شرح مختصر شعب الإيمان 13

شرح مختصر شعب الإيمان 13

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 13، 20-الطهارات . 21-الصلوات الخمس . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية الطهارة

يتناول أهمية الطهارة في الإسلام وتشمل الطهارة الحسية والمعنوية. الطهارة شرط لصحة الصلاة وهي شطر الإيمان.

أهمية الصلاة وفضلها

يتناول أهمية الصلاة في الإسلام وفضلها العظيم، وتعتبر شعبة عظيمة من شعب الإيمان. تاركها يقع في الشرك والكفر.

الخشوع في الصلاة وصلاة الجماعة

يُشدد على أهمية صلاة الجماعة ووجوبها، ويُوضح أهمية الخشوع في الصلاة وتحقيق حضور القلب. الصلاة تصلح حال الإنسان وتربطه بخالقه.

ختام الحديث وتأكيد حدود العلم

يشير إلى وجود العديد من المعاني والحكم الأخرى التي لم يتم ذكرها، ويختتم بالتأكيد على أن العلم عند الله تعالى. يُظهر الختام تواضع المتحدث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة العشرون من شعب الإيمان، الطهارات. قال لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ولحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه في صحيح مسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما في صحيح مسلم أيضا: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». ولحديث حسن عن أبي كبشة السلول عن ثوبان رضي الله عنه: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ». قال: روى الحليم عن يحيى بن آدم في قوله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، لأن الله تعالى سمى الصلاة إيمانا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس. ولا تجوز الصلاة إلا بالوضوء، فهما شيئان كل واحد منهما نصف الآخر. أورد رحمه الله تعالى من شعب الإيمان الطهارات، وقوله الطهارات يتناول معاني الطهارات جميعا، وهي حسية ومعنوية. فأما الحسية فالطهارة من الأحداث، الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة من الأنجاس عن الثوب والمكان والبدن، والطهارة من الفضلات، ومنه خصال الفطرة من قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. وهكذا كذلك ما يلحق به من تنظيف الجلد والأصابع والبراجم وفضلات الجسد جميعا، الأذن والأنف والفم، ومنه السواك وغير ذلك من الفضلات، حتى الشعر إذا احتاج إلى اعتناء، فإن من معاني عموم الطهارة أن يعتني به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْ شَعْرَهُ». فكله يدخل في هذا العموم. ومن المعاني المعنوية للطهارة: طهارة الجوارح من الذنوب والآثام، والقلب من الرذائل الممقوتة والأخلاق المذمومة، والسر عما سوى الله. فهذه معاني كثيرة تدخل في معنى الطهارة. فإذا كان كذلك، علم أن أمر الطهارة في هذا الدين عظيم. وأورد الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وهي آية الوضوء في سورة المائدة، وفيها الأمر بهذه الطهارة. ونحوها آية سورة النساء، وغيرها من الآيات التي تدل على هذا المعنى، أي الأمر بالطهارة بأي معنى من معانيها المتقدمة. ثم ذكر حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وفيه: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ». وفسر ذلك في آخر هذا الفصل بأنها قرينة الصلاة، لأن الله سمى الصلاة إيمانا، ولا تجوز الصلاة إلا بوضوء. وهذا تفسير. وتفسير آخر: أن الإيمان عبارة عن تحلية وتخلية، الإيمان تحلية وتخلية. وكلمة التوحيد نفي وإثبات، فأنت تشهد أن لا إله إلا الله، تنفيها عما سوى الله وتثبتها لله عز وجل وحده. وكذلك هذا الدين بأكمله، والإيمان فيه تحلية وتخلية، التحلية أن تتحلى بكل ما أمرك الله مما فيه الخير لك في دنياك وفي آخرتك، من امتثال الواجبات والمسابقة في المستحبات. وكذلك فيه تخلية، وهو أن تتخلى عن كل ما نهاك الله عنه من المحرمات ومن المكروهات. فإذا كان كذلك، الطهور يدخل في التخلية، أو في التحلية. في التخلية، فإذا كان كذلك، علم أن الطهور شطر الإيمان، لأن الإيمان