الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 21، 39-وجوب التورع في المطاعم والمشارب والاجتناب عما لا يحل منها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية التورع في المطاعم والمشارب واجتناب المحرمات، مستدلاً بالآيات القرآنية التي تحرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به. يُبين أن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها.
يتناول هذا الفصل تحريم الخمر وأدلة تحريمه من القرآن والسنة، ويشير إلى أن الخمر محرم بالنص والعموم، وأن كل شراب أسكر فهو حرام. يُبين أن الخمر من أسباب الغواية وله أضرار كثيرة.
يروي هذا الفصل أقوال العرب والعلماء في تحريم شرب الخمر، ويبين عاقبة شاربها من ضياع الدين والدنيا، ويحذر من عواقبه الوخيمة. يُكمل الحديث عن تحذير العقلاء من شرب الخمر.
يؤكد المتحدث صدق حديثه عن الفاسقين الجاهلين، ويعلن انتهاء الوقت المحدد للدرس، ويعد بتكملة الموضوع في درس قادم. يُنهي الدرس الحالي ويعد بالمتابعة في وقت لاحق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وجوب التورع في المطاعم والمشارب، والاجتناب عما لا يحل منها، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية. فأثبت فيها الإثم، وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، فحرم الإثم. ويقال إن الإثم اسم من أسماء الخمر، وينشد: «شربت الإثم حتى ظل عقلي، كذاك الإثم يذهب بالعقول». أورد رحمه الله كذلك من «شعب الإيمان» التورع في المطاعم والمشارب، واجتناب ما لا يحل منها، ثم ذكر هذه الآيات التي فيها ذكر عددًا من المحرمات من المطاعم والمشارب. فالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، كلها من المحرمات من المطاعم. فلا يحل الميتة، فهي من المحرمات، وهكذا الدم بكل معنى من معانيه، ولو كان للدواء والاستشفاء، فإنه لا يحل. فإن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا لحم الخنزير لا يحل بأي معنى من معانيه، لحمه وشحمه وعظمه ودهنه، وكل معنى من معاني الخنزير لا يحل أكلها، ولو كان للشفاء وطلبه. فإن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، وما أهل لغير الله به كذلك مما أهل لغير الله به، أي أريد به غير وجه الله، مما يذبح للأنصاب والأصنام والقبور والتوابيت وغيرها، مما فيه معنى الشرك والكفر. والمنخنقة كذلك، وهي بمعنى الميتة، وكل ما كان بمعنى ذلك من المحرمات. وهكذا كذلك الآية الأخرى، وذكر الدم المسفوح خرج مخرج الغالب. وبعض أهل العلم قالوا: في هذا إشارة إلى أن الدم اليسير الذي لا يمكن التحرز منه معفو عنه، كالذي يكون بين العروق وفي ثنايا العظام، فهذا يعفى عنه، فليس يدخل في معنى المسفوح. فإن كان كذلك فهذا صحيح. وأما إن فسر المسفوح السائل الكثير، فيكون معناها القليل معفو عنه، فهذا غير صحيح. فقليل الدم وكثيره حرام، لا يجوز قصد الدم، فلا يجوز أكله ولا شربه قليلًا أو كثيرًا. أما ما لا يمكن التحرز منه مما يخالط اللحم والعظم، فهذا يعفى عنه، فهو من اليسير. وليس من الدم الكبد والطحال، وإن كان فيه دم، فهو مما دل الدليل على استثنائه. وكذلك الآية التي بعدها في ذكر الخمر والميسر، الأنصاب الأزلام، فكله من الرجس «رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه». وقوله: «فاجتنبوه» فيه التحريم وزيادة. وأما قول من يقول: لا يوجد نص بالتحريم، فهذا جهل بالشرع. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة تحريم الخمر، ولعن شاربها وحاملة وبائعة ومشترية وغير ذلك. فقد لعن فيه عشرة. فكيف يقول قائل متجرئًا على كتاب الله وسنة رسوله ودين الله وعلى المسلمين: أنه ليس هناك دليل صحيح صريح على تحريم الخمر؟ فهذا من أعظم الجهل والمكابرة. فأمر ربنا سبحانه وتعالى بالاجتناب، فيه التحريم وزيادة، إذ فيه ليس فقط تحريم الخمر، بل تحريم القرب منه. وتفسره السنة، فقد لعن في الخمر عشرة بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء العشرة ليس كلهم ممن يشربها، ولكن ممن يعينوا على شربها وممن يقر شاربها. فلأجل عظم إثم شرب الخمر لعن هؤلاء العشرة، وهذا من معنى الاجتناب. فلا يجوز للمسلم أن يجلس على طاولة يدار فيها الخمر، لا يجوز. فهو من الاجتناب. ولا يجوز له أن يوصلها أو يمدها لأحد، فهو من التعاون على الإثم والعدوان، ويلحقه اللعن في هذا. لأن الصحيح أن العدد لا يفيد الحصر، وإنما يفيد أن هذا مما يؤكد عليه، وما كان بمعناه من باب أولى يلحق به، وما كان أولى منه فمن باب أولى. وهكذا كذلك الآية الأخرى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، أي أن الخمر والميسر من أعظم أسباب الإثم، من أعظم أسباب الإثم. ففيه مضار كثيرة، أول الضر ضر الدين. فلا يسلك إنسان طريق الخمر إلا وأضر بدينه، فهو سبب لتضييع الدين. فبضياع العقل ودخول المرء في إدمان الخمر يضيع دينه، فلا يبقى معه لا عقيدة ولا عبادة ولا حلال ولا حرام. فهي أم الخبائث. ولهذا تجد من يبتلى بشرب الخمر يبتلى بما هو أعظم منه من الذنوب والمعاصي الكثيرة، ربما يبيع عرضه، وعرض من يملك من أهل رعايته، فيكون بذلك قد فعل ما هو أفحش من شرب الخمر. وهذا حال من سلك طريق شرب الخمر، فهي أم الخبائث تفضي إلى جميع أنواع الإثم. وذكر بعد ذلك قال: «وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، يعني في هذا دليل على تحريم الخمر، لأن الله سمى الخمر إثمًا». وهنا قال: «حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي»، فهي من الإثم، فهي محرمة بالنص، وكذلك بالعموم، وبالأدلة الأخرى التي سبقت. ثم قال: «ويقال أن الإثم اسم من أسماء الخمر». وقد اختلف أهل العلم في هذا من أهل اللغة وغيرهم. وأنشد هذا البيت: «شربت الإثم حتى ظل عقلي، كذاك الإثم يذهب بالعقول». وذهب كثير من أهل اللغة إلى أن هذا البيت فيه دليل على أن من أسماء الخمر الإثم، وأنكره ابن الأنبار وغيره. والصواب أن الإثم وصف من أوصاف الخمر، ليس اسمًا من أسمائها، لأنه يكون سببًا في حصول الإثم وانفتاح بابه. قال رحمه الله: «ولحديث عائشة رضي الله عنها بالصحيحين: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع، فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام». والبتع هو نبيد ينبذ من العسل، كان يشربه أهل اليمن في أوعية خاصة تتأخر فيه فتحر فتتحول إلى