الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 15، 25-الحج . 26-الجهاد . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحج ركن من أركان الإسلام، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة من القرآن والسنة. تارك الحج بلا عذر قد يعتبر كافرًا.
الحج فريضة على المسلم مرة في العمر، وله حكم عظيمة مثل تحقيق التقوى وتآلف المسلمين. كما أن فيه مواعظ عظيمة وفرصًا لزيادة الإيمان.
الجهاد في سبيل الله هو أحد شعب الإيمان وأحد فرائض الدين، ويشمل جهادًا بالسيف والسنان وجهادًا بالحجة والبرهان. كان النبي يأمر الجيوش بدعوة الأعداء إلى الإسلام أولًا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامس والعشرون من شعب الإيمان الحج، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولحديث بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". وحديث عمر رضي الله عنه بصحيح مسلم قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان». قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم. قال: نعم. قال: صدقت. فذكر الحديث. وهذه اللفظة كما أشار المعلق أنها لفظة ابن خزيمة، وأصل الحديث الصحيح... قال: وروي عن أبي أمامة -وهي لفظة صحيحة- قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه الأمر بالعمرة. قال: وروي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر ولم يحج فلم يمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا». وهذا الحديث -الصحيح فيه الوقف- رواية مرفوعًا ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن صح معناه موقوفًا عن عمر، وجاء نحوه عن علي رضي الله عنه، ورويت فيه آثار كثيرة. أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان، وهي الحج، فالحج من شعب الإيمان، فهو ركن من أركان هذا الدين، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله من الأدلة آية سورة آل عمران، وآية الحج، وآية البقرة. وقد استدل العلماء بآية سورة آل عمران على وجوب الحج، فإن من صيغ الوجوب عند الأصوليين الحصر بتقديم ما حقه التأخير، وهذه الصيغة من صيغ الحصر بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ السَّبِيل﴾، نص العلماء -علماء الأصول- أنها من صيغ الوجوب، وهي تدل على الوجوب وزيادة. ففي الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ السَّبِيل وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فسمى تارك ذلك مع عدم العذر كافرًا، ولهذا -كما تقدم معنا- رواية عن بعض السلف تكفير تارك الحج من غير عذر. وهل هو الكفر الأكبر أو كفر دون كفر؟ في هذا خلاف، وعلى كلا الأمرين أمره خطير لتركه الحج من دون عذر. والآية الثانية فيها سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي أمر بها، وهي أمر لهذه الأمة، وهو يدل كذلك على وجوب الحج وحث الناس عليه. ومن تأمل حال الناس اليوم وما هم فيه من سعة، علموا مع ما كان عليه الناس من قبل، علموا فضل الله عز وجل عليهم، وأن الكثير من الناس يخشى عليهم من الوعيد المروي في هذا الباب. كان الناس في القديم مع شدة العيش والفقر والفاقة وخوف الطريق وطول المسافة وغير ذلك من أنواع العناء والشدة، مع ذلك يحرصون على الحج. واليوم تيسرت الوسائل والسبل، ومع ذلك فالكثير من الناس -إلا من رحم الله- يجعل الحج من الأمور الثانوية، وكما يقال يجعله في الهامش، يعتني بأشياء هي دون الحج في الوجوب، ويؤخر الحج مع فرضيته وعظيم ما ورد فيه. فالواجب على المسلم أن يكمل أركان دينه، وهذا أعظم من الكثير من الأشياء التي انشغل بها الناس في هذا الزمان، وكلها من التوسع في الدنيا. وذكر آية سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ويستدل على الإتمام إتمام الحج. قال العلماء: الأمر بالإتمام يدل على الوجوب وزيادة؛ لأنه إذا أمر بإتمامه دل على وجوبه. وهل هذا الاستدلال صحيح؟ الجواب: فيه تفصيل، فقد يكون هذا في حق الواجب، فيكون نعم. وأما في حق المستحب فلا يستلزم أن يكون أصله واجبًا، لكن فيه أن من دخل في هذا النسق فيجب عليه أن يتمه. ولهذا من لم يشترط لم يخرج إلا بماذا؟ بفدية، وهي فدية الإحصار. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. ثم ذكر حديث ابن عمر في الصحيحين، وفيه أن الحج من فرائض هذا الدين ومبانيه. وكما تقدم معنا: البناء لا يتم إلا بأركانه، فمن لم يتم أركان الإسلام فإسلامه مهزوز، وهو على أحد أمرين خطيرين: إما أنه يقع في الكفر والعياذ بالله، أو يقع في كبيرة من أعظم الكبائر سماها الشرع كفرًا. وكلا الأمرين خطير، فلا يجوز للمسلم التفريط في هذا الواجب. وذكر حديث عمر رضي الله عنه المشهور بحديث جبريل، وأصله في صحيح مسلم، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة. وهذه اللفظة كما قلنا معناها صحيح، وقد جاءت بروايات كثيرة صحيحة. وختم بالحديث الأخير وهو ضعيف، لكن معناه صحيح موقوفًا. وبعضهم قال: الموقوف له حكم الرفع. وسواء قيل ذلك أو بقي موقوفًا فهو يدل على أن السلف رحمهم الله ورضي الله عنهم كانوا يرون ترك الحج من غير عذر يعتبر خطرًا عظيمًا، حتى أن صاحبه يخشى عليه أن يموت على غير ملة الإسلام. والحج جعله ربنا جل وعلا فريضة على عباده لحكم كثيرة، وهو سبحانه غني عن تعب ونصب الناس، ولكن لله حكمة سبحانه وتعالى في فرض هذه الفريضة، وهي فريضة قد اجتمعت على عدد من العبادات، ففيها هذه الفريضة صلاة وطواف، وكذلك سفر، وربما لبعض الناس ممن لا يستطيع الهدي صيام، فاجتمعت فيها عبادات جليلة، وكل عبادة سبب لحصول التقوى. فمن حكم الحج تحقق التقوى من أوجه كثيرة، إذا كان الله عز وجل قال في الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فكيف بفريضة اجتمعت على عدد من العبادات؟ وإذا كان قال في الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، فكيف بفريضة تناولت الصلاة وزيادة؟ فهي فريضة فيها مواضع كثيرة لحصول التقوى. كذلك من حكم فريضة الحج والعمرة، وقد فرض على المسلم أن يحج مرة في عمره، فإن أدى معها العمرة، وإن لا فالعمرة واجبة كذلك عليه. فبهذا تجتمع الأدلة، كون بعض الأدلة ذكرت الحج فقط، وبعض الأدلة ذكرت الحج والعمرة. قال العلماء: ذكر العمرة لمن لم يأت بحج مع عمره، وأما من أتى بحج مع عمرة فيسقط عنه وجوب العمرة. فالشاهد في هذه الفريضة حكم أخرى، فمن هذه الحكم أنها كذلك سبب لحصول منافع دينية لهذا الحاج وهذا المعتمر، بما يراه من أحوال الناس في الحج، فيعرف نعمة الله عليه حين يرى أحوال الناس الفقراء والضعفاء، ودوي العاهات، وكل هذا يذكره بنعمة الله عليه، ويرى من هو خير منه في دينه فيقتد بهم، فيحتقر وينتقص نفسه حين يرى تقصيرها مع اجتهاد غيره. ولا شك في هذا مواعظ عظيمة لمن اعتبر. ومن حكمها كذلك أنها سبب لذكر الله، ومن أعظم الحكم باجتماع الناس وقيامهم بهذه العبادة. ومن حكمها كذلك حصول التآلف والتحاب بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وألسنتهم. ومن حكمها كذلك تبادل المنافع الدينية والدنيوية. ولهذا أذن ورخص للناس بالتجارة في الحج. وإذا كان الناس يتبادلون المنافع الدنيوية، فكيف بالمنافع الدينية؟ تتحقق أو لا تتحقق؟ الجواب: لا شك تتحقق. فكم من إنسان ذهب وهو ناقص في تمسكه بدينه، فرجع بفضل الله وقد أُعين على تكميل نقصه وقوة إيمانه بما يرى من أحوال الناس في تلك البقاع المباركة الكريمة. وهكذا كذلك حتى اللغة -كما ذكر العلماء- يكون لمن يذهب إلى ذلك المكان مكسبًا ومغنما. ولهذا قال من قال من أهل العلم: أفصح اللغات لغة من لغة العرب لغة أهل الحجاز؛ لماذا؟ لأن العرب جميعًا كانوا يأتون إليهم، فيجمعون من محاسن لغات العرب، فاجتمع لهم ما لم يجتمع لغيرهم، حتى إلى زماننا هذا اليوم ترى العجائب. تذهب إلى بعض العمال في محلات مكة، إذا به يتكلم كل اللغات، يكلم بالتركية، والفرنسية، والفارسية، والعربية، وكل لغة صار يتكلم بها العمال هناك؛ لماذا؟ لكثرة توارد الناس. فكذلك بالنسبة للأمور الدينية يكون فيها عظيم فضل الله وعطائه في اجتماع الناس في ذلك المكان، مع ما فيه كذلك من مصالح ومنافع أخرى مما يكون من تهيئة الشعوب المسلمة على تنظيم نفسها في العبادات والأمور الدينية، وكذلك في الأمور الدنيوية. فيتعلم الناس حسن التصرف في استعمال الماء والنوم مع تلك الاجتماعات، وحسن التصرف في السير والانتقال، وحسن التصرف كذلك في وسائل السلامة والأمان، وغير ذلك من منافع تحصل بمثل تلك المجامع. وكذلك الاجتماع الكبير العظيم الذي يكون في ذلك المكان، وهذا بمثابة -كما يقول بعض الناس- التدريب السنوي للمسلمين على قوة الدين والدنيا. فأيام يسيرة، لكن تبذل لها جهود عظيمة جدًا، ليست بسهلة، وتنفق فيها أموال كثيرة كثيرة. لو قيل للناس: افعلوا هذا في غير عبادة، هل ذهبوا وفعلوا؟ ما أحد سيفعل هذا. ولا يوجد في الدنيا شيء يتكرر على هذا النسق، ما يقع لمن ما يقع للمسلمين، فتحققت به مصالح عظيمة، مع ما فيه من إصلاح العبادة والدين الذي هو المقصود في حياة هذا الإنسان في هذه الدنيا، وغير ذلك من مصالح كثيرة ذكرها العلماء. قال: قال رحمه الله: السادس والعشرون من شعب الإيمان الجهاد، لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». وحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». كذلك من شعب الإيمان الجهاد في سبيل الله، وهو أحد فرائض هذا الدين، حتى جعله بعض أهل العلم الركن السادس. وبعضهم جعل الأمر بالمعروف الركن السادس من أركان هذا الدين. إن الجهاد بالسيف والسنان، وبالحجة والبرهان. وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ المشهور: «ذروة سنام هذا الدين». قال: «عموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». حديث معاذ المشهور الذي رواه أحمد وغيره، وهو من أحاديث الأربعين الصحيحة. وسمي الجهاد ذروة سنام هذا الدين؛ لأنه كالسنام بالنسبة للإبل في أعلاها، فالجهاد في أعلى هذا الدين، وبه يكون علو هذا الدين. ولهذا صار الجهاد في سبيل الله على قسمين: جهاد طلب، وجهاد دفع. ولولا الجهاد في سبيل الله لأذل الكفار المسلمين؛ لأذل الكفار والمشركون المسلمين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. ومما ينبغي يعلم أولًا: أن الجهاد في الإسلام جاء بمعاني كثيرة تدخل تحت أصلين اثنين: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان. فالجهاد بالحجة والبرهان من النصيحة والدعوة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا موضع من مواضع الجهاد في سبيل الله. قال الله عز وجل: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الحاكم وأحمد وأبي داود بإسناد حسن -وقد جاءت فيه طرق كثيرة-: «جاهد المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم». والشاهد في قوله: «وألسنتكم»، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجاهد المشركين بهذه الأنواع الثلاثة. ومعناه: من استطاع أن يعين على عزة هذا الدين بالمال أو بالنفس أو باللسان فليفعل، وبالضوابط والطرق الشرعية المشروعة. وفي حديثه بموسى بالصحيحين: سأل النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل ليُرى مكانه، ويقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل غضبًا، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» الحديث، فهو في سبيل الله. فهذا هو الضابط في معنى القتال والجهاد في سبيل الله. فمن بدل مالًا أو علمًا أو أعان على ذلك بأي معاني الإعانة، أو جاهد بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فهو في سبيل الله. فهذا هو الجهاد في سبيل الله. وهنا تنبيه ينبغي عليه: وهو أن بعض الناس يلتبس عليه هذا الأمر، فيسمع بعض التشويش من بعض الجاهلين، وربما من خلفهم بعض المنافقين والكافرين من تشويه صورة هذا الدين بالجهاد، تارة برمي هذا الدين بأنواع من التهم بحجة أن الجهاد في هذا الدين من العنف الذي لا ينبغي أن يكون. وتارة بتحريف معاني الجهاد حتى صار بعض من ينتسب إلى الدين يحرف أدلة الجهاد بمعاني بعيدة كل البعد عن المقاصد الشرعية الصحيحة في هذا الباب. وفي مقابل هؤلاء طائفة أخرى لم يفهموا حقيقة الجهاد، فجعلوه صورة من صور الفساد، فشوه جمال هذا الدين بتلك الأفكار السقيمة الضالة، وتلك التصرفات المشينة المهلكة التي هي بعيدة كل البعد عن معنى الجهاد وجماله في هذا الدين. فالجهاد في سبيل الله في دين الإسلام وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فالجهاد الشرعي بضوابطه أمر الله به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم بسنته، في أدلة كثيرة جدًا. وأما أن يلغى الجهاد بمعناه الشرعي -كما يريد أن يفعل ذلك بعض الجهال والمنافقين لإرضاء الكافرين- فهذا باطل وغير صحيح. ولولا الجهاد في سبيل الله لأذل الكفار المسلمين. انظروا إلى الكفار: أليس كل شعب من شعوب الكفار له جيش يحميه؟ لماذا هذا الجيش؟ يحميه من ماذا؟ إما من اعتداء العدو، أو إذا كان لنصرة مظلوم، أو غير ذلك من المعاني الصحيحة. فكذلك المسلمون لهم هذا الحق. والجهاد في الإسلام هو لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، تارة بجهاد الدفع أن يدفع اعتداء الكفار، وتارة بجهاد الطلب وهو أن يعان الناس على حرياتهم حتى لا يحول أحد بينهم وبين حريتهم في اختيار ما يريدون من دين الله عز وجل. وليس الجهاد في الإسلام لإرغام الناس على الدخول في دين الإسلام. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل جيشًا يأمرهم بماذا؟ بأن يخيروهم، يدعوهم إلى الإسلام، فإن هم أبوا فالجزية أو القتال، كما كان يفعل كما جاء في أحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.