الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 6، 4-الإيمان بالقرآن وجميع الكتب المنزلة قبله . 5-الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله عز وجل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالكتب المنزلة من الله هو أحد شعب الإيمان، ويشمل الإيمان بالقرآن والكتب السابقة. يجب الإيمان بأن هذه الكتب منزل من عند الله.
يؤكد النص على أهمية اتباع القرآن والإيمان بالقدر خيره وشره. يجب على المسلم الرضا بقضاء الله وقدره والعمل بما جاء في القرآن.
الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله السابق وكتابة المقدر وخلق أفعال العباد. كل ما يقدره الله فيه الخير للعباد.
يجب على العبد أن يؤمن بقدر الله في كل أموره، ويقول عند حصول شيء بقدر الله "قدر الله وما شاء فعل". هذا يتطلب تفاصيل مذكورة في كتب العقائد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع من شعب الإيمان الإيمان بالقرآن وجميع الكتب المنزلة قبله، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾. وللآية والحديث المذكورين أيضًا كذلك من شعب الإيمان الإيمان بالقرآن وجميع الكتب المنزلة. فالإيمان بضع وستون، وفي رواية: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان. فمن شعب الإيمان الإيمان بالقرآن وجميع الكتب المنزلة. وقد دل دليل القرآن، بل أدلة القرآن والسنة على ذلك. وأشار إلى بعض هذه الأدلة منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: ما ذكر لنا على وجه الإجمال والتفصيل. فمن التفصيل ما ذكر من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وما ذكر على وجه الإجمال في آيات كثيرة كقول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وكقول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: على من سبق من الأنبياء والرسل على وجه الإجمال. وكقول الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ الآية. وفي الآية الأخرى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. وكذلك قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ وهي الآية التي أشار إليها بقوله: «وللآية والحديث» أي: الآية التي ذكرها في شعب الإيمان السابقة. الشعب الثانية الأولى والثانية والثالثة. ومراد بالحديث حديث جبريل في الصحيحين في قصة عمر رضي الله عنه، الذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنه، وفيه ذكر الإيمان، وأن من الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الحديث. والإيمان بالكتب يتضمن مباحث كثيرة وتفاصيل ومسائل عديدة، من أهمها أننا نؤمن بالكتاب الذي أنزله الله على نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، والكتب المنزلة على من سبقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، وعليه عقيدة أهل الإسلام. وكذلك من سبق من أهل الكتاب غير المحرف، خلافًا لعقائد الكفار وظلال المسلمين، ولي الظلال من الكفار، ومن ضل من الفرق الضالة من المسلمين عقائد غريبة وبعيدة عن الصواب في هذا الباب. وفي كتب العقائد تفاصيل في الرد على ظلالات من ضل في هذا الباب. فمن ذلك زعمهم أن الكتب الإلهية قد تنزل على غير الأنبياء والرسل، كزعم بعض من ضل من أهل الكتاب، ومن تبعهم من ظلال المسلمين، كقول غلاة الرافضة وبعض الباطنية الذين يزعمون أن الأئمة تتكلم بالوحي وتنزل عليه من الكتب الإلهية، فهذا من جنس ضلال من ضل من أهل الكتاب. وأما عقيدة أهل الإسلام، وما عليه من سبق ممن كان على دين الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام على خلاف هذا الباطل، فإن الله عز وجل أخبرنا أنه إنما ينزل وحيه على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من ذلك التصديق الجازم بأنها جميعًا منزل من عند