شرح مختصر شعب الإيمان 14

شرح مختصر شعب الإيمان 14

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 14، 22-الزكاة . 23-الصيام . 24-الاعتكاف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الزكاة ومكانتها في الإسلام

الزكاة ركن من أركان الإسلام وهي شعبة من شعب الإيمان، وقد أمر الله بها في آيات كثيرة. الزكاة تنقسم إلى قسمين: ما رتب من المقادير المفروضة لكل مال، ودفع الضرورات عن المضطرين.

آداب وأحكام الزكاة وفوائدها

ينبغي مراعاة الأصلح في أداء الزكاة، وهناك آداب مثل مراعاة الأنفع في السر والعلن وتجنب الإفساد بالمن والأذى. من حكم الزكاة أنها سبب لخلوص المحبة لله وتطهير المال ونمائه.

حكم وفوائد الصيام والاعتكاف في رمضان

الصيام سببًا للتقوى وكسر شهوة الإنسان، ويعين على التفرغ للعبادة والتقرب من الله. الاعتكاف عبادة مشروعة في رمضان وغيره، ويتأكد في رمضان، ويهدف إلى إصلاح حال العبد وعبادته.

بيان ضعف الحديث وتأكيد العلم الإلهي

الحديث الآخر مذكور بصيغة التمريض مما يدل على ضعفه. الكلام ينتهي هنا معتمدًا على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة الثانية والعشرون من شعب الإيمان، الزكاة. لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قال: وحديث أبي هريرة في صحيح البخاري رضي الله عنه قال: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه»، ومعنى الزبيبتان: أي مثل الزبيبتين مما يكون فيها السم، فهي من مواضع السمية. قال: ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان، وهي الزكاة. والزكاة قرينة الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام، كما أن الصلاة ركن من أركان الإسلام. فالصلاة الركن الأول من أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، والزكاة الركن الثاني من الأركان العملية بعد الشهادتين والصلاة. فمنزلة الزكاة في دين الإسلام عظيمة، فهي بلا شك شعبة من شعب الإيمان. وقد أمر الله عز وجل بها في آيات كثيرة في كتابه. وقد أشار إلى بعض هذه الآيات فيما ذكره رحمه الله. وفي قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، علم أن من أهم قواعد الدين التوحيد والصلاة والزكاة. وكذلك الآية الأخرى، وآيات كثيرة فيها هذا المعنى. والآية الثانية فيها مع التنبيه على فضل الزكاة، فيه كذلك التحذير من عدم أدائها والتقصير في حقها وواجبها. فإن الله أعد لمن فرط في هذا الواجب بهذا الوعيد، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر الآية. وحديث أبي هريرة في الصحيح، وجاء عن عدد من الصحابة أنه إذا كان يوم القيامة يمثل لكل إنسان ما كان معه من مال: صاحب الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، فإن لم يؤدي زكاتها ولم يؤدي حقها. وقد أشار في الحديث أن من حقها حلبها يوم ورودها. وبهذا يعلم أن الزكاة المفروضة تنقسم إلى قسمين: أو الصدقة المفروضة تنقسم إلى قسمين: قسم فيما رتب من تلك المقادير المفروضة لكل مال، وضع فيه نصاب بحولان الحول وبلوغ ذلك النصاب. وقسم آخر واجب، وهو دفع الضرورات عن المضطرين، وما كان بمعناه من أرباب الأموال لهؤلاء. فإن هذا كذلك من القسم الواجب. فالشاهد أن الحديث ذكر كيف يعذبون بنضح تلك الغنم والبقر، وأنها تمر عليها بأرجلها. ولما ذكر صاحب الذهب والفضة، أنه يحمى عليه فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، فيقال له: هذا ما كنزت. والمراد بالكنز ها هنا ليس هو بقاء المال، ولكن المقصود عدم أداء زكاته. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة هذا المعنى. وأما ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه في هذا الباب، فهو فهم فهمه، خالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. وفي الزكاة أحكام كثيرة وتفاصيل ذكرها العلماء في كتب الفقه. والمقصود ها هنا أن يعرف المسلم هذه الفريضة وعظم منزلتها، وأنها شعبة من شعب الإيمان، فيحرص على أدائها وتأدية ما يجب في حقها من واجبات ومن شروط ومن أحكام تراعى. فمما يناسب ذكره ها هنا أن الزكاة كغيرها من الواجبات الشرعية، ويناسب أن يذكر ها هنا شيئا يحصل فيه الخطأ بغلبة العاطفة والنظر إلى هذه التفاصيل التي تذكر في الزكاة بغلبة. وذلك تنبيها نبه عليه العلماء، وهو أن الواجبات الشرعية تنقسم في هذا الدين إلى ثلاثة أقسام. قسم ما هو تعبدي محض، كرمي الجمار وعدد ركعات الصلاة ونحو ذلك، فلا مجال ولا وجود لمعنى له إلا التعبد. فهنا يؤدى على ما أمر وابتلى وامتحن الرب جل وعلا عباده. فعند ذلك تظهر معاني العبودية لله سبحانه وتعالى، ليس له حظ. وقسم فيه معنى ليس الأول، وهو ليس تعبدي، ولكنه حظ محض. الأول تعبدي محض، والثاني حظ محض. فلا يقصد به التعبد، ولكن المقصود منه حصول ذلك الحظ وأداؤه، مثل أداء الديون ورد المغصوب، فإنه لا يقصد منه التعبد، ولكن المقصود منه حصول ذلك الحظ وأداؤه. ولو كانت أديت بغير نية سقطت. على أن الاحتساب فيها لا شك مطلوب، طاعة لله وطلبا لمرضاة الله. لكن لو أديت بغير النية صحة. وقسم ثالث مركب من هذين الأمرين، فيه معنى تعبدي، وفيه معنى في أداء حظ وقصد وحصول ذلك الحظ والمقصد مطلوب، والتعبد كذلك مطلوب. ومن هذا القسم الزكاة. فالله عز وجل جعل أصنافا لبعض أنواع ما فيه الزكاة، من أين يؤخذ وكيف يخرج ولمن يخرج. فإذا كان كذلك، فينبغي أن يراعى هذا الباب، فلا ينسى هذين المعنيين. بل قد يكون معنى التعبد أهم وأدق من المعنى الآخر، وهو مراعاة الحظ والمقصد. فلا ينظر إلى الحظ مثلا حظ الفقير، وكذلك الأنفع للفقير، مع إهمال الجانب الآخر الذي قد يكون في هذا الباب أهم. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن الواجب في هذا لزوم واتباع ما جاءت به الشريعة. فمثلا بعض الناس يقول: زكاة الفطر صاع من طعام، الناس ما يحتاجون إلى المال أحسن من الطعام؟ هذا شيء منافي للشرع. نظر هؤلاء إلى هذا من جانب، وتركوا الجانب الآخر، وهو التعبد الذي تعبدنا الله عز وجل به. فلذلك ينبغي أن ينتبه لهذا، وغيره كذلك من مراعاة الأصلح. فالأصلح يراعي صاحب الزكاة كيف يؤديها على وجه يكون به النفع أعظم. وهناك آداب ذكرها العلماء في أداء الزكاة. من هذه الآداب على وجه الاختصار: مراعاة الأنفع في السر والعلن. قدم الله عز وجل صدقة السر على العلن في آيات كثيرة. ومع ذلك ما أكثر ما قال الله عز وجل: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. ومع ذلك قد يكون في بعض المواضع العلن مطلوب، خصوصا إذا كانت الصدقة ستتعطل، فلا يترك الإنسان الصدقة لأجل طلب السر. ومن ذلك ألا يفسدها بالمن والأذى. وقد حذرنا ربنا جل وعلا من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. ومن ذلك ألا يستصغر صدقة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الناس أن يتقوا النار ولو بشق تمرة -أي نصف تمرة-. والمقصود لا تستصغر صدقة، فربما عندك صغيرة وعند غيرك كبيرة. ومن ذلك أن يستصغر العطية، لا تستصغر الصدقة، ولكن استصغر عطيتك حتى لا تصاب بالعجب والغرور وتؤذي المتصدق عليه. ومن ذلك تعجيل الصدقة. ومن ذلك مراعاة الستر. ومن ذلك إخراج الوسط، والوسط هو العدل. وإن زدت فأخرجت أفضل ما تملك فهو الأحسن. ولكن احذر أن تخرج الخبيث، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. يعني لو كان لك ما رضيت أن تأخذه فكيف ترضى أن تخرجه؟ كيف ترضى أن تخرجه صدقة؟ وأفضل ما يذكر المتصدق عند إخراج الصدقة أن يتذكر شيئين اثنين: أنه حق لله، فأنت تخرجه تريد ما عند الله، فتذكر واستحضر: هل هذا يليق أن تخرجه؟ كالضيف إذا ضيفته، هل تعطيه أرض المالك أو تعطيه ماذا؟ الأحسن. فكيف بما هو لله سبحانه وتعالى؟ والمعنى الثاني: أن تتأمل أن هذا الذي تخرجه هو الذي يبقى لك، وأن الذي تبقيه هو الذي يفنى عنك. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عائشة حين تصدقت بشاة إلا الكتف، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما بقي من الشاة؟» قالت: بقي كتفها. قال: «بل بقيت كلها إلا كتفها». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام أن ما أنفق الإنسان بقي، وأن ما أبقى فني. ذكر معنا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. ومن هذه الآداب: تتبع أصناف المعطين، فينظر الأهم والأحوج، فيقدم صاحب العيال على غيره، والمحصور على غيره، والمتعفف على غيره، ويراعي القريب دون البعيد، ونحو ذلك. ومن ذلك كذلك أن يجعل لنفسه ولو بعض حين أن ينفق ما يحب: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وقد صح في هذا أحاديث وأثار كثيرة. ومما يستحسن ذكره منها هنا ما يروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه مرض مرض شديد قبل وفاته رضي الله عنه وأرضاه، فخيروه في الطعام فلم يشتهي شيئا. ثم ذكروا له حوت البحر -يعني السمك- فقال: طيب، اشتهاه. فبحثوا له فلم يجدوا حتى وجدوا له حوتا بعد عناء. فلما قربوه إليه جاء مسكين، فعلم به عند الباب، فقال: أعطوه هذا الحوت. فقالوا له: إنا قد تعنينا حتى وجدناه، وإنك لا تأكل غيره. فقال: تذكرت قول الله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإني والله أحبه، ولكن أحب أن يسبقني إلى الله. فجعل هذا الذي يحب صدقة لنفسه، تسبقه إلى الله جل وعلا. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن. وهذه الشعبة فيها مسائل وأحكام كثيرة. ومما يذكر كذلك هنا على وجه الاختصار: حكم الزكاة. فمن حكم الزكاة أنها سبب لخلوص المحبة لله عز وجل. فيبتلي ربنا جل وعلا عباده بما يحبون من هذه الأموال: هل يقدمون مرضاته أو يقدمون شهوات أنفسهم وملذات أموالهم؟ فعند ذلك يظهر الفرق بين المؤمن وغيره، بخلوص المحبة في طاعة الله عز وجل. ومن حكمها: أنه ينزه قلبه عن البخل والشح، كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. ومن حكمها: أنه يطهر المال وينمي ويزكيه ويكفره: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فالربا يمحقه، والصدقة ينميها ويربيها ويكثرها. فهي سبب لتنقية المال وطهرته، كما جاءت به النصوص، ولكثرته وبركته. ومن حكمها كذلك: سبب لشكر نعم الله على ما أنعم الله عز وجل عليك. ومن حكمها كذلك: أنها سبب لمواساة الفقراء والمساكين والمحتاجين، وحصول التكافل في المجتمع. ومن حكمها: زوال العداوة والشحناء والبغضاء بين الأغنياء والفقراء، بما يكون من إحسان هذا وشكر هذا. فيكون بذلك حصول مجتمع متحاب متراحم متآخ بهذه الآداب التي شرعها الله عز وجل، وغير ذلك من حكم كثيرة. قال رحمه الله تعالى: الثالث والعشرون من شعب الإيمان الصيام، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وحديث أبي هريرة رضي الله عنه فيهما: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به. يدع طعامه وشهوته من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. الصوم جنة». كذلك من شعب الإيمان الصيام. والصيام ركن من أركان الإسلام ومبانيه. فهو من شعب الإيمان. وقد أمر الله عز وجل به في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. بل كان