الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 99، الدرس التاسع والتسعون:من( ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن ... وقيل:يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم القيامة، يُحاسب الله عباده على أعمالهم، حيث يُقر المؤمنون بذنوبهم ويغفر لهم، بينما يُعاقب الكفار على أعمالهم السيئة. يُبين الفرق بين محاسبة المؤمنين والكفار.
تختلف محاسبة الله تعالى لعباده يوم القيامة باختلاف إيمانهم، فالمؤمن يقر بذنوبه ويغفر له، والكافر يناقش في أعماله السيئة لتعذيبه. يستند هذا إلى أدلة قرآنية وأحاديث نبوية.
أعمال الكفار الحسنة تُجزى في الدنيا، ولا يجدون لها أثرًا يوم القيامة، وقد تخفف الحسنات من عذاب بعضهم في الآخرة مقارنة بمن لا حسنات لهم. يُظهر تأثير الحسنات على العذاب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بالعقيدة الواسطية: قال رحمه الله تعالى: «ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة. وأما الكفار، فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناتهم وسيئاتهم؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها». قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ويحاسب الله الخلائق» إلى آخره، المراد بتلك المحاسبة تذكيرهم وإنباؤهم بما قدموه من خير وشر أحصاه الله ونسوه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح: «من نوقش الحساب عذب». فقالت عائشة رضي الله عنها: «أوليس الله يقول: فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟» فقال: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك». والحديث في الصحيحين. والمعنى أن الله يحاسب الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، فحسابه هو تقرير. وأما الكافر والفاجر، فحسابه نقاش. ومن حُوسِبَ -بمعنى نوقش- عُذِّبَ. وبهذا تجتمع الأدلة من الكتاب ومن السنة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴿٦﴾ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴿٨﴾...﴾ إلى آخر الآيات. فدل أن الناس يحاسبون، ولكن هذه المحاسبة تختلف؛ فالمؤمن يقرر بذنوبه، والكافر والفاجر المستحق للنار يناقش بما يكون به تعذيبه. وهكذا يحمل حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». فهذا يحمل في حق المؤمن: الخلوة والتقرير، كما جاء في حديث ابن عمر. وهكذا في حق الكافر والفاجر المستحق لعذاب الله: النقاش. قال رحمه الله: أما قوله «ويخلو بعبده المؤمن»، فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنه: «أن الله عز وجل يدني منه عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويحاسبه فيما بينه وبينه، ويقرره بذنوبه، فيقول: ألم تفعل كذا يوم كذا؟ ألم تفعل كذا يوم كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه وأيقن أنه قد هلك، قال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم». نسأل الله عز وجل المغفرة. وهذا الحديث في الصحيحين. والمعنى أن الله عز وجل يحوطه ويصونه بما كان من إيمانه في الدنيا؛ فإنه يدنيه ويضع عليه كنفه. ومعنى وضع الكنف: الإحاطة والصون. فيكون بذلك التقرير بالذنوب للنقاش. قال: وأما قوله «فإنه لا حسنات لهم» -يعني الكفار- لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. فالكفار أعمالهم الحسنة تعجل لهم في الدنيا، فلا يجدون يوم القيامة شيئا من حسناتهم. قال: والصحيح أن أعمال الخير التي أعملها الكافر يجازى بها في الدنيا فقط، حتى إذا جاء يوم القيامة وجد صحيفة حسناته بيضاء -يعني ليس فيها شيء من الخير-. قال: وقيل: يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر. يعني: قيل في تفسير ذلك: يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر؛ لأن الكافر يعذب على أصل الكفر، ويعذب كذلك على تفاصيل ما وقع منه من ذنوب ومعاصي، ومن ذلك ترك الواجبات وفعل المحرمات. فالكافر الذي محرماته قليلة عذابه في نار الجهنم ليس كالكافر الذي محرماته كثيرة. ودليل ذلك قوله سبحانه عن بعض أهل النار: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴿٤٦﴾﴾. فدل أنهم يعذبون على هذه الخصال الأربع: منها ترك الصلاة، وعدم إطعام المساكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين. فالخصال الثلاثة الأولى هي من تفاصيل أفعال الكفار، وليس هو أصل الكفر. وتكذيب الكافر بيوم الدين من الكفر. فالكافر يعذب على تفاصيل الواجبات التي تركها والمحرمات التي انتهكها، وكذلك أصل الكفر. فيكون قوله: «يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر» -يعني فيما هو يستحق بذلك التخفيف- يعني: حسناته تخفف عنه ذلك؛ لأن فعله للحسنات في الحقيقة هو تقليل من عذاب الكافر في النار؛ لأن غيره ممن لا حسنات له من الكفار أو قلت حسناته سيعذب عذابا أكثر من ذاته. والله تعالى أعلم.