الله، تكلم الله عز وجل بها حقيقة منه، بدأ وإليه يعود سبحانه وتعالى، تكلم به جل وعلا ونزله على رسله وأنبيائه وحيًا أو من وراء حجاب، كما أخبر بذلك سبحانه وتعالى. وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء. وكذلك نؤمن أنه سبحانه وتعالى كله كلام الله حقيقة، لفظه ومعناه، ألفاظ هذه الكتب ومعانيها كلام الله سبحانه وتعالى. وأن القرآن محفوظ، تكفل الله عز وجل بحفظه، وأن كتب أهل الكتاب محرفة، فمنها ما هو حق ومنها ما هو محرف، كما أخبر الله عز وجل بذلك في آيات كثيرة. ومن ذلك أن نؤمن بأن القرآن أنزله الله عز وجل بالحق، مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، فهو مهيمن على سائر الكتب المنزل على الأنبياء والرسل، كما أخبر الله عز وجل بذلك، فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وهو كذلك فيه من التفصيل، وكذلك البيان لما جاء على الأنبياء منزلا على الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام ما يغني عن تلك الكتب المنزلة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ومن ذلك أننا نؤمن بهذا القرآن المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم. ومن الإيمان به اتباعه وتقواه سبحانه وتعالى فيه، كما قال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ومن اتباعه حفظه وتلاوته وتعلمه والعمل به، بإحلال حلاله وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره والانزجار عن نواهيه، وغير ذلك من تصديق الأخبار، وكذلك العمل بالأحكام والالتزام بما فيه. وتكون بهذا الهداية للخلق، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى، وغير ذلك من تفاصيل من الإيمان بهذا الكتاب العزيز، وما أنزل على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جملة وتفصيلًا. قال رحمه الله تعالى: الخامس من شعب الإيمان الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: فحج آدم موسى». قال: وبالإسناد المذكور أنشدنا الإمام أبو بكر البيهقي -أي إسناد أول الكتاب- قال: أنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري قال: الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا وَفِي اخْتِيَارِهِ سِوَاهُ اللُّومُ وَالشُّؤْمُ ومعناه في هذين البيتين الإشارة إلى الإيمان بالقدر الذي أمر الله عز وجل بالإيمان به، فهو أحد أركان الإيمان الستة، وما يجب على العبد من الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره. وقوله: «والدهر ذو دول» يعني: من حكمة الله أن الناس يدولون في هذا الزمان، والمراد بالدهر الزمان الذي يعيش فيه هذا الإنسان، فلا يكون حاله على شيء واحد، يمر به رخاء وتمر به شدة، تمر به سراء وتمر به ضراء، ويمر به بسط بالرزق وتارة شحة وقلة ذات يد، ولله حكمة في ذلك، فهو يبتلي بالسراء والضراء والسعة والشدة، فإن أعطى أعطى بفضله، وإن منع منع بعدله، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. وقوله: «والخير أجمع فيما اختار خالقنا» يعني: على المسلم المؤمن بالله أن يرضى بقضاء الله وقدره فيما اختاره الله جل وعلا له، فالخير فيما يختاره جل وعلا لعباده، فالخيرة كلها لله سبحانه وتعالى، وربك يخلق ما يشاء ويختار، والله عز وجل يختار لعباده ما علم أن لهم فيه الخير، فالخير فيما يختاره الرب سبحانه وتعالى لعباده. وقوله: «وفي اختياره سواه اللوم والشوم» يعني: من ذا الذي يختار للعبد وهو ليس عنده معاني الربوبية والألوهية، فهو لا يعلم الغيب ولا يعلم الخلق، وقد قال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإن توجهت إلى غير الله لم تجد إلا الشر واللوم لنفسك ومن غيرك، ولكن برضاك بقضاء الله عز وجل وقدره تجد الخير الذي قدره الله عز وجل لك. والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، كما