خمر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه». ووضع هذه القاعدة العامة: «كل شراب أسكر فهو حرام». ومعناه أن الخمر لا ينحصر في شراب معين، فكل ما أسكر فهو من الخمر. فما أسكر كثيره فقليله حرام، سواء كان من العنب أو من أي نوع من أنواع الفاكهة أو كان من العسل أو كان من السكر أو كان من غيره. فكل ما أسكر فهو حرام، بل ولو كان قليله لا يسكر، ما دام كثيره يسكر، فهو حرام. فهو حرام لأن هناك من لبس عليه الشيطان في بعض المجتمعات التي إن فتحت عليها معاني الجاهلية ومتابعة، من أهل الغرب من أهل الكفر، فصاروا يجادلون في بعض الأشربة التي لا يسكر قليلها، زعمًا أنهم لا يحصل لهم معنى الإسكار. وهذا غير صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه في حديث ابن عمر وغيره: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وفي رواية: «ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام»، يعني ولو شيء قليل، ما دام أن الكثير منه يسكر، فالقليل منه حرام، لا يجوز، حتى ولو كان شيئًا يسيرًا، ولو كانت قطرة واحدة من خمر لصارت محرمة، لا يجوز استعمالها. قال: «وحديث بن عمر رضي الله عنهما في صحيح مسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وهذا عام يتناول كل ما فيه معنى الإسكار، ولو كان من غير الفواكه». قال: «وحديثه في الصحيحين: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة». وهذا من العقاب، مع ما يلقاه من عذاب الله وعضبه يوم القيامة، والحد في الدنيا». قال: «وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إنهما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بإيليا بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما ثم أخذ اللبن، فقال له جبريل عليه السلام: «الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر لغاوت أمتك». والحديث في الصحيحين». ومعناه أن الخمر من أسباب الغواية، بل هو من أعظم أسباب الغواية. ولهذا سمي بأم الخبائث. ولأجل ذلك لم يشربه العقلاء، حتى في الجاهلية لم يشربه العقلاء. ذكر عن عثمان بن مضعون رضي الله عنه أنه كان لا يشرب شيئًا من الخمر، فلما قيل له في ذلك وهو في الجاهلية، قال: «لا أشرب شيئًا يذهب بعقلي، ويضحك علي من هو دوني». وهو في الجاهلية لم يشرب الخمر رضي الله عنه، أرضاه. أمثاله كثير من الصحابة الذين اجتنبوا شرب الخمر في جاهليتهم، لخبث الخمر. فخبثه معروف معلوم عند العقلاء، وضرره عظيم، له أضرار كثيرة يراها الناس ويشاهدون ذلك بأعينهم، أضرارها على الأجساد، وأضرارها على الأموال، وأضرارها على الأعراض، وأضرارها في الشرف والمجتمع، وغير ذلك من الأضرار الكثيرة. والعلم الحديث لا يزال يكتشف الكثير من الأضرار، حتى أن بعض الدول الكافرة من فترات قديمة وهو يتناقش قضية تحريم الخمر ومنعه في المجتمع. فقد ذكر أن أول قانون صدر في منع الخمر كان في أمريكا في سنة 1920 ميلادي. سنة 1920 صدر أول قانون في منع الخمر في أمريكا، ولم يزل حكام أمريكا بسبب غلبة شهوتهم لهذا الشراب مع عدم الدين وغير ذلك من الأمور الأخرى، يتناقضون هذا المنع منعًا وتحليلًا، منعًا وتحليلًا، حتى صار الأمر إلى ما هو عليه. وهكذا ذكر