناس لا يعقلون. قال رحمه الله تعالى: السابع والعشرون من شعب الإيمان: المرابطة في سبيل الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ولحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في صحيح البخاري: «رباط يوم في سبيل الله عز وجل خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها». والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة، لأن المرابط يقيم في وجه العدو مثل قيامه متأهبًا مستعدًا له. هذه شعب أخرى من شعب الإيمان ذكرها البيهقي رحمه الله، وتابعها هاهنا المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الشعب. وفي ذلك عند أهل العلم: نظر. فبعض أهل العلم يجعل هذا يدخل في الجهاد في سبيل الله، وبعضهم يجعله شعبة منفصلة. والأمر في هذا واسع. الحاصل: هو موضع من مواضع الجهاد التي يتأكد فيها هذا الأمر الخاص فيما يتعلق بالمرابطة. وقد جاءت أدلة كثيرة، منها ما أشار إليه في سورة آل عمران: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. وهذه المرابطة عامة تشمل المرابطة على الجهاد، والمرابطة في سائر أبواب الخير. ولهذا قال العلماء: معنى الرباط في دين الإسلام واسع، يدخل الرباط في الجهاد، والرباط في غيره من أعمال الخير والبر. فطالب العلم يؤمر بالمرابطة على تعلم العلم والاستمرار فيه، والمصلي يؤمر بالمرابطة في المحافظة على الصلوات، وانتظار الصلاة. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في تسمية من ينتظر الصلاة أنه مرابط، كما قال: «ذلكم الرباط، ذلكم الرباط». حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. يعني ما دام ينتظر الصلاة، ولا يزال العبد في صلاة من انتظار الصلاة. كما صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك بالصحيحين عنه رضي الله عنه. وغير ذلك يدخل في معنى هذا العموم. وكذلك هناك معنى خاص، وهو المقصود في الحديث، وهو الرباط في الجهاد، كأن يكون على موضع من المواضع التي يحمي بها مواضع المسلمين، فهو من الرباط. ومن ذلك: رجال الأمن، وكذلك جيوش المسلمين، فهم من المرابطين في سبيل الله ما داموا يحفظون على المسلمين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فهم بإذن الله في رباط، ويؤجرون إذا احتسبوا هذا الأجر العظيم الذي جاءت به الأدلة. لأنهم في حراسة يحفظون بها دماء وأموال وأعراض المسلمين، فيدخلون في هذا العموم. حتى من لم يكن بهذا المعنى، يعني أنه رجل أمني، لكنه يقوم بما فيه معنى حفظ أموال وأعراض ودماء المسلمين، فكذلك يدخل في معنى الرباط، لكنه درجات كما تقدم. حتى انتظار الصلاة رباط، لكنه درجات. وفي حديث سهل بن سعد هذا الفضل العظيم الذي أعده الله للمرابطين في سبيله، وهو أعظم الأجور في أعظم الأعمال، والأنواع من الرباط، وهو ما كان في الثغور وما كان بمعناها في مواجهة الأعداء. وكلما عظم البلاء عظم الأجر، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أجرك على قدر مشقتك». قال رحمه الله تعالى: الثامن والعشرون من شعب الإيمان: الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيات، ولحديث عبد الله بن أبي أوفى في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». هذه شعبة أخرى من شعب الإيمان ذكرها المؤلف، كما ذكرها البيهقي رحمه الله. وبعضها للعلماء أدخلها في المعنى العام، وهو الجهاد في سبيل الله. ولورود بعض الأدلة الخاصة أفردت شعبة من شعب الإيمان. فالثبات أمر الله عز وجل به عند لقاء العدو، وعدم الفرار من الزحف. والفرار من الزحف من أكبر الكبائر، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومرت معنا الأحاديث في هذا الباب. وكذلك في الأمر بالثبات تضمين معنى عدم الفرار، وزيادة. إذ فيه عدم الفرار، وفيه كذلك ما يجب من مدافعة الأعداء. فليس المقصود أن لا يفر، ثم يكون جبانًا أو يكون ضعيفًا، بل يثبت ويكون قويا، لا يفر ويكون شجاعًا، فيؤدي المقصود من الجهاد في سبيل الله: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلاء. وقد مر معنا أن الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر. وقد استثنى الشرع صورًا مما يكون فيه معنى مأذون مشروع، فلا يجوز أن يفر إلا كما جاء في الآية: آية سورة الأنفال: ﴿مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، يعني: يفر ليكر، أو يذهب ليعد العدة للغزو مرة أخرى، أو كذلك يتحيز إلى أصحابه ويحتمي معهم وبهم. فما كان بهذين المعنيين فهو ليس من الفرار من الزحف. وما كان لتكون كلمة الذين كفروا هي العليا، فهذا هو الفرار من الزحف. ولهذا قال العلماء: الضابط هو أن يبقى فيها معنى أن تكون كلمة الله هي العليا. وذكر الحديث الذي تقدم الكلام عليه. وهذا في الحقيقة يدخل أكثر مباحثه فيما تقدم. نكتفي بهذا القدر. وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: يسأل: إذا كان ولي الأمر ظالمًا، هل يجب احترامه له؟ وكيف صفة الاحترام؟ نعم، يجب أن يعطى حقه، وذلك بطاعته وعدم مخالفته، وعدم الطعن فيه، وغير ذلك مما جاءت به الأدلة الشرعية، ما دام مسلمًا. فما وقع من تقصير ما دام في دائرة الإسلام، فعليه نؤدي لهم الذي لهم، ونسأل الله الذي لنا، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فإن الله سائلهم عما استرعاهم، وسائلنا نحن فيما يجب من طاعتنا لهم في طاعة الله. فنحن نطيعهم لطاعة الله، ليس لدنيا ولا لشيء، لكن لله سبحانه وتعالى. والله سبحانه أمر بطاعتهم، لماذا؟ لأجل أن في ذلك مصالح دينية ودنيوية ينتفع بها الناس. وكما يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى: «ليلة بغير أمير خير شر من ألف ليلة بأمير ظالم». لماذا؟ لأن ما دام الأمير الظالم موجودًا، الأمن موجود، وأحوال الناس تستتب. لكن ليلة واحدة بدون أمير: ماذا يحصل؟ يحصل من سفك الدماء، وانتهاك الأموال والأعراض، والبغي والعدوان من أهل الظلم بعضهم على بعض، ما هو أعظم شرًا من ذاك الذي كانوا يظنون أنه شر. فصار ذاك الشر، وهو الصبر على ظلم الأمير الظالم، أخف من هذا الذي كانوا يطمعون: وهو إزالته. فأزالوه ووقع الشر. وهذا هو الحال الذي ابتليت به الكثير من المجتمعات. ونسأل الله عز وجل أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعًا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبي محمد وآله وصحبه وسلم.