على شطرين: تحلية وتخلية. فكل معاني التخلية هي من الطهور، لأن التخلية كما تقدم حسية ومعنوية. فتدخل سائر خصال الإيمان التي دعي إليها المسلم مما أمر بالتخلص عنها، تدخل في هذا المعنى. وهذا أقرب من التفسير الآخر. وحديث أبي مالك الأشعري تناول أشياء كثيرة عظيمة من فضل ذكر الله عز وجل، والحمد خصوصا، والتسبيح والتكبير، وما فيها من فضائل. ثم كذلك كون الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء. وسيأتي إن شاء الله الكلام على الصلاة والصدقة، فهي نور يضيء للمسلم لنفسه بها في الدنيا وفي الآخرة. وهي برهان، أي الصدقة كذلك لنفسه في الدنيا والآخرة. والصبر ضياء، لما له من العاقبة الحسنة، فيكون له كذلك الثواب الحسن في الدنيا وفي الآخرة. والقرآن حجة لك أو عليك، أي بالعمل به أو عدمه. وكل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها. أحوال الناس في هذه الدنيا مع تفاصيل هذه الأعمال الصالحة وغيرها. وفي حديث ابن عمر: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». فيه أن الطهارة شرط لصحة الصلاة. وكما أن ذلك يبطل الصلاة، فكذلك الغلول يبطل الصدقة، فلا صدقة من غلول، لأن أصله باطل، فلا يقبل الله جل وعلا ذلك. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وفيه كذلك التنبيه على شيء من أحكام الطهارة وأحكامها، وتفاصيل مسائلها كثيرة في كتب الفقه، لكن هذا شيء من ذلك الكثير. وإلا تفاصيله يرجع إلى مظانه في كتب الفقه، وليس هذا مظانه. وللطهارة حكم كثيرة، فمن حكمها حصول النقاء الذي به يصلح حال هذا الإنسان في دنياه وفي آخرته. أنت ترى حال هذا الإنسان، هل يطيق أن يبقى وعليه أثر النجاسات؟ ما يستطيع. فكذلك قل في سائر معاني الطهارة، فإنه لو استشعر ذلك لعلم أهمية الطهارة لنفسه في دنياه وفي آخرته. كيف إذا ازداد مع هذا علمه بما أعد الله عز وجل للمطهرين والمتطهرين يوم القيامة؟ فإنه سيدعوه ذلك أن يحرص على هذه الطهارة بجميع معانيها. ومن حكمها كذلك: أنه يعين المرء على أداء القسم الآخر من أقسام هذا الدين والإيمان. فعلى ما جاء تفسيره: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ». قال عن يحيى بن آدم: أنها بالنسبة للصلاة شطر، لأنها لا تصح الصلاة إلا بها. فإذا الطهارة تعين على الصلاة. وكذلك كذلك سائر معاني الطهارة تعين على خصال الإيمان. سائر خصال الطهارة تعين على خصال الإيمان. فكلما كثرت معاني النجاسة والرجس الحسية والمعنوية، أفسدت على صاحبها خصال الإيمان. حتى أن الشرك يفسد ماذا؟ يفسد التوحيد. لو كان عند الإنسان عبادة لله وأدخل معها الشرك، ماذا حصل؟ فسدت هذه العبادة. مثل الصلاة إذا حصل فيها الحدث، ماذا؟ فسدت هذه الصلاة. فكذلك سائر الخصال التي تنافي الطهارة تفسد على صاحبها خصال الإيمان التي هي من ماذا؟ من التحلية. فلا تبقى التحلية إلا بماذا؟ بالتخلية. لا تبقى التحلية إلا بالتخلية. ولهذا قدم النفي على الإثبات: لا إله إلا الله. فكذلك قل في سائر خصال الإيمان وشعبه التي منها معاني الطهارة. وكذلك من حكمها: أن هذه الطهارات كذلك تعين على سعادة الإنسان في دنياه، ليس فقط في آخرته، بل كذلك في دنياه. ماذا يكون حال الإنسان إذا صار منقى من النجاسات في ثوبه وبدنه ومكانه، ومطهر بكذلك معاني الطهارة من الأحداث والفضلات؟ فكيف يكون حاله؟ يشعر براحة وبسعادة. فكذلك المعاني الأخرى للطهارة تورث له السعادة والراحة. الإنسان إذا وقع في ذنب واحد، يبقى في ضيق وفي هم وفي كرب، وكذلك حزن ما يعلم به إلا الله. والكثير من الناس يصاب بأنواع الأمراض النفسية والهموم والغموم والضيق، ولا يدري ما هو السبب. إن من أعظم أسبابه بقاء معاني المعاني المنافية للطهارة، سواء كانت حسية أو معنوية. قال رحمه الله: الحادي والعشرون من شعب الإيمان الصلوات الخمس، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. ولحديث جابر رضي الله عنه في الصحيح مسلم: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالصحيحين قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلت: ثم أي؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قلت: ثم أي؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قال: وحدثني بهن، ولو استزدته لزادني. وحديث ابن عمر رضي الله عنه ما فيهما، أي الصحيحين: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». وحديث عثمان رضي الله عنه بصحيح مسلم: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تُحْضِرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحُصِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ». قال: وبه أنبأ البيهقي. قال: وليس في العبادات بعد الإيمان بالله -الرافع للكفر- جملة معترضة هي في حق الإيمان بالله- عبادة سماها جل وعلا إيمانا، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها كفرا- إلا الصلاة. ومعنى أن الصلاة من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله: أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعبي الإيمان. قال: الصلوات الخمس. ولو قال: الصلاة عموما، لكان أعم وأحسن، فيدخل فيها الصلوات الخمس، وسائر معاني الصلاة، حتى الدعاء يدخل فيها. فهذه شعبة من شعب الإيمان. وقد سمى الله الصلاة إيمانا، كما في آية سورة البقرة التي ابتدأ بها هذا الفصل. وهكذا كذلك أشار إلى بعض الآيات التي تدل على عظيم منزلة الصلاة في الإسلام، وفي الإيمان. وبه كذلك يعلم أن للصلاة منزلة عظيمة من شعب الإيمان. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله، وفيه تسمية تارك الصلاة، أو تسمية الترك شركا وكفرا: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». فعلم أن ترك الصلاة أمره عظيم في هذا الدين، فتاركه يقع في الشرك والكفر. وهل هو الشرك والكفر الأكبر أم الأصغر؟ فيه خلاف بين أهل العلم. والذي عليه جمهور أهل العلم من السلف ومن تبعهم: أنه الكفر الأكبر. وإن كان عند المتأخرين صار على خلاف هذا. الحاصل: أن الله عز وجل جعل للصلاة منزلة عظيمة في هذا الدين، فهي شعبة عظيمة من شعب الإيمان. ثم ذكر رحمه الله حديث ابن مسعود، وفيه: أن الصلاة من أحب الأعمال وأفضلها إلى الله سبحانه وتعالى، بل أن يواضب على أدائها في أول وقتها. وكذلك من باب أولى المحافظة عليها، يعني بأصلها. وقد توعد الله عز وجل من يؤخرها عن وقتها بالعذاب الشديد. وكذلك الوعيد الأكيد في قوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. روي عن ابن عباس وعبد الله بن عمر: أنهم ليسوا الذين تركوا الصلاة بالكلية، ولكن يؤخرونها عن وقتها. وهذا يدل على عظيم منزلة الصلاة في هذا الدين. وفسر الويل بأنه العذاب الشديد. وكذلك فسر بأنه واد في قعر جهنم. ثم ذكر بر الوالدين، ويدل على عظم منزلته في هذا الدين، أي منزلة بر الوالدين. ثم ذكر الجهاد في سبيل الله، وهو كذلك يدل على عظم منزلته في هذا الدين. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وكذلك في حديث ابن عمر ذكر صلاة الجماعة وفضلها، وهذا كذلك يدل على أن من المحافظة على الصلاة: المحافظة عليها في الجماعة، فهي أفضل من صلاة الفذ ب27 درجة. وفي رواية: بضع وعشرين درجة. حديث أبي هريرة. وهي واجبة من الواجبات. قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه هم أن يحرق بيوت قوم لتخلفهم عن صلاة الجماعة. وهذا يدل على وجوبها، فلا يجوز لرجل ليس له عذر أن يتخلف عن هذه الصلاة. ثم ذكر حديث عثمان رضي الله عنه، وهو حديث عظيم كذلك، فيه من ينتفع بهذه الصلاة. قال: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تُحْضِرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ». وفي هذا إشارة إلى من ينتفع بهذه الصلاة: هو الذي يحسن أركانها واجباتها وشروطها، ويحرص على سننها. فهو الذي ينتفع بهذه الصلاة. ولهذا فإن السلف الصالح كانوا من أحسن الناس صلاة، لاستيفائهم لمعاني واجباتها وأركانها وشروطها. روي عن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من