أن الإيمان بالكتب والملائكة والرسل كما تقدم، والإيمان بالله من أركان الإيمان الستة، فهو من باب أولى أنه من شعب الإيمان. فالإيمان بضع وستون، وفي رواية: بضع وسبعون شعبة، كما تقدم. ومن هذه الشعب الإيمان بالقدر. والمراد بالقدر ما قدره الله عز وجل على خلقه خيرًا وشرًا فيما يرون، وكل ما قدر الله خير، فلله الحكمة في تقديره سبحانه وتعالى لخلقه ما يقدر. وسمي القدر قدرًا من التقدير، وهو ما يقدر لهم من أفعالهم مما سبق به علم الله، فأمر بكتابته وجرى بعظيم قدرته ومضى بأمره ونهيه. ولهذا يقول العلماء: الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بدرجتين ومرتبتين، وإن شئت فقل: بأربعة مراتب. الإيمان بعلم الله السابق الذي يعني أنه علم جل وعلا بكل ما يكون في هذا الكون قبل وقوعه جملة وتفصيلًا، وهذا من لوازم الإيمان بأن الله عز وجل بكل شيء عليم. ومن ذلك الإيمان بالكتابة، أن الله عز وجل أمر بذلك المقدر أن يكتب، فأول ما خلق الله عز وجل -أي بعد العرش- القلم، فقال له: «أكتب». قال: «وما أكتب؟» قال: «أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». «أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». ومن الإيمان بالقدر الإيمان بخلق أفعال العباد، أن الله عز وجل خلق العباد وخلق أفعالهم وأعمالهم، والله خلقكم وما تعملون، أي: وعملكم. وكل هذا ليس فيه منافاة لما أثبت الله عز وجل من مشيئة لهذا الإنسان تابع لمشيئة الله عز وجل، فإن للعبد مشيئة، وللرب جل وعلا مشيئة، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ومن لم يفهم هذا المعنى حصل عنده اللبس والإشكال. ومن تدبر أدلة الكتاب والسنة وفهم ما دلت عليه تلك الدلائل حصل له من الطمأنينة واليقين ما يزول معه الإشكال الذي قد يرد على بعض الناس. والقدر سر الله تعالى، فهو من الغيب الذي لم يعلم خلقه إلا بما شاء منه، فأعلم خلقه ببعضه، ولله الحكمة البالغة في ذلك. وأشار المؤلف رحمه الله إلى دليل من الكتاب، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كل ما يجري وما يكون من عند الله عز وجل خيرًا وشرًا. ولهذا كان من الإيمان بالقدر أن نؤمن بخيره وشره من الله عز وجل. وكما تقدم هذا باعتبار ما يراه العبد، وإلا كل ما يقدره الله فيه الخير، ولكن بحسب ما يراه العبد. ولهذا الشر لا يضاف إلى الله عز وجل وصفًا، ولكنه يضاف إليه خلقًا، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. وأما وصفًا فلا يضاف إلى الله، إذ فعله كله خير، كما جاء في صحيح مسلم من حديث علي من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم وثنائه على ربه: «والشر ليس إليك». فلا يضاف إلى الله عز وجل وصفًا، ولكنه يضاف إليه سبحانه وتعالى خلقًا، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهذا هو كمال الأدب مع الله سبحانه وتعالى. وأدلة إثبات مباحث ومسائل القدر كثيرة جدًا بكتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأشار المؤلف إلى دليل اكتفى به من الكتاب، ومن السنة والحديث الذي أشار إليه، وجه الشاهد منه هو قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «فحج آدم موسى» أي: بأن ما وقع لآدم عليه الصلاة والسلام كان بقدر الله. والمراد بهذا أنه لا يستدل بالقدر على المعايب، وحتى لا يفهم الباب والموضع خطأ، ولكن المراد بذلك أن ما كان كان بقدر الله، فلا يلام العبد بعد وقوعه، وحرصه فيما إذا وقع فيرد ذلك إلى قدر الله، والأمر لله عز وجل. ولهذا أمر العبد أن يؤمن بقول الله وفعله وعقيدته بقدر الله، حتى إذا أصابه شيء يقول: «قدر الله وما شاء فعل»، أو «قدر الله وما شاء فعل»، على تفاصيل كثيرة في هذا الباب مذكورة مفصلة في كتب العقائد. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.