الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات التي تتضمن محاججة المشركين وتخويفهم وتسلية للمؤمنين، حيث تتعلق بأمرين اثنين: تولي المشركين عن الإيمان وبخلهم. يُبين الله أنه ليس لديهم علم الغيب ويتوعد بالعذاب الشديد لكل كافر ومشرك.
يفسر الآيات القرآنية ويبين أحكامها المتعلقة بالمسؤولية الفردية وعدم تحميل أحد وزر الآخر، كما يتطرق إلى استمرار عمل الإنسان بعد وفاته من خلال بعض الأعمال الصالحة.
يوم القيامة، تُشخص الأعمال وتُجازى بحسبها، فالمؤمن يضاعف له الأجر والكافر يُوفى جزاءه الأوفى. الله قادر على جعل الأوصاف ذوات ويجزي العباد بحسب أعمالهم.
أصل التوراة والإنجيل موجود ولكن التحريف طالهما، الله أعلم بالنسخ الأصلية التي نزلت على موسى وعيسى عليهما السلام. النص الأصلي الذي أنزل على الأنبياء غير معروف بعينه الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة العظيمة التي فيها محاججة المشركين فيما كانوا عليه من الكفر والعِناد، وما فيها من تخويف وتهديد وتسلية للمؤمنين. وهذه الآيات تتمة لما سبق. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ وقد اختلف المفسرون هل نزلت هذه الآية بشخص بعينه من الكافرين، كما أشار إلى الوليد بن المغيرة وغيره. والقاعدة كما مر وتقدم معنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي: وإن نزلت في أحد أو أحد المشركين، فإن اللفظ عام في كل من كان في هذا الوصف ممن يوصف بالكفر والعِناد والأذية والاستهزاء للمؤمنين. فعموم اللفظ يدخل فيه كل من كان في معنى ذلك المشرك وعناده وأذيته، كما جاء في بعض أسباب النزول. والآية تتعلق بأمرين اثنين: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ أي: عن الإيمان، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ أي: استهزأ في أمر الصدقة. ومعناه: أن من وصف الكافرين البخل والشح، وأكدى: تأكيد لهذا البخل والشح، فكان ممتنعًا كامتناع الحجرة الصلبة التي تحول دون الحافر وما يريد الوصول إليه. وقوله: «البئر» هذا الغالب أن الناس يحفرون للبئر، وإلا فالمقصود كل ما يعترض الناس من الحجر الصلب في حفرهم. كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فما استطاع الصحابة أن يتعدوها حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فضربها وسمى الله وذكره، فصارت ترابًا وكثيبًا لضرباته عليه الصلاة والسلام. والمقصود: شدة البخل والشح حتى إنه كان كهذه الشدة في هذه الصخرة. ولهذا لم يكن البخل من صفات أهل الإيمان، بل هو من صفات أهل الشرك والكفر. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ قال: يعلم من جملته أن غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة. وهذا كما تقدم معنا سخرية من ذلك المشرك الكافر، سواء الوليد بن المغيرة أو غيره. والعبرة بعموم اللفظ، أي: في كل من استهزأ بمثل هذا الاستهزاء بالمؤمنين، وسيكون له هذا الوعيد الشديد والعذاب الأكيد الذي توعد الله عز وجل به كل كافر ومشرك. ويزداد العذاب ويتأكد إذا حصل منه شيء من الأذية والاستهزاء. والجواب: أنه ليس عنده ذلك، والمعنى: أن هذا سيزيده في العذاب لأجل هذه الأذية والاستهزاء. وذكر صحف إبراهيم وموسى لأنه من كتب أهل الكتاب المشهورة عند العرب. والمعنى كما تقدم في الآيات السابقة: يخوف الله عز وجل بما وقع في قصة إبراهيم وموسى وما أنزل فيها من الآيات والعبر. فصار يتكلم فيها الناس في أخبارهم وقصصهم، فإنه كذلك لا يأمن هؤلاء أن يصيبهم ما أصابهم، وأنه كذلك ينجي الله عز وجل المؤمنين كما أنجى الله عز وجل المؤمنين من أصحاب إبراهيم وموسى. وأن الله عز وجل سيثبت نصره لنبيه عليه الصلاة والسلام كما نصر الأنبياء والرسل من قبل. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ففي هذا تهديد ووعيد، وفيه تسلية لأهل الإيمان كذلك. ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ذلك أن أهل الكفر مع كفرهم، فالله عز وجل يفرق العقوبة لهم بقدر ما كان من كفرهم وعنادهم وأذيتهم. فمن كان منه الكفر والعناد والأذية أكثر كانت له العقوبة أكبر، ومن كان دون ذلك فكذلك العقوبة بعدل الله سبحانه وتعالى تكون دون ذلك. ولا يحمل أحد وزر أحد. ومن اقتدى بإنسان في ظلمه وعدوانه فإنه يلحقه من الزيادة بقدر تلك الزيادة. ومن اتبعه بقدر إثم من اتبعه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». وهذا كذلك فمن سن للناس الاستهزاء بالمؤمنين والأذية، فإنه يلحقه هذا الإثم وإثم من اقتدى به في هذه الأذية وهذا الاستهزاء. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ قال: من خير فليس له من سعي غيره شيء كذلك. واستدل العلماء بهذه الآية على أن الإنسان عمله ينقطع بموته؛ لأن سعيه ما يكون في حياته إلا ما استثناه الدليل. وهو أحد أمور ثلاثة: بما جاء في الصحيح بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». والدعاء: دعاء المسألة، أي: برفع اليدين والسؤال باللسان، أو دعاء العبادة، وهو ما يكون من أعمال صالحة يعملها، فإنها تصل أجرها إلى والديه؛ لأنه من كسبهم. وإذا تصدق بصدقة فإنها تصل إليهم، لما جاء في حديث ابن عباس وغيره من الأحاديث الكثيرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على صدقة الأبناء للآباء والأمهات، وأنها تصل. وأما سائر الأعمال الصالحة، فيكفي أن يعملوا بها لأنفسهم، فإنها تصل لآبائهم وأمهاتهم. واختلف العلماء فيما هو زائد عن ذلك، أي: صدقة غير الأبناء والبنات، هل تصل؟ فيه خلاف. والصحيح أنه لا يصل؛ لأنه زائد عن هذا الاستثناء الذي جاء في هذا الحديث، فيشمله عموم قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فقد انتهى وقت العمل بموت الإنسان. ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ وفي هذا تهديد ووعيد للكافرين، وتسلية للمؤمنين، أي: من أساء فسيُرى تلك الإساءة، ومن أحسن فسيُرى ذلك الإحسان يوم القيامة. واختلف أهل التفسير في تفسير هذه الرؤية: هل هي رؤية حقيقية يراها بعينه، أو أنها ما يكون من المجازاة؟ والصحيح: الأمران، ما يكون من المجازاة من يوم أن يدخل إلى القبر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فكل هذا سيراه ويرى مجازاته. وهكذا كذلك رؤية حقيقية، أي: أعمال تشخص له، كما جاء في أحاديث كثيرة أن الأعمال تكون شاخصة أمام الإنسان. فمن الأعمال ما تكون أكمل ما يكون في هيئتها إذا أكمل حظها في هذه الدنيا، ومنها ما يأتي شاحبًا ضعيفًا هزيلًا بما كان من تفريطه وتقصيره في هذه الدنيا. جمعًا بين الأدلة التي وردت في هذا الباب، وتصوير الأعمال بصورة محسوسة جاءت أدلة كثيرة تدل عليه. فكل الأمرين صحيح، صحت به الأدلة. ولكن كيفية هذا التشخيص وهذه الصورة لهذه الأعمال الله أعلم بها. حتى الموت يؤتى به يوم القيامة كأنه كبش أملح، وهو وصف وليس ذات، ولكن الله عز وجل وهو على كل شيء قدير يجعله يوم القيامة ذاتًا كيفما تكون هذه الذات الله أعلم. الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الأوصاف ذوات بعظيم قدرته وواسع علمه وحكمته سبحانه. وقوله: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ كذلك تهديد ووعيد للكافرين، وتسلية للمؤمنين، أي: أن الكافر لا ينقص من عذابه شيء إلى آخر ما كان من ظلم واعتداء وبغي واستهزاء، يكون له بعدل الله سبحانه وتعالى. يعني: يوفى له إلى آخر ما كان من أذيته وكفره وطغيانه. وهكذا كذلك بالنسبة للمؤمن، بل المؤمن يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وقد صح في الحديث أن آخر أهل الجنة دخولًا للجنة يعطى أضعاف ما في هذه الدنيا، يعطى أضعاف ما في هذه الدنيا. وهذا آخر من يدخل الجنة، فهذه مضاعفة الله سبحانه وتعالى له، فكيف بمن هو فوقه؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بواسع فضله وعظيم رحمته، وأن لا يؤاخذنا بما يكون من سيئاتنا، اللهم آمين. الفرق بين التوراة والإنجيل: التوراة والإنجيل كتابان منزلان على نبي الله موسى وعيسى، فالإنجيل ما أنزل على عيسى، والتوراة ما أنزل على موسى. وحقيقتهما ليست موجودة بأعيانها اليوم؛ لأنه حصل فيها من التحريف والزيادة والنقص ما لا يستطيع أن يجزم الإنسان أن هذا الموجود هو عين ما كان قد أنزل على موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. لكن بعض ما في التوراة والإنجيل موجود بدليل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لآية عقوبة الزانية في زمنه عليه الصلاة والسلام حين أتي بالتوراة وبسطت، وقد أتى بوسادة عليه الصلاة والسلام فوضعت التوراة على هذه الوسادة بين يديه، فجعل اليهود يغطون على هذه الآية. هي لا تسمى آيات أسفار أو نحو ذلك، لكن المقصود المعنى الذي فيها هذا الحكم. وهذا معنى أن أصل التوراة والإنجيل موجود، وهي عدة نسخ مشهورة عند أهل الكتاب، والكثير منها يوجد فيه تصديق لما في هذا القرآن كما أخبر الله عز وجل. ولذلك يقال: إن أصل التوراة والإنجيل موجود، ولكن بعينه الذي نزل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام الله أعلم به. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.