الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 36، 67-إكرام الجار . 68-إكرام الضيف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث إكرام الجار مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مع تفسير معاني الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب. يبين أهمية مراعاة حقوق الجار.
يؤكد الإسلام على أهمية حقوق الجار وإكرامه، حيث أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار وأمر بإكرامه. يشمل إكرام الجار تقديم المساعدة له دون أن يلحق ذلك ضررًا بالمُكرِم.
يشرح كيفية إكرام الضيف وحدوده الشرعية، حيث يبدأ بإكرام الضيف ثلاثة أيام ويمكن زيادة يوم وليلة إذا كان ذلك ممكنا دون مشقة. يشدد على أهمية التعاون في إكرام الضيف.
ينبغي اختيار من يستعان بهم بعناية، بحيث لا يكونون ممن يمنّون أو يؤذون. الحمد لله أن الخير موجود دائما في المجتمع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إكرام الجار، قال لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب﴾. قيل في تفسير ذي القربى: الجار الملاصق، والجار الجنب: البعيد عن الملاصق، والصاحب بالجنب: الرفيق في السفر. وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان: أن الجار ذي القربى هو الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الأجنبي عنك، والصاحب بالجنب: الرفيق في السفر. وزاد مقاتل بن سليمان فقال: في الصاحب بالجنب إنه الرفيق في السفر والحضر. وعن علي وعبد الله بن مسعود وإبراهيم وغيرهم رضي الله عنهم: في الصاحب بالجنب إنها المرأة. وعن سعيد بن جبير في رواية: كذلك، وفي رواية عنه: إنه الرفيق الصالح. قال: ولحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وبه أنبان البيهقي. قال أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في مراعاة حق الرفيق، قال: حدثنا أبو العباس والأصم، قال: حدثنا سعيد بن عثمان التنوقي، قال: حدثنا محمد بن الشمال، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاثة لا يكافئهم عني إلا رب العالمين: رجل فسح له في مجلسه، ورجل تخطى الحلق والمجالس حتى جلس إلي، ورجل ذكر في الليل حاجته فرآني أهلا -يعني ذكرني معه- فكذلك لا يكافئه عني إلا رب العالمين. أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان: إكرام الجار. وهذه الشعبة جاء الأمر بها والوصية بها في أدلة الكتاب والسنة الكثيرة، وهو يدل على أنه من شعب الإيمان التي يزيد الإيمان بفعلها وينقص بالتفريط فيها. وحق الجار حق مقرون بأوائل الحقوق للآدميين، حتى كما سمعنا في حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». ثم ذكر رحمه الله هذه الآية في سورة النساء، وفيها أنواع الجيران: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ بدأ بحق الوالدين، فهو أعظم حقوق المخلوقين، ﴿وبذي القربى﴾ أي أرباب القرابات، ﴿واليتامى﴾ معروف، ﴿والمسكين﴾، ثم قال: ﴿والجار ذي القربى﴾ وهذا هو الشاهد، ﴿والجار الجنب والصاحب بالجنب﴾. وذكر هاهنا تفاسير كثيرة في معنى الجار ذي القربى. والصحيح أن هذه الألفاظ أعم مما ذكر، وما ذكر هو تفسير ببعض المعنى. فالجار ذي القربى يشمل الجار القريب القرابة النسبية أو أي معنى من أنواع القرابات: قرابة نسب، قرابة رحم، قرابة رضاع، وهكذا. كذلك قرابة مكان، فكل ما كان فيه معنى القرب فهو يدخل في هذا المعنى. فالجار الملاصق كذلك فهو فيه معنى الجار ذي القربى، ولا ينافيه أنه يدخل فيه الجار الذي بينك وبينه قرابة. وهكذا كذلك والجار الجنب أعم من أن يكون غير الملاصق، فيكون المراد به الجار الذي ليس بينك وبينه قرابة: لا نسب ولا رحم ولا رضاع ولا مصاهرة ولا غير ذلك. وهو كذلك الجار غير الملاصق، كمن بينك وبينه بيت أو بيتين أو ثلاثة أو أكثر. وكلما قرب الجار تأكد الحق. وأيهما المقصود بالقرب: هل المقصود بالقرب قرب البنيان أو قرب الباب؟ اختلف أهل العلم في هذا، وكله يدخل في معنى القرب، ولكن لا شك أن قرب الباب أولى؛ لأن به تكون الخلطة الأكثر. والصاحب بالجنب ذكر الرفيق في السفر، وذكر كما سمعنا المرأة، وذكر الرفيق في الحضر، وهو أعم من هذا كله. وما ذكر تفسير ببعض المعنى، فيكون المراد من بينك وبينه ملازمة قليلة أو كثيرة فيما يتعلق بمصاهرة أو نكاح أو تجارة أو سفر أو عمل أو سكن أو غير ذلك. فهذا له حق، ولكن تختلف هذه الحقوق؛ قد يزيد وقد ينقص. المهم أن مثل هذا له في الإسلام حق. والصاحب بالجنب ينبغي أن يؤدى حق هذا الجار ويراعى. ثم ذكر حديث عائشة وتقدم، وذكر أثر ابن عباس، وفيه: أن من حق من عرفته، وبه نعرف أن معنى الجار يدخل حتى في المعرفة: أن تذكره في دعائك. فقد يكون جليسك في حلقة علم، وقد يكون كذلك معاملك ومخالطك. ومن كان كذلك فله حق. ومن الفضل بينكما أن تدعو له بالغيب. وحق الجار يتناول أشياء كثيرة، من ذلك الأولوية في حقوق المسلمين. تقدم معنى أن المسلم له حقوق، جاء في حديث أبي هريرة الستة، وجاء فيما جاء كذلك معنى في حديث البراء سبعة، وغير ذلك مما ذكر في الأحاديث الأخرى. فينبغي أن يكون من ذلك للجار الأولوية، فالأولوية للجار. وكذلك الحقوق العامة، فإذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم في تواد المسلمين وتراحمهم: «وأنهم كالجسد الواحد» في عموم المسلمين، فكيف بالجار؟ فهو أولى بأن يعتنى به ويراعى حقه. ومن ذلك أن تحفظه في ماله ونفسه وعرضه. فمن نصرة جارك، فمن نصرة المسلم نصرة الجار، وهو أولى، فتنصره في نفسه وفي عرضه وفي ماله. ولهذا كان الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بالمرأة الأجنبية؛ لأن هذا الجار تعلق به حفظ عرض جاره، فبدلا من أن يحفظ هذا العرض فعلى ما ينافيه تماما، فاستحق زيادة العقوبة وعظم الذنب. وكذلك يقال في سائر الحقوق الأخرى في النفس وفي المال وفي غيره. ومن ذلك المناصرة فيما يحتاج، حتى إذا كان عنده شيء من أمور الدنيا وعلمت أنه يحتاج إليك، فتقاعسك عن ذلك ما علمك يعد تفريطا في هذا الحق. فينبغي أن تعامله كما تحب أن يعاملك: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فتسهر لسهره، وتحزن لحزنه، وتفرح لفرحه، وكل هذا في حدود الشرع. أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار عموما، وبمن ابتلي ببلاء الموت خصوصا. فإذا كان هذا ففي الجار من باب أولى، فيعتنى بهم بأحزانهم كما يعانون في أفراحهم، ويوقف معهم في مصائبهم، وكل هذا من الحقوق التي يأمر بها الإسلام. ويكفي في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا المعنى: «أنه ما زال جبريل يوصي بالجار -أي النبي عليه الصلاة والسلام- حتى ظن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيورثه» أي من شدة الوصية به. وقوله: «إكرام الجار» سيأتي معنا إن شاء الله في الباب الذي بعده. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». فالجار يكرم. وتعرفون معنى الإكرام: أن لا يجد منك منقصا. مثل الضيف، الضيف تحفه حفا؛ لأنه ضيفك، ولأن الإسلام أمر بإكرامه، فأنت لا تجعله يحتاج إلى شيء. هل الضيف يأتي بطعامه معه؟ ها لا، أنت تأتي له بالطعام وتأتي له بالشراب وتيسر له كل ما يحتاجه من فراش وغيره. حتى إذا أراد أن يأخذ الماء أنت تقرب له الماء، وإذا أراد أن يصب لنفسه الشراب فأنت تمنعه من ذلك وتصب له إكراما له لحق الضيف في الإسلام. وهكذا كذلك الجار. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، يعني فيما يحتاج أو يحتاج إلى إكرام. وهذا بالتبادل، أنت تحرص على إكرامه وهو يحرص على إكرامك. فمثلا عندك لمبة تضيء لبابك، لا يضرك لو دفعتها قليلا إلى اليمين تجعل الضوء لبابك وباب جارك، هذا من إكرامه. أم ليس من إكرامه؟ من إكرامه، إذن ما دام لا يضرك ادفعها قليلا تكرمه بها. وهكذا كذلك قد يكون هناك ما يصل إليك وإذا حولته قليلا انتفع به جارك، حوله قليلا. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. وهكذا قل في كل معنى تستطيع أن توصل الإكرام إليه بدون أن يلحقك ضرر، لا ضرر ولا ضرار. وبدون أن يشق عليك، فإن كان لا يشق عليك فأكرمه حتى ولو كانت المشقة يسيرة فأنت مأجور عليها. المشقة إذا كانت يسيرة فأنت مأجور على هذا. وتصور في مجتمع يعمل أهل الإسلام فيه بمثل هذه الوصايا، ماذا تكون الثمرة والنتيجة؟ إذا صار هذا الجار يحرص على إكرام جاره، سيكون الجار الآخر في المقابل حريصا على رد هذا الإكرام على أقل الأحوال. ماذا يرد الإكرام بالإكرام؟ هذا إذا لم يدفعه حسن خلقه وسلامة سريرته وفطرته إلى أن يكرم بأفضل من ذلك. فإكرام الناس من دواعي ماذا حصول الخير في المجتمع. قال رحمه الله تعالى: قال: إكرام الضيف، لحديث بشريح العدوي رضي الله عنه بالصحيحين قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». قال: وما جائزته؟ قال: «يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه». وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وزاد في رواية في أوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». كذلك من شعب الإيمان إكرام الضيف، وقد جاءت الأدلة الكثيرة من أدلة الكتاب والسنة في ذكر إكرام الضيف. فقد كان من خلق الأنبياء إكرام الضيف، وهو مما تعلموه من هذا الدين العظيم. فضيوف إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذين لم يشعر أنهم ملائكة أكرمهم بعجل حنيد، وهذا من إكرام الضيف. وهكذا كذلك في مواضع كثيرة ما يدل على هذا المعنى. وأشار هنا إلى حديث بشريح العدوي رضي الله عنه: «فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وجاء هنا جائزته والضيافة ثلاثة أيام، وما وراء ذلك صدقة. ففيه أولا حق الضيف في الإكرام، وأنه ثلاثة أيام واجبة، وما زاد عن ذلك فهو نفل. وهذا حق للضيف أمر به الإسلام. وفيه كذلك تقسيم هذه الضيافة إلى ثلاثة أقسام. اسم منها جائزة الضيف يوم وليلة، ومعنى جائزته: أي الشيء الزائد عن المعتاد. الشيء الزائد عن المعتاد وليس من شرطه أن يكون في أول يوم، هو يوم وليلة كما جاء هنا مطلقا، قد يكون في أول يوم، قد يكون في ثاني يوم، قد يكون في ثالث يوم. مثلا إذا جاءك يوم السبت وأنت تعرف أن للضيف حق أولا إكرامه ثلاثة أيام، ثم تزيد في الإكرام يوم وليلة من هذه الثلاثة، فتنظر هل هذا الضيف يناسب في إكرامه أول يوم أو ممكن أن تأجعله ثاني يوم أو ثالث يوم. فإن كان الأنسب أول يوم قدمته في أول يوم تكرمه إكراما زائدا عن المعتاد. مثلا في عرفنا الزائد عن المعتاد أن تكرمه باللحم في الطعام، وهكذا كذلك إن كان له من يحب فتدعو له من يحب. جاء إلى بلد له فيها أصدقاء يحبهم وبينه وبينهم مودة، إن من إكرامه أن تدعو هؤلاء. هذا جائزته، أو له قرابة حميمة فمن إكرامه أن تدعو له قرابته، هذا من جائزته. وهكذا كذلك ما يتيسر من الزيادة على المعتاد من الإكرام بغير مشقة عليك. فقد نهينا عن التكلف. أما الكلفة اليسيرة التي يتحقق بها إكرام الضيف فهذا مطلوب. كان الصحابة غالب طعامهم الأسودان: التمر والماء. يعني بيوتهم كما قالت عائشة: «يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقدوا في أبياتي -أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم- نار ثلاثة أشهر». ما يوقدون نار. تعجب الراوي عن عائشة فقال لها: فما كان طعامكم يومئذ إذا كان ثلاثة أشهر ما توقدون نار في البيوت؟ فإيش تأكلون؟ قالت: «الأسودان التمر والماء». كان غالب طعامهم التمر والماء، هذا من فقرهم ومن فاقتهم. بل كان التمر مع ما نعرف هو يعتبر شيء ليس بالسهل، ربما يصلون إلى غيره ولا يصلون إلى التمر. ومر معنا قريبا حديث عليه رضي الله عنه حين مر بيهودي وهو يجني تمرا فاشتهى التمر -يعني التمر صار من الطعام الطيب الذي يشتهى- وليس معه إلا لبن في ناقته، فأخرج اللبن وأعطى لليهودي مقابلا يعطيه تمرة تمرة، فأخذ التمر فأكلها رضي الله عنه أرضاه. وهكذا الحديث الآخر حين دلى بالماء، وكانت يعني أجرته التمر. فالتمر حتى كان صعبا. فالشاهد من هذا مع هذه الحياة الشديدة، فكانوا يكرمون الضيف بالشاه، وربما ليس معهم في بيتهم إلا شاه واحدة، ويكرمون الضيف بها. وهذا يدل على ماذا؟ على عظيم بذلهم، وكذلك نفقتهم. فلذلك ليس من الكلفة ولا من المشقة أن تخرج بعض مالك في إكرام الضيف. فإن هذا مما يحث عليه الإسلام، فقد كان من هو أفقر منك أسخى، فأنت أولى بالسخاء أنت أولى بالسخاء والعطاء. واحذر من البخل؛ فإنه أشد الداء، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأضره على الإنسان فينبغي الحذر منه. فالشاهد جائزة الضيف يوم وليلة. فإن كان إكرام الضيف يناسب أن يكون يوم الجمعة، ويوم الجمعة مثلا هو ثالث الأيام أو ثاني الأيام، أنت ستكون في إجازة، وربما كذلك يأتي من يناسب حضوره، فلا بأس أن يكون إكرام الضيف في هذا اليوم، فلا يكون في اليوم الأول ويكون في اليوم الثاني. وثلاثة أيام كذلك منها اليوم الليلة الذي فيها جائزة الضيف، وهو الشيء الزائد عن المعتاد. ثلاثة أيام تكرمه بالمعتاد المتيسر أفضل ما عندك مما في البيت، هذا من إكرامه. فمثلا أنت عندك في البيت سمك وعندك دجاج وليس عندك لحم، في يوم وليلة تكرمه إن كان لا يضرك بلحم، وتجعل الباقي دجاج أو سمك من المعتاد الذي أنت تعتاده، فهذا من إكرامه. وما زاد عن ذلك فهو صدقة، ما زاد عن ثلاثة أيام صدقة. أما ثلاثة أيام فهي على الوجوب، هي على الوجوب بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهل هو وجوب عيني أو وجوب كفائي؟ هو وجوب كفائي، لكن قد يتعين على بعض الناس إذا لم يكن يعرف هذا الضيف إلا هذا الإنسان بعينه. ومن رحمة الله عز وجل وفضله على أهل هذا الدين أنشر علىهم أخلاقا وآدابا تعين الناس في مثل هذه المقامات. فقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعاونون في إكرام الضيف، ولم تزل تلك السنة إلى زمن قريب. نذهب لبعض القرى إلى أيامنا هذه ونجد بعض البيوت يسمونها بيت الضيف؛ لما كان الناس فقراء في زمن ليس ببعيد، كان يشق عليهم أن يكرم الواحد منهم ضيفه، لكن يتعاونون فيجعلون بيتا للضيف. فضيف القرية ضيف الواحد من القرية هو ضيف القرية كلها. فإذا جاء الضيف تعاونوا جميعا في إكرامه. فإن اشتروا لحما بدل الجميع حتى لا يشق على أحد، أو أكرموه ببر. وكان من قديم البر شيء صعب بالنسبة للناس، فيتعاونون في ذلك. وهذه سنة حسنة كانت موجودة في الناس تخفف المشقة. واليوم لما توسعت أحوال الناس صار كل واحد يقوم بضيفه، وهذا من وجه فيه حسنة، ومن وجه آخر فيه نقص؛ لأن الناس تقاطعوا، وحصل بينهم ما حصل، بخلاف ما كانوا من قبل من التعاون والتراحم والتآلف. كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام وليس عنده ما يكرمه به، لكن هذا حق عليه، فينادي يأمر المنادي ينادي: «من يكرم ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» فيتسابق الصحابة في إكرام ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا ينبغي أن يحصل، يعني إكرام الضيف حق. فإذا أعسر الإنسان يستعين بإخوانه، ليس في هذا حرج. فهو يعينهم وهم يعينونه، لكن يستعين بمن لا يمن عليه بمن لا يمن عليه ولا يؤذيه، ولن يعدم من أمثال هؤلاء في المجتمع. والحمد لله لم يزل الخير موجودا. هذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة على وجه الاختصار، وإلى هنا والله تعالى أعلم.