الخشوع. وربما نزل الطير عليه، ما ظن أنه إنسان رضي الله عنه ورحمه الله، لطول خشوعه وصلاته. ما كان يستشعر الطير أنه إنسان. وروِي عنه: أنه في أيام الحجاج حين رمي بالمنجنيق، كان يصلي إلى الكعبة، فجاءه حجر قذفة، فأخذ بعض ثوبه، فلم ينفتل من صلاته رضي الله عنه أرضاه، استمر في صلاته. وهذا هو حال من دخل في هذه الصلاة، ويعلم أنه بين يدي الله سبحانه وتعالى. وذكر عن ميمون بن مهران قال: ما رأيت مثل مسلم بن يسار، فإني لم أره يلتفت في صلاة قط. ولقد انهدم ناحية من المسجد يوما، ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد يصلي، ملتفتا مستمرا بصلاته. ويروى عن عروة بن الزبير الصابر المحتسب: أنه كان إذا دخل في الصلاة خرج من الدنيا. فابتلي أو بلي برجله وقدمه، فأرادوا أن يقطعوها، فاستأذنوه. فقال: إذا دخلت في الصلاة، فاقطعوها، فإني إذا دخلت في الصلاة كان لي بها شغل. فقيل: ويروى عنه أنه قطعت رجله وهو يصلي، فما شعر. ما شعر بما صنعوا. ومما ذكر العلماء من أسباب الخشوع وحياة الصلاة: أمور كثيرة، من أهمها: حضور القلب، فيفرغ المصلي قلبه مما سوى الله، ويستحضر به وقوفه بين يدي الله جل وعلا. فكل ما هو فيه يفرغه في أمر الصلاة، فيحقق معنى التخلي عن الدنيا والدخول في الصلاة للوقوف بين يدي الله عز وجل. والمعنى أن الثاني من هذه المعاني على وجه الاختصار: استحضار معاني الأقوال والأفعال. والاستحضار شيء زائد عن حضور القلب، فاستحضار معاني الأقوال والأفعال هو شيء زائد عن حضور القلب، لأن القلب قد يكون حاضرا، لكنه مع القول والفعل دون معنى وحقيقته، يكون مع اللفظ دون المعنى، مع الفعل دون الحقيقة. فعند ذلك يعرف الفرق بين حضور القلب واستحضار معاني الأقوال والأفعال. والثالث: قطع أسباب الشغل، فيقطع أسباب الانشغال من الالتفات والحركة وتعلق بصورة أو صوت. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بالإذهاب بخميصة له، لما كان فيها خطوط تشغله في صلاته. فقال: «اذهبوا بخميصة هذه، واعتوني بمجانية أبي جهم، فإنها ألهتني عن صلاة آنفا». ومن هذه الأمور: مداومة المراقبة لنقص نفسه وتقصيرها، وعظمة ربه وخالقه وحقه عليه. فإذا كانوا مداوما لهذه المراقبة، يعرف أنه مقصر عنده نقص وتفريط، ويستحضر عظمة الرب جل وعلا. دفعه ذلك للإحسان في صلاته، خصوصا إذا علم واستحضر أنه خارج لا محالة من هذه الدنيا. وللصلاة حكم كثيرة، من أعظم هذه الحكم على وجه الاختصار: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. ومن حكم الصلاة: أنها صلة بين العبد وخالقه. ومن أحب شيئا ولم يصله، جفاه. فمن رحمة الله عز وجل: أن جعل بينه وبين عباده صلة واجبة، حتى لا يجفو العبد مع خالقه، ولا يقسو قلبه. فرحمك الله وفرض عليك صلته، حتى لا يموت قلبك. فهي حكمة عظيمة ينبغي أن تستحضرها. ومن حكم هذه الصلاة: أنها كذلك سبب لإصلاح حال الإنسان في نفسه، بمداومة ذكره بلسانه وجوارحه وغير ذلك. فهي بمثابة الشجرة التي تسقيها الماء. الإنسان الذي خصوصا إذا رأيت أحوال الكثير من عامة الناس، تجدهم في جفاء وفي شغل، حتى أن بعضهم لو لا الصلاة لصار حاله كحال الكفار الفجار. فصار الشيء الوحيد الذي يبقيه على هذا الدين هو ماذا؟ هو الصلاة. هو الصلاة. ولولا أن الله فرض عليه لما صلى. لكن لأن الله فرض عليه الصلاة، ماذا؟ صلى. لأنه يعلم أن تارك الصلاة كافر بنص الشرع، فيخاف فيحافظ. فصار فيها حكمة، وهو إبقاء دين الناس، يحافظ على دين هذا الإنسان. وكذلك في الصلاة مصالح وحكم أخرى كثيرة، ففي صلاة الجماعة من حصول معاني التعاون والإتلاف والاجتماع، وتبادل المنافع الدينية والدنيوية، ما لا يخفى على أحد. وفيه كذلك من معاني الترتيب: ترتيب الإنسان في وقته، وترتيبه في مكانه، كذلك آدابا كثيرة تعلم من آداب أحكام وتفاصيل هذه الصلاة. وفيها من تحقيق التوحيد، ومن كذلك إقامة معاني العبادة، ما يكون به إظهار قوة وعزة أهل هذا الدين. وغير ذلك كثير من معاني وحكم. وإلى هنا والله تعالى أعلم.