الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 37، 69-الستر على أصحاب القروف:أي الذنوب . 70-الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية الستر على أصحاب الذنوب والصبر في الإسلام، حيث يعتبر الستر من شعب الإيمان ويعين على الإصلاح والتوبة، والصبر سبب لخيري الدنيا والآخرة. يبرز الأجر العظيم للصابرين وكيفية استعانتهم بالصبر والصلاة على إصلاح دينهم ودنياهم.
يقسم هذا الفصل الصبر إلى ثلاثة أقسام: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله، ويبرز أهمية الصبر في إصلاح الدين والدنيا. يشير إلى أن البلاء قد يكون سببًا لرفع درجات الإنسان وتكفير سيئاته إذا صبر واحتسب.
يتناول هذا الفصل وجوب اجتناب الخبائث المذكورة في الشرع لما تسببه من أضرار في الدين والدنيا، ويشدد على أهمية اجتنابها لحفظ الدين والمال والصحة والعلاقات الأسرية. يشير إلى أن اجتناب الخبائث واجب على كل مسلم لسلامة دينه ودنياه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «الستر على أصحاب القروف» أي الذنوب، يعني ومن شعب الإيمان الستر لأصحاب الذنوب، وسيأتي معنا أن هذا مقيد بمن ينفعه الستر. قال لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولحديث سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين عن أبيه: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة». من شعب الإيمان الحرص على الستر لأهل الإيمان والإسلام بما يعينهم على التوبة، ويحفظهم، ويحفظ المجتمع مما قد يظهر من ذنوبهم إذا كُشفت، وهذا هو الأصل: ستر الذنوب، إذ في هذا إعانة على الإصلاح، وعدم نشر السوء في المجتمع، فيكون سببًا للجرأة عليه. وذكر رحمه الله الآية، وفيها كما هو ظاهرها حث أهل الإسلام والإيمان من باب أولى على عدم إشاعة الفاحشة، ومن إشاعتها نشر الأكاذيب فيها. وليس من الحكمة في الفاحشة إذا وقعت حقيقة أن تشاع، بل ما يفهم من الآية أن المطلوب في ذلك كالستر، لأنه لا يفرح بذلك مؤمن، بل المنافق هو الذي يفرح بهذا. فهي كالمصيبة، من يفرح بالمصيبة لا أحد، بل هي مصيبة أعظم من المصيبة الدنيوية، فلذلك صاحبها يحب الستر، وكل من يحبه يحب له الستر. وكذلك ينبغي أن يكون من جميع أهل هذا الدين، مع ما في ذلك من مصالح ما أمر به الشرع لم يأمر به إلا لأن فيه مصالح للناس. فأولًا: فيه إعانة لهذا المخطئ أن يصحح خطأه وأن يتوب. وثانيًا: فيه كذلك حفظ له أن لا يتجرأ على ذلك مرة أخرى، لأنه إذا كُشف قد يكون ذلك أجرأ له، حتى لو أظهر التوبة الآن فهو سيدفعه الشيطان بأنه قد كشف أمره، فقد يهون عليه المعصية في المستقبل. وأمر آخر: أن الستر عليه كذلك سبب لعدم إشاعة الفاحشة في المجتمع، فلا يتجرأ أحد على هذه الفاحشة وهذا الذنب، بخلاف ما إذا أُشهر، فمن كان حاله مثل هذا الإنسان أو دونه سيقول: قد وقع فيها فلان، ويجرئه الشيطان للوقوع في مثل ذلك. وسيكون سببًا لاستصغار الذنوب والمعاصي، فيكون من سن السنة السيئة في المجتمع. ولذلك لا يتلقفها إلا أهل الفساد، إما لضعف دينهم أو لضعف فهمهم ووقوع الجهل عندهم. فقد يكون بعض الناس من هذا الصنف، وبعضهم من هذا الصنف. وإلا أهل الدين العقلاء بما علموا من هذا الدين، مع ما أعطاهم الله عز وجل من حسن الفهم، يعلمون أن الحكمة في مثل هذا المقام هو الستر. وهكذا كذلك من مصالحه أنه سبب لقوة أهل الحق، لأن الذنوب إذا انتشرت في المجتمع كان سببًا لضعف أهل الحق وقوة أهل الباطل، والستر بها لا شك أنه يعين على قوة أهل الحق. ولهذا كان الذنب إذا جُهر به صار ذنبًا فوق الذنب الذي لا يجاهر به. لماذا؟ لما فيه من هذه المعاني التي يكون بها زيادة الإفساد. فلذلك إذا ستر الله على العبد فلنعنه على هذا الستر، ونأمره بالتوبة. وليس من هذا الباب الستر على الظالم والمفسد والذي يتكرر منه الذنب والشر، لأن أمثال هؤلاء الستر عليهم يكون فيه زيادة شرهم وإفسادهم، بل يُحذر ليحذر. وليس من الستر كذلك إحقاق الحق، فلا يقول إنسان إذا علم أن إنسانًا ما سرق: استروا عليه. طيب استروا عليه، يرد المسروق أو لا يرد؟ يرد المسروق، ليس استروا عليه ويبقى على ما هو عليه، لا يرد المسروق ويتوب توبة نصوح، وهذا يستر عليه. ومن باب أولى إذا كان هذا الرجل معروفًا بكثرة السرقة، مثل هذا لا يستر عليه، بل ينبغي أن يُحذر منه. لماذا؟ لأن المقصود من الستر هو الإصلاح، فإذا كان الستر لا يؤدي إلى الإصلاح بل الإفساد، فلا ستر لأمثال هؤلاء. ولا شك أن عمومات الأدلة تدل على هذا المعنى. ففي البخاري من حديث ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه» وأشار إلى امرأة. فقالوا لابن عباس: أهي الملاعنة؟ يعني التي لعنت زوجها في قصة الملاعنة. فقال ابن عباس: لا، ولكنها امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام. فاستفدنا من هذا أولًا: أن من ظهر منه السوء فإنه يكون حاله كغيره، لا يستر عليه. وثانيًا: نستفيد من هذا أن أمثال هؤلاء التحذير منهم ليس من الغيبة، فليس لفاسق أظهر فسقه غيبة. وهكذا كذلك ثالثًا: أن هذا الباب لابد فيه من بينة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. فالمقصود من هذا أنه ينبغي أن يراعى في هذا أمر الإصلاح، فإذا علمت هذه أو علم هذا المقصد زال الإشكال في كثير من المسائل. وحديث أبي هريرة حديث عظيم تناول آدابًا كثيرة، ومن هذه الآداب ستر المسلم، فمن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة، وهو على ما تقدم، وفيه كذلك عدم ظلم المسلم، والمطلوب نصرته، وعدم إسلامه، أي خذلان المسلم مع المسلم، والمقصود إعانته. ومن ذلك أن يقوم في حاجته، وأن يفرج كربته، وأن يستره في مواضع تعين هذا المسلم على الإصلاح في هذا الستر. قال رحمه الله تعالى: «الصبر على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة» لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وعن مجاهد وغيره أنه أراد بالصبر الصوم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وغيرها من الآيات. ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين قال: جاء ناس من الأنصار فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، قال: فجعل لا يسأله أحد منهم إلا أعطاه حتى نفد ما عنده. ثم قال لهم حين أنفق كل شيء عنده: «ما يكون عندنا من خير فلن ندخره عنكم، فإنه من يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ولن يعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيهما أيضًا، يعني الصحيحين، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وهو يعكُّ وعكًا شديدًا، يعني في المرض. قال: فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم». قال: فقلت: ذلك بأن لك أجرين؟ قال: «أجل، وما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها». أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان: الصبر. ثم قال: «على المصائب وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة». فمن شعب الإيمان الصبر، والصبر ثلاثة أقسام في أدلة الكتاب والسنة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله. فهذه ثلاثة مواضع أمر الشرع بالصبر فيها، ووعد الصابرين بالأجر العظيم في الدنيا والآخرة. فمن القسم الأول: الصبر على طاعة الله وعلى الطاعات، واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. سَواء فُسِر الصبر بالصيام أو على