من العبادات التي سبقت إليها الأمم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والأدلة من الكتاب والسنة في هذا كثيرة. ومن ذلك ما أشار إليه في الحديثين. فبالحديث الأول حديث ابن عمر: أنه أحد مباني هذا الدين الذي لا يتم إلا به، كالبناء لا يتم إلا بمبانيه. فكذلك الدين لا يتم إلا بمبانيه. ومن مبانيه الصوم. والصوم وسائر أركان الإسلام من الفروض التي ذهابها على قول بعض أهل العلم يكون به ذهاب الدين. فقد أشار غير واحد من أهل العلم -خلافا لأهل العلم- في مباني الدين: أنها توجب الكفر أو لا؟ فهو من الواجبات والفرائض العظيمة التي قد يذهب دين الإنسان وإسلامه بسببه. وفي حديث أبي هريرة: إشارة إلى فضل هذا الصيام. ومن عظيم فضله: أن الله اختص أجره عنده. أي أن أجره أعظم من أن يضعف إلى سبعمائة ضعف، وذلك لما اختصه الله عز وجل عنده. وفيه كذلك ما يجازى به الصائم في الدنيا والآخرة من فضل هذا الصوم: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. والصوم جنة -أي حماية ووقاية- يتقي ويستجن به مما يضره، مثل الترس. فالصوم جنة، ولكن بالمعنى المعنوي. ولهذا صار للصوم فضائل وحكم كثيرة. ومن ذلك ما ذكر في الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهذا من أعظم حكم الصيام: أنه سبب للتقوى. ومن حكمه كذلك: أنه يكسر شهوة هذا الإنسان، فيحجزه عن الكثير من الشر والسوء واللهو واللغو. ولهذا أمر به الشاب الذي لا يستطيع الزواج: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وهكذا كذلك من حكمه: أنه سبب لتذكر نعم الله فيشكرها، بما يرى من وقت صيامه. ومن حكمه: أنه يتذكر حال كثير يصومون بغير سبب الصيام، فيدفعه ذلك إلى الإحسان إليهم: النفقة والصدقة. ومن حكمه كذلك: أنه سبب يعين العبد على التفرغ والتخلي بنفسه، بترك الشواغل التي تشغله من الطعام والشراب وما يلحق بذلك من جمعه وصنعه والجلوس له. والغالب أن الصائم يخلو بنفسه، فيعينه ذلك على هذه المعاني. ولذلك استحب كذلك الاعتكاف للصائم. ومن حكمه كذلك: أنه سبب آخر يعين على تحقيق معاني العبودية لله عز وجل، بما يكون من أداء هذه العبادة، ودوام المراقبة له سبحانه وتعالى. فيعان على غيرها من الطاعات والعبادات. وغير ذلك كثير من هذه الحكم والفوائد. ولهذا حرص الصالحون على الصيام: فرضه ونفله، حتى صار لهم خلقا. لأنهم أحبوا هذه العبادة. وخير الهدي في هذا الباب هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فلهذا نصح عليه الصلاة والسلام من باب الاقتصاد في العبادة: ألا يزيد المتطوع على أن يصوم يوما ويفطر يوما، فذاك صيام نبي الله داود. وقد كان أعبد الناس. فلما قال عبد الله بن عمر: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك؟» قال: «لا أفضل من ذلك». وما روي عن بعض السلف أنه كان يسرد الصوم -كعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وأبي طلحة وجماعة- فيوجه بأنهم إما لم يبلغهم العلم، وإما أنهم لم يفهموا المقصود، واجتهدوا في هذا الباب. فهم بين الأجر والأجرين. وينبغي للمسلم وطالب العلم خصوصا أن يراعي في الصيام الأصلح له. فقد روي عن ابن مسعود أنه كان قليل الصوم، ولكنه كان كثير الصلاة. فلما سئل عن ذلك قال: الصوم يضعفني عن الصلاة، وأحب الصلاة. وكأنه يشير إلى أن الصلاة أفضل من الصيام. وكذلك طالب العلم إذا كان سيشغله عن العلم، فينبغي أن يأخذ من الصوم ما لا يصرفه عن ما منفعته متعدية. وهكذا يقال في سائر الحقوق الأخرى من باب أولى. فإن كان الإنسان يريد أن يتطوع وتطوعه يمنعه من القيام بالحقوق التي عليه -من النفقة على أهله ومن القيام بنفسه- فلا شك أن هذا ليس بمحمود، بل مذموم. ومما يناسب ذكره هنا أن العلماء نبهوا أن مراتب الصيام ثلاثة: فصيام عن المفطرات الحسية من الطعام والشراب والشهوة. وهذا صيام العموم. وصيام عن المفطرات الحسية والمعنوية من الذنوب والآثام والمعاصي. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». والثالث: صيام عن المفطرات الحسية والمعنوية، وكذلك صيام القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الموبقة المبعدة. فإذا حصل للإنسان معاني الصيام ومراتبه الثلاثة انتفع من هذا الصيام. وإلا فقد يحصل له صوم، ولكن ينقص فضله وأجره ومنفعته وثمرته بنقصان مراتبه. كالصائم الذي يصوم عن الطعام والشراب، ثم يكذب ويغش ويفعل ما يفعل. فهذا لم ينتفع من صيامه. ومثله صاحب المرتبة الثانية: صام عن الطعام والشراب والشهوة، وترك ما استطاع من المنكرات والآثام الظاهرة. ولكن بقيت في قلبه همم دنيئة وأفكار مبعدة. كحال بعض الصائمين الذين يعبدون الله في شهر رمضان، ربما يقعد شهرا كاملا ويصبر على أن يقعد في المسجد ولا يخرج منه. ولكن في قلبه همم دنيئة وأفكار سيئة. ومن ذلك أنه عنده عزم مؤكد إذا صلى العيد طوى السجادة -كما يقول بعض الناس- ورفعها إلى رمضان الآتي. فهذا بالحقيقة من لم ينتفع بصومه، ولا بطاعاته. لأن مرتبة الصوم عنده كانت قاصرة ناقصة. وهناك تفاصيل كثيرة تتعلق بهذا الباب ترجع في كتب الفقه. قال رحمه الله: الرابع والعشرون من شعب الإيمان الاعتكاف، لقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ولحديث عائشة في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اعتكف فواق ناقة، فكأنما اعتق نسمة أو رقبة». أورد رحمه الله الاعتكاف. وبعضهم أدخل هذه الشعبة فيما قبله، فهو متعلق بالصيام. وأفردها رحمه الله لانفراد بعض أدلتها فيها، وكذلك لما كان من الاعتناء اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بها. والاعتكاف عبادة يتعبد بها المسلم في رمضان وفي غير رمضان، ويتأكد أمرها في رمضان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في رمضان واعتكف في غير رمضان. فقد صح أنه اعتكف في كل رمضان. ومرة أراد أن يعتكف فأردن بعض نسائه أن يعتكفن معه، فتتابعوا على ذلك. فلما رآهن ترك الاعتكاف تلك السنة، ثم اعتكف في شوال عليه الصلاة والسلام. وقد نذر عمر رضي الله عنه أن يعتكف يوما في الجاهلية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيوفي بنذره؟ فأمره أن يوفي بنذره. فالاعتكاف عبادة مشروعة، ويتأكد في رمضان ومع الصيام. وفيها مصالح وحكم كثيرة، منها: أن يخلو العبد بربه فيصلح بذلك حال نفسه. وقد كان التحنث والخلوة للإنسان بنفسه من سنن الأنبياء والصالحين. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام يخلو بنفسه في غار حراء. ففي ذلك معاني جليلة ومطالب دقيقة يحصلها المعتكف ما لا يكون معه إذا كان مخالطا للناس. ولهذا شرع الإسلام الاعتكاف، لكن بالضوابط الشرعية، فلا إفراط ولا تفريط. وهناك أحكام وتفاصيل تذكر في كتب الفقه. وفي الاعتكاف كذلك معنى آخر يراعيه المسلم، وهو أنه يحرص بهذه العبادة أن يصل بها إلى إصلاح عموم عبادته. فليس المقصود هو نفس الاعتكاف، ولا نفس الصيام، بقدر ما المقصود أن يصل به إلى إصلاح نفسه بهذه العبادة. وأورد حديث عائشة، وفيه اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء اعتكافه في عدة أحاديث، منها حديث أنس وجماعة من الصحابة. وفيه كذلك أنه كان يواضب عليه حتى توفاه الله، وأن هذه السنة بقيت، فالتزمه أزواجه، فكيف بغيرهن؟ وأما الحديث الآخر، فقد أورده بصيغة التمريض، إشارة منه إلى ضعفه. وقد أشار في التعليق إلى ضعفه. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.