أنه كذلك في مواضع من أوروبا حاول بعض الملوك منعه لما رأوا من عظيم ضرره، ولم يزل الناس يحاولون تقليص ضرره لما يرون من آثاره السيئة على المجتمعات. قال رحمه الله تعالى: «ولحديثه: «ولا يشرب الخمر شاربها حين يشرب وهو مؤمن». الحديث وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين، وقد تقدم معنا. وفيه أن شارب الخمر لا يسمى مؤمنًا حين يشرب الخمر، لأنه فعل ما ينفي إيمانه، بفعل ما هو من موجبات الإيمان، وهو ترك ترك هذا الخمر الخبيث». قال بهذا الإسناد المتقدم: «قال: أنبأنا البيهقي بإسناد -يعني- الحسن، قال: «جاء رجل بنبيذ إلى حب خلق الله إليه حتى أفسده». يعني العقل. ومعنى أن الحسن نقل عنه مأثورًا في رجل شرب الخمر، قال: «جاء رجل بنبيذ إلى حب خلق الله -يعني- إلى عقله ليفسده». فالعاقل لا يفسد أحب شيء إليه، أحب شيء للإنسان، والذي به يكون الإنسان إنسانًا: العقل. فإذا زال صار كالحيوان، فكيف تفسده تفسده على نفسك؟ كيف تفسده على نفسك؟ وقيل لبعض العرب: «لما لا تشرب النبيذ؟» فقال: «والله ما أرضى عقلي صحيحًا، فكيف أدخل إليه ما يفسده؟» انظروا إلى كلام العقلاء، يعني: «أنا ما رضيت بعقلي وأنا صحيح سليم، أنا صحيح سليم ما أرضى بعقلي، أرى أني أحتاج لشيء قوي عقلي ويزيد في فهمي وذكائي وأنا صحيح، فكيف أدخل عليه ما يفسده؟ وهو الخمر». معنى الذي لا يرضى بعقله وهو صحيح، فمن باب أولى أن لا يدخل عليه ما يفسده. هذا هو كلام العقلاء، وهم يعني على ما هم عليه من الجهل، فكيف بمن وفقه الله للإسلام، وهذا الدين العظيم، يحرم نفسه خيره، ويذهب لهذه الخبيثة من الخبائث؟ قال: «وعن الحكم من هشام: أنه قال لابنه: «يا بني، إياك والنبيذ، فإنه قيء في شدقك، وسلح على عقبك، وحد في ظهرك، وتكون ضحكة للصبيان، وأسيرًا للديان». ومعنى أنه «قيء» لأنه خبيث، فكالقيء». هل ترضى أن يبقى القيء في فمك؟ الجواب: لا. فالخمر أشد خبثًا من القيء، أشد خبثًا من القيء. «وسلح على عقبك» يعني يترك لك آثارًا خبيثة كالسلح، يعني خراء الطيور، وغيرها كثير. الطير لها سلح، يعني ما تمشي خطوتين إلا وتحط حطها، تمشي خطوتين وتحط حطها. فكذلك شارب الخمر يترك خلفه مخلفات كثيرة، يعني آثار هذه الخبيثة يخلف في عقبه أشياء خبيثة كثيرة. ولذلك شارب الخمر إذا أصبح من ثاني يوم يجد عنده سجلات أمس: «فعلت وفعلت وفعلت، وقلت، وصنعت». وكل هذا من السلح الذي تركه بسبب ماذا؟ بسبب شرب الخمر. كم من رجل طلق، وكم من رجل باع عرضه، وباع عرض أهله، وفعل وفعل، كل هذا من آثار وعاقبة الخمر. «وحد في ظهرك» يعني لأجل شربه لهذا الخمر، فالشرع أوجب في حق شارب الخمر حدًا. ولم يعد هذا الحد على الصحيح من أقوال أهل العلم، فقد كانوا يضربون بالنعال والجريد وأطراف الثياب. وحده عمر رضي الله عنه بمشورة الصحابة ثمانين، لأجل أن لا يجترئ الناس عليه. قال: «وتكون ضحكة للصبيان» يعني بما يكون من حالك المزرية، وهذا هو الغالب في حال السكارة. فإن يصير كالمجانين، حتى يستهزئ به الصبيان، ربما أدخلوا في فمه التراب، وربما خلعوا له الثياب، وربما أخذوا ما في جيبه من المال وغير ذلك، بسبب ذهاب عقله بهذه الخمرة. «وأسيرًا للديان» يعني بعظيم ذنبك حين تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، مع ما يكون من تضييع الكثير من الطاعات والعبادات. قال: «وعن بعض الحكماء: أنه قال لابنه: «يا بني، ما يدعوك إلى النبيذ؟» قال: «يهضم طعامي». قال: «والله يا بني، هو لدينك أهضم». وهذا يقوله بعد بعض المتفلسفة، يقولون: «إذا قيل له: لماذا تشرب الخمر؟ قال: هو مفيد، له فوائد، يهضم الطعام». إذا كان يهضم طعامك، فهو يهضم دينك، فهو لدينك أهضم، أهضم لدينك، يعني يهضمه هضما ويضيعه. وهذا هو الواقع. ولذلك لا تجد أحدًا يتناول النبيذ والخمر إلا وقد ضيع من الدين ما هو أعظم من شرب الخمر، ما هو أعظم من شرب الخمر. لا يجترئ أحد على شرب الخمر إلا وقد أضاع من دينه ما هو أعظم منه، وهذا من علامات تضييع الدين، أي شرب الخمر. قالوا: «عن عبد الله بن إدريس: «كل شراب مسكر كثيره من تمرة أو عنب عصيره، فإنه محرم يسيره». إني لكم من شره نذيره. ومعناه أنه يحذر من شرب المسكر، ولو كان قليلًا، ولو كان قليلًا». وقد صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره فقليله حرام، ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام». قالوا: «عن أبي بكر بن بلد: أنه أنشده أبوه: «وإذا النبيذ على النبيذ شربته، أزرى بدينك مع ذهاب الدرهم». وصدق». فإنه مع ما يذهب من الدين، يذهب كذلك الدنيا. ولهذا الغالب في حال أهل السكر هو الإفلاس، الغالب في حال أهل السكر هو ماذا؟ الإفلاس، أن يكون مفلسًا. قال: «وأنشدنا الحسين بن عبد الرحمن قال: «أرى كل قوم يحفظون حريمهم، وليس لأصحاب النبيذ حريم، إذا جئتهم حيوك ألفًا ورحبوا، وإن غبت عنهم ساعة فذميم، أخاهم إذا ما دارت الكأس بينهم، وكلهم رث الوصال سأوم، فهذا فنائ لم أقل بجهالة، ولكن بجهل الفاسقين عليم». وهذه الأبيات كذلك تدلك على بعض وصف أهل السكر، فأهل السكر من صفاتهم أنهم لا يحفظون أعراضهم، ولا يحفظون حريمهم، بل يضيعون ذلك أشد التضييع. قال: «ومن عجائب ما ذكره بعض أهل الأدب، وهذا من قلة الأدب الذي ذكره في كتب الأدب، شعرًا في بعض أولئك السكارة وحالهم الذي وصلوا إليه، حتى صاروا من سكرهم مختلطين رجالًا ونساء، ذهبت غيرتهم وحرمة حريمهم». فلما اشتد سكرهم قدموا إحدى النساء أن تصلي بهم. انظر إلى حال هؤلاء، وقد خلعوا ثيابهم، وهم على ما هم عليه من السكر والضياع إلى أشياء، يعني عظيمة هي من ثمرتي حال أهل السكر. فهكذا صاحب السكر يصل به الأمر أن لا تكون له غيرة، ولا حرمة، ولا حياء. وهذا أمر ملازم لهؤلاء. وهكذا كذلك من صفاتهم أنهم متقلبون، ومن أصحاب الوجوه الكثيرة. وهذا كذلك من ثمرات السكر. وكذلك من ذلك أنهم في تيه وضياع، وسؤم من حالهم، يشربون ويشربون لينسون، فلا يزدادون إلا همًا وغمًا، لا يزدادون إلا همًا وغمًا. فيشرب الكأس أولًا لينسى، ثم يشرب الثاني لينسى الأول، ويشرب الثالث لينسى الثاني والأول، والرابع، حتى لا يزداد إلا همًا وغمًا، وسؤمًا وشؤمًا. وهكذا قال في آخره: «فهذا ثنائي لم أقل بجهالة، ولكن بجهل الفاسقين عليم». يعني ما قلت هذا الكلام كاذبًا ولا متخلصًا، ولكني عن خبرة بحال هؤلاء الفاسقين الجاهلين. انتهى الوقت، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.