تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 8

تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 8

الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التذكير بيوم القيامة والتحذير من العذاب

يذكر الله تعالى إهلاكه للأمم السابقة ويحذر من عذابه ويأمر بالسجود والعبادة له وحده. يُبين أن القرآن نذير مثل النذر الأولى من الرسل.

ذكر الأمم السابقة وعقابها وتسلية المؤمنين

تذكر الآيات تهديد المشركين والكافرين بالعذاب مثل الأمم السابقة وتسلية المؤمنين بأن الله سيأتي بفرجه ونصره. ذكر الأمم السابقة وأصناف عذابها يأتي في سور القرآن.

تفاصيل عذاب الأمم السابقة وتخويف أمة محمد وتأثير السورة

يصف عذاب الأمم السابقة نتيجة لعنادها وإعراضها ويبين شدة هذا العذاب. كما يشير إلى تأثير سجود النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة سورة النجم على المشركين الحاضرين حيث سجدوا تأثرا بعظات السورة.

التفريغ النصي الكامل

وأنه أهلك عادًا الأولى وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل، إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة أهوى، فغشاها ما غشى، فبأي آلاء ربك تتبرى؟ هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون؟ فاسجدوا لله واعبدوه. قال المفسر رحمه الله: وأنه أهلك عادًا الأولى، في قراءة بإضغام التنوين في اللام وضمها بلا همزة، وهي قوم عاد، والأخرى قوم صالح. وثمودًا بالصرف اسم للأب وبلا صرف للقبيلة، وهو بعطوهم على عاد، فما أبقى منهم أحدًا. وقوم نوح من قبل، أي قبل عاد وثمود أهلكناهم، إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من عاد وثمود لطول لبث نوح فيهم، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهم ما زالوا بإيمانهم به يؤذونه ويضربونه. والمؤتفكة ويقرأ قوبلون، أهوى أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض بأمره جبريل بذلك، فغشاها من الحجارة بعد ذلك ما غشى، أذهب تهويلًا. وفي هود: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِيلٍ﴾. فبأي آلاء ربك أنعمه الدالة على وحدانيته وقدرته تتشكك أيها الإنسان أو تكذب؟ هذا محمد نذير من النذر الأولى من جنسهم، أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم. أزفت الآزفة قربة القيامة، ليس لها من دون الله كاشفة، أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو، فقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾. أفمن هذا الحديث أي القرآن تعجبون تكذيبًا وتضحكون استهزاءً ولا تبكون لعظم وعده ووعيده؟ وأنتم سامدون لا هود وغافلون عما يطلب منكم. فاسجدوا لله الذي خلقكم واعبدوه، ولا تسجدوا للأصنام ولا تعبدوها. ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة العظيمة التي كما تقدم معنا هي من السور المكية التي تحاجج المشركين والكافرين على ما كان من عنادهم وإعراضهم وأذيتهم واستهزائهم للمؤمنين، وختم هذه السورة في هذه الآيات التي فيها التخفيف والتهديد بأن يصيب هؤلاء المشركين ما أصاب الأمم السابقة من صنوف العذاب وأنواع العقاب التي عذبت به، فلا تأمن كذلك هذه الأمة أن يصيبها ما أصاب الأمم السابقة. ولهذا ذكرت هذه الأمم بأصناف عذابها وأنواع عقابها لأجل العظة والعبرة والتهديد للمشركين والكافرين، وهكذا كذلك التسلية للمؤمنين أن الله عز وجل سيأتي بفرجه ونصره ويعاجل هؤلاء بعقوبته وعقابه. وذكر هذه الأمم السابقة وأصناف عذابها يذكر في سور القرآن تارة مختصرًا وتارة مطولًا وتارة بذكر بعض الصفات وتارة بذكر بعض الصفات الأخرى، وهي يكمل بعضها بعضًا في وصف ما أصاب تلك الأمم السابقة. ففي هذه الآيات على سبيل المثال سمى قوم لوط بالمؤتفكة، وهذا وصف من صفاتها بما كان من إفكهم وعنادهم ومكابرتهم لما جاء به نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام، وما كان من دعوة إبراهيم كذلك عليه الصلاة والسلام. وهنا ذكر شيئًا كذلك لم يذكر في السور الأخرى كقوله سبحانه: «أهوى» أي أنهم رفعوا إلى مكان عال ثم أهوي بهم من هذا العلو إلى ذلك السفل، وهو ما وقع لهم أنهم رفعوا من الأرض، وكما جاء لبعض الروايات حتى سمع نهيق دوابهم وحميرهم وصراخ رجالهم ونسائهم إلى السماء من شدة ما رفعوا إليه، ثم أهوي بهم هذه المسافة العظيمة حتى ضربوا بالأرض. وليس هذا فحسب، بل أتبعوا كذلك بما غشيهم بعد ذلك من الحجارة المحترقة، وهذا يدل أن العذاب الذي أصابهم كان شديدًا، فمن شدة العذاب أن الأرض تحركت وانفجرت انفجارًا عظيمًا، وكما قال بعض العلماء هذا يدل أنهم كانوا بقرب أرض بركانية فانفجرت انفجارًا عظيمًا ارتفع هؤلاء من شدة هذا الانفجار إلى مكان عال جدًا ثم أهوي بهم، وفي أثناء سقوطهم أسقط معهم من أثر ذلك الانفجار الحجارة الملتهبة التي عذبتهم مع ضربهم بالأرض بإرسالهم بهذه الحجارة المحترقة. وكما مر معنا في آيات سابقات كذلك أن بعض آثار هذا العذاب لا يزال موجودًا إلى يومنا هذا، فإن أقوامًا احترقوا وأصابهم هذا العذاب بعينه وهم موجودون إلى يومنا هذا في بعض البلاد في جهة كما قلنا بلدة مشهورة من بلاد إيطاليا. فهل هؤلاء هم هؤلاء أم اتحدت أفعالهم فاتحد عقابهم؟ كل هذا وارد، والمقصود أن الله عز وجل العظيم أراد أن يبين ويظهر عظمة قدرته وشديد عقابه وعذابه بمن عاند وأذى رسله. وهكذا توالت التذكير والتخويف حتى جاء الخطاب إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخويفهم وتذكيرهم. وقوله بعد ذلك: «سامدون» لهو غافلون، كما مر معنا القاعدة: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، ومن معاني سامد أي غافل ولاهي، ولكنه فيه معنى زائد عن ذلك وهو الغافل واللاهي مع الإعراض والعناد وكذلك البعد. ولهذا وصفوا بهذا الوصف، والمعنى أن الله عز وجل سيجازيهم من جنس عملهم، كما كانوا سامدين كذلك يكون لهم كذلك بما كان من بعدهم وكذلك إعراضهم. ثم الخطاب بعد ذلك للمؤمنين بالرجوع إلى الله والسجود له وعبادته، وكما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد، فسجد معه بعض كذلك المشركين لعظم ما في هذه السورة من عظات وتخويف وتهويل، فأصابهم مثل الخوف والدعر، فسجد فسجدوا وهم لا يشعرون. فسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم من معه ممن آمن وأسلم، وسجد معه بعض المشركين ممن حضر قراءة هذه السورة وسجود النبي صلى الله عليه وسلم. ومن معه، وهذا يدل على العظيم بلاغة هذه الآيات حتى أنها أوقعت في قلوب المشركين مع شركهم وكفرهم من الخوف والذعر ما أوقعهم في متابعة المسلمين والمؤمنين في السجود.