عمومه، فيكون من أعظم ما يعين الإنسان على إصلاح دينه ودنياه الصبر والصلاة. والصلاة هنا عند بعض أهل العلم هي الصلاة المخصوصة ذات الركوع والسجود، وعند البعض الآخر أعم من ذلك: الدعاء. فيكون من أعظم ما يعين المرء على إصلاح دينه ودنياه الصبر، ومن الصبر: الصيام والدعاء، ومن الدعاء: الصلاة. والصلاة في اللغة وهكذا جاء معناها في الشرع: لفظ أخص من الدعاء، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الحنو والعطف». فيكون معناه: الدعاء وما كان بمعناه من حنو وعطف حسي ومعنوي، ومنه الصلاة، ومنه الدعاء، ومنه كل قول وفعل يكون فيه الحنو والعطف والخضوع والذل لله سبحانه وتعالى. وإذا تحقق ذلك فبإذن الله يصل المسلم إلى ما فيه إصلاح دينه ودنياه. وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، في هذه الجملة عظم أمر الصلاة، فهي كبيرة إلا على الخاشعين، أي الذين أوتوا معنى الخشوع، وهو الخوف مع العلم: خشية. وفيها كذلك حسن تعبد لله عز وجل، فالمعنى: أن المسلم يستعين بهاتين العبادتين على ما يقربه إلى ربه، ويصبح حاله. ومن القسم الثالث: الصبر على المصائب، قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى آخره، فيصبر المسلم على أقدار الله المؤلمة. ومر معنا قريبًا أن الناس مع الصبر، الناس مع المصائب أربعة أقسام. وأقل ما يجب مع المصيبة الصبر، ولا يعني أنه أفضله، بل أفضله هو الشكر. فهناك صابر وراض وشاكر، فأقله الصبر. والصبر لمن احتسبه فيه أجر عظيم، ومن استطاع أن يرتقي في هذه المصائب إلى مرتبة الرضا فهو أحسن وأفضل، ومن استطاع أن يرتقي إلى مرتبة الشكر فهو أحسن وأحسن وأعلى وأفضل. وهكذا ينبغي أن ينظر إلى هذه المراتب وأحوال أهلها في هذا المقام. ومن القسم الثالث: الصبر عن معصية الله، ما أشار إليه بقوله: «وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة»، فيصبر المسلم نفسه عن الذنوب والمعاصي، فيكون بهذا له أجر عظيم. وهذا من الإيمان، لأن المؤمن يؤمن بالله ويطمع بما عند الله ويخاف من عذاب الله وغضبه، فهو يصبر نفسه عن هذه الذنوب والمعاصي، ويستعين بالحلال بما يغنيه عن الحرام بكل الوسائل: بالدعاء، وبفعل الحلال، وبالبعد عن أسباب الحرام، وغير ذلك من الأسباب العلمية والعملية التي تعينه على الصبر عن هذه الذنوب والمعاصي. فهذه ثلاثة أقسام يستعين بها المسلم على إصلاح دينه ودنياه. وإذا لم يصبر لم يفسد عليه الدين فحسب، بل كذلك الدنيا. فمثلًا لو لم يصبر على طاعة الله ضيع الفرائض، فخسر الدنيا والآخرة. ولهذا كان الأجر والثواب، وجاءت الأدل الكثير بالحث على الطاعات واحتساب الأجر فيها، لما فيها من إصلاح حال هذا الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. فإسباغ الوضوء على المكاره فيه فضل، وكثرة الخطا إلى المساجد فيه فضل، والمشي في الظلمات إلى بيوت الله وإلى الصلاة فيها فضل، كلها فيها مشاق يصبر عليها المسلم فيزداد إيمانه، ويعان على الثبات على هذا الدين. وهكذا ما عده الله له في الآخرة: بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة، وغير ذلك مما في هذا المعنى. بينما لو لم يصبر فهو سيخسر، لأنه لن ينهى عن فحشاء ولا على منكر، ولن يحجز عن سوء، بل سيوكل إلى نفسه الأمارة بالسوء، وعند ذلك ستكون خسارته. وهكذا كذلك الصبر على أقدار الله، إذا صبر نال خير الدنيا والآخرة، بما يكون من استقامته وسعادته في دنياه وأخرى، لأن الصبر على هذه الأقدار يعينه على الاعتدال في مواقفه. بينما لو تصخَّط هل رجع ما تصخَّط منه؟ مثلًا مات له قريب، هل تصخَّطه سيرد له هذا الميت؟ ما سيرد له هذا الميت. وهكذا كذلك إذا تصخَّط في مرضه، هل تصخَّطه سيأتي له بالشفاء؟ الجواب: لا، بل ربما يزيد له المرض. ولكن لو صبر واستعان بالأسباب الصحيحة لدفع هذا البلاء وهذه المصيبة بصبره وبرفق، يستطيع أن يدفعها، مع ما ينال من أجر عظيم، فهو ينتفع في دنياه وفي أخرى بما يكون من صبره مع هذه المصائب. وهكذا كذلك الصبر عن هذه الشهوات التي يطمع بها، تطمع بها النفس الأمارة بالسوء، لن يكون له بها إلا الضر، لأن الله لم يحرم على الإنسان شيئًا له فيه مصلحة، بل لم يحرم عليه إلا ما فيه الضر في الدنيا وفي الآخرة. حرم الخمر وهي تفسد العقول وتضيع المال وتضر بالأجساد وتفتح باب استساقط الناس في الفاحشة، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي تثمرها هذه المعصية. وهكذا حرم الميتة، وحرم الزنا، وحرم الكذب، وحرم الخيانة والغش، وكل ما حرمه الله لم يحرمه إلا لأن في تحريمه مصلحة للناس، فمن حكمة الله ورحمته بخلق حرم عليهم ذلك. فمن صبر نفسه على اجتناب هذه المحرمات أفلح، ومن لم يصبر فوقع فيها وقع في قاذورات تلوثه وتنجسه وتضره. فهذه قاذورات معنوية، قاذورات معنوية الذي يقع في مثل هذه الفواحش يضر بنفسه أعظم الضرر. إذا كنت لا ترضى بالنجاسة تصيب ثوبك أو تصيب جسدك، فهذه نجاسته أعظم من تلك النجاسة، نجاسته أعظم من تلك النجاسة، بل أنت مثلك فيها كمن يسقط نفسه في وسط النجاسة، في وسط هذه القاذورات التي تكون ذلة ومهانة، وكذلك عذاب في الدنيا قبل الآخرة. وانظروا إلى حال أهل المعاصي كيف أذلهم الله وأخزاهم، وهم يعيشون هذه الحياة التعيسة، هو يظن أنه مرتاح، لكن في الحقيقة عند العقلاء تعبان. مسكين صاحب الخمر لا ليله ليل ولا نهاره نهار، وصاحب الفواحش كذلك مسكين، وقل مثل ذلك في كل من لم يصبر عن معصية. وأما من وفقه الله للصبر عن هذه الذنوب والمعاصي، أغناه الله بالحلال عن الحرام، فهو قد وصل إلى ما فيه حاجته في الدنيا، عنده مثلًا الشراب الطيب الكثير يغنيه عن الخمر، وعنده كذلك النكاح الحلال عن هذا الزنا الفاحش، وغير ذلك مما يستغني بحلال الله عن حرامه. فالحاصل: حرص المسلم على الصبر سبب لخيريته في الدنيا وفي الآخرة. وذكر حديث أبي سعيد وفيه: «ومن يتصبر يصبره الله». والمعنى: إذا ابتلي الإنسان بالفقر والفاقة فليصبر، فإنه إذا صبر صبره الله، وإذا جزع فإنه لن يجد إلا الضر والخسارة. وأنت تتأمل حال مثلًا الناس في هذا الباب، الفقراء في المجتمع كثير، لكن من الناس من يصبر ويتسبب فيغنيه الله ويعينه ويوفقه للصبر. وربما إنسان آخر أحسن حالًا من هذا الفقير قليلًا، لكن ما يصبر، يذهب يسأل الناس، فتبقى طريقته ومن هجته بالحياة هو ماذا؟ المسألة، يدور من مسجد لمسجد، عنده قوة عنده عقل عنده ربما حرفة يستطيع أن يعمل ويكتسب بها، لكن رضي بهذا الطريق، لم يصبر، فسلك هذا المسلك. فحسبه من الدنيا أن يكون سائلًا من السائلين دائمًا، ويد تحت وهو ينادي يريد مساعدة ويريد صدقة. وآخر ربما ما عنده حرفة ولا عنده مهنة، مثل هذا، لكنه يصبر، ما يتعفف، ما يريد المسألة. ربما يذهب إلى السوق ويأخذ حبل ويبيع حبال، هذا سبب، أو ليس بسبب؟ يذهب إلى البادية ويأخذ حطب ويبيع حطب، فيغنيه الله أحسن من ذاك لأنه صبر. فمن يصبر يصبره الله سبحانه وتعالى، صبر قليلًا، ففتح الله عليه أولًا ربما يبيع حطب، تطور فصار يورد، تطور اشترى سيارة، تطور فتح الله عليه. ومن يصبر يصبره الله، وذاك الذي ما صبر لم يزل عند أبواب المساجد، لم يزل عند أبواب المساجد، ربما يكونان اثنان أخوان، نفس الحال، أمهم علمتهم طريق المسألة، لكن هذا لم يرتض هذا الطريق، صبر فصبره الله وأعانه. وذاك لم يصبر أخذ هذا الخط، بقي طول حاله وحياته وهو في المسألة. وهكذا قل كذلك في كل ما يبتلى به الإنسان. فأنت قد تجد مشقة طالب العلم، قد يجد مشقة في العلم مع الاكتساب والمعيشة، فأحيانًا ربما تأتيه أفكار يريد أن يذهب هنا أو هنا أو يريد أن يفعل كذا وكذا. ينبغي أن ينظر: هل هذا أفضل له في دينه؟ هو لا شك لا يرضى لنفسه أن تكون يده السفلى، لكن هل يستطيع أن تكون يده العليا وهو صابر على ما هو عليه من العلم والتعلم أم لا؟ الجواب: يستطيع إذا صبر صبره الله وأعانه وفتح عليه. وتمر أحيانًا كما يقال لبعض الناس أوقات شديدة هي محل التغير في حياة الإنسان. فأذكر لكم بعض إخواننا الذين كانوا معنا في طلب العلم، وربما كان عندهم من الذكاء ومن كثرة الحفظ ومن حسن الفهم ما يحتقر الواحد نفسه معهم. ومرت بالجميع شدة في الحياة تمر بطالب العلم، فتره يكون فيها شدة، فتأتي هواجس للإنسان: سأذهب إلى البلد الفلاني أعمل قليلًا ثم بعد ذلك أرجع لطلب العلم. فإذا خرج من طريق طلب العلم لم يستطع الرجوع، وما أكثر هؤلاء الذين خرجوا عن طريق طلب العلم فلم يتيسر لهم الرجوع إليه. فأحيانًا يكون الإنسان يسير في طريق هي خير له في دنياه وفي أخرى، فلا ينصرف عنها ما دام على خير، لا ينصرف عنه، يثبت على هذا الخير ويصبر، وسيصبره الله سبحانه وتعالى، وسيعينه على ما فيه الخير له. ثم بعد ذلك يعلم أن ليس معنى ذلك أن يخرج عن الآداب والنصائح والتوجيهات الشرعية في هذا الباب، بل يجمع بين هذا وهذا. وما سيضيعه الله. وقوله: «ولن يعطى عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» هذا تأكيد لما سبق، تأكيد لما سبق. ثم ذكر حديث ابن مسعود في وعك النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن الإنسان قد يبتليه الله عز وجل بما يكون فيه رفع درجته وتكفير سيئته. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أدخل الله عز وجل عليه موضع من مواضع رفع درجاته بهذا البلاء في مرضه، أنه يشتد عليه المرض كمرض الرجلين. لماذا؟ هل أراد الله عز وجل أن يعذب نبيه؟ الجواب: لا، بل أراد الله عز وجل أن يزيد في درجته وفضله بباب آخر من أبواب الخير. وإلا فنبينا عليه الصلاة والسلام في الطاعة هو أدخى الناس، كما قال عن نفسه، ووصفه به ربنا جل وعلا. فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله لما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك هذا موضع آخر وباب آخر يدخل له فيه فضل. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يرفعه الله عز وجل الدرجة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه فيصبر. الإنسان عند البلاء يعلم أن الخير فيما يختاره الله له. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يصيب المسلم أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. يعني تتساقط تساقطًا متتابعًا كما يحصل لأشجار الورقة. فيكون بذلك الخير له. وهكذا كذلك يرفع الله عز وجل به الدرجات. بل جاء في الحديث الآخر: حتى الشوك يشاكها، حتى الشوك الواحدة يكون له فيها بإذن الله أجر، ويكفر عنه من سيئاته. هذا سائل يسأل يقول: إذا كان الضيف لا يصلي ولم يكن هناك من يقدر على خدمته في البيت إلا شاب مستقيم، فماذا يفعل؟ يكرمه مع إدخال النصيحة عليه. وهذا سائل يسأل عن حكم القات والتدخين والتنباك، كل هذا من الخبائث، وقد قال الله عز وجل في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وكل منصف عاقل متجرد لن يشك أن هذه المذكورات من الخبائث، ولا يجادل في هذا إلا مكابر. فإذا كان كذلك فالواجب اجتناب هذه الخبائث سلامة للدنيا والآخرة. فليس فقط يسلم له دينه وآخرته، بل حتى دنياه، فهي تضر بماله وتضر بصحته وتضر بعلاقته بأسرته وبغير ذلك من المضار الكثير التي لا تعد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.