الدرس في تفسير سورة النجم من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تفسير آية النجم ويبين ملك الله للسماوات والأرض ويستلزم عبادة الله وحده. كما يشير إلى جزاء المحسنين والمسيئين يوم القيامة.
المحسنون يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ويجازيهم الله بالحسنى. يُعتبر المحسنون من أعلى مراتب الدين ويجتنبون الكبائر إلا اللمم.
يُنبه المقطع إلى خطورة الاغترار بالطاعات وعدم تزكية النفس. الطاعات تمحو السيئات بشرط اجتناب الكبائر ويحذر من استدراج الشيطان.
الآية تحمل تخويفًا للعصاة وتسليةً لأهل الطاعة وتحث على فعل التقوى. التقوى تعني اتخاذ وقاية بين العبد وغضب الله بفعل المأمورات واجتناب المحذورات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بكم إذ أنشاكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم، فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى. وعلى المفسر -رحمه الله-: «ولله ما في السماوات وما في الأرض» أي: هو مالك لذلك، ومنه الضال والمهتدي، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، «ليجزي الذين أساءوا بما عملوا» من الشرك وغيره، «ويجزي الذين أحسنوا بالتوحيد وغيره من الطاعات» بالحسنى الجنة. وبيّن المحسنين بقوله: «الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم»، هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة، فهو استثناء منقطع، والمعنى: لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر، «إن ربك واسع المغفرة» بذلك وبقبول التوبة. ونزل فيمن كان يقول: «صلاتنا وصيامنا وحجنا»، يعني لا تغتر بعملك الصالح. «هو أعلم» أي: عالم بكم «إذ أنشأكم من الأرض» أي: خلق أباكم آدم من التراب، «وإذ أنتم أجنة» جمع جنين، في بطون أمهاتكم، «فلا تزكوا أنفسكم» لا تمدحوها على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة العظيمة التي فيها محاججة المشركين وما هم عليه، وفيها من التخويف والوعيد لهم ما فيه الحجة الدامغة الكافية، وهكذا تسلية للمؤمنين. ومرت معنا آيات، وهذه تتمة لها. فقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، قال: أي هو مالك ذلك. والآية تدل على أعظم من ذلك؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فليس فيه الإخبار بأنه مالك ذلك، بل فيه أنه المالك وحده، كأنه يقول: لا مالك لما في السماوات وما في الأرض إلا الله، لا يشاركه غيره فيه، هذا هو الخبر. فما هي النتيجة؟ النتيجة: أن يعبد وحده، بمعنى: أن يدعى له وحده هذه الألوهية. إذا كان الله العظيم وحده لا شريك له هو المالك لما في السماوات وما في الأرض، فيستلزم ذلك أن يعبد وحده، بمعنى: أن يدعى له وحده هذه الألوهية العظيمة. ومن ذلك: أن يطاع ولا يعصى، ويشكر ولا يكفر، ويرضى بقضاء الله وقدره، وغير ذلك من لوازم معاني الألوهية لله عز وجل. ومن بلاغة القرآن: أنه يأتي بالكلمات اليسيرة الدالة على المعاني الكثيرة. هذا وغيره يدل عليه هذه الكلمات اليسيرة: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾، قال: من الشرك وغيره. ومعنى كل ما هو سيئ؛ فكمال الألوهية لله عز وجل والتحقيق العبودية له: أن تجتنب من الشرك إلى ما دونها، مرورًا بالكبائر والصغائر، حتى ما يكون في القلب، ما دام أنه سيئة، فإن كمال العبودية لله: أن تترك. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، وهذا كذلك مناسبة بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ إذا كان الله عز وجل وحده المتفرد بذلك، فكل من في ملكه في قبضته، فهو قادر على أن يعاجل أهل الإساءة في إساءتهم، فبهذا وعيد وتخويف لهم. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، قال: بالتوحيد وغيره من الطاعات. وهذا كذلك، وهذا من معاني أن القرآن مثاني، يذكر أهل الطاعة وأهل المعصية، أهل الكفر وأهل الشرك وهكذا. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ كذلك كما تقدم، كل ذلك في ملك الله، وهو الوحيد القادر سبحانه وتعالى على أن يعين أهل الإحسان على إحسانهم، وأن يثيبهم في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: «بالحسنى الجنة»، هذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا فالحسنى أعظم من الجنة، وهو كل جزاء أحسن من عمل العاملين؛ لأن صيغة «أحسن» تدل على الفعل الأفضل، و«الحسنى» تدل على ما هو أفضل منه. فالمطلوب منك -يا أيها العبد- ليس أن تفعل الحسن، ولكن تفعل الأحسن إن استطعت. «وقل لعبادي يقول التي هي أحسن»، وليس «حسنًا». أنت تسعى وتحرص على فعل الحسن، وقول الحسن، وأن تكون في كل شيء أنت الأحسن، تحرص على ذلك، وهذا المطلوب منك. وما هو الجزاء؟ يعطيك الله أفضل من هذا الأحسن، وهو «الحسنى». وصيغة «فُعْلَى» في العربية تدل على المبالغة في الوصف، وهو مجازاة بما هو أفضل من الأحسن، وهذا في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا بثناء الله سبحانه وتعالى وملائكته، ومعونة الله وتوفيقه وحفظه وكلاءته، وكذلك ما ينعم الله عز وجل به على عبده، ويعجل له من الثواب، فضلًا عما ادخره في الدار الآخرة من عظيم الإنعام والإكرام، ومعاني الرضوان. وكل هذا مما هو مجازاة بأفضل وأحسن مما كان منه. وكل هذا كذلك فضل من الله. وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى ذو عظيم قدرة، إلا أنه يحكم بعدل في خلقه، فلا يجازي الذين أساءوا إلا بما عملوا، لا يزيد عليهم فوق أعمالهم، بل قد يتجاوز عنهم بعض ذلك. وأما أهل الإحسان، فهو ينعم عليهم بفضله لا بعملهم، ولذلك يعطيهم أفضل وأحسن مما كان منهم. قال -رحمه الله-: «وبين المحسنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، هؤلاء هم المحسنون أهل الإحسان». وتقدم معنا أن أهل الدين ثلاثة مراتب: مسلمون، ومؤمنون، ومحسنون. فالمحسنون هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إذن هم أمران اثنان، أو وصفان اثنان: الكبائر، وهو كل ذنب عُصي به الله، سمي في الشرع كبيرة. وما هي هذه الكبيرة؟ اختلف أهل العلم في معنى الكبائر. فمنهم من قال: أنها تحد -يعني تعرف- بالعدد، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اجتنبوا الموبقات السبع»، فعدها عدا. فهل هذا يعني أنها معدودات؟ قال بهذا جماعة من أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: بل هي محدودات، يعني تعرف بالتعريف والحد والوصف. والأقرب -نظرًا في عمومات الأدلة- الثاني؛ لأن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وكذلك؛ لأنه جاء بغير المعدود ما سمي كبيرًا، وهو لم يذكر بالمعدود. ولأن صيغة العدد الصحيح أنها لا تفيد الحصر، ولكنها تفيد التنبيه على أن هذا هو الأهم أو الأولى. فالموبقات السبع هي أعظم الكبائر، ثم الكبائر منها ما هو شرك وكفر، ومنها ما هو دون ذلك، وهي درجات ودركات، كما أن النار دركات. والفواحش كذلك: كل قول وفعل وخلق فاحش، فإنه ليس من طريق أهل الإحسان، ولا من وصف أهل الإحسان. «إلا اللمم»، وهي الصغائر. قال: «هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة إلى آخره». قال: «فهو استثناء منقطع». والاستهلاك المنقطع هو ما كان ليس من جنس المستثنى، كما مر معنا: «جاء القوم إلا الحمار»، هذا استثناء منقطع. والمعنى: أن هذا المستثنى الذي هو ليس من جنس المستثنى منه يغفره الله سبحانه وتعالى. وجاءت السنة فوضحت أنه يغفر بالأسباب. ومن هذه الأسباب: فعل الطاعات. فعل الطاعات كما قال عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهن»، ماذا إذا اجتنبت الكبائر؟ إذن فيه شرط: أن تغفر الصغائر لا تغفر إلا بشيئين: الشيء الأول: اجتناب الكبائر. والشيء الثاني: أن تتبع بالطاعات، أن تتبع بالطاعات. فالطاعات تمحو السيئة: «أتبع الحسنة السيئة تمحها»، وهكذا. كذلك قول الله عز وجل فيما نزل في قصة الرجل الذي قبل امرأة، فجاء تائبًا مستغفرًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يجيبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم نزل على النبي -عليه الصلاة والسلام- آية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، إذن لا يتكل الإنسان على عمله، ولا يفخر بطاعته؛ فإن الله عز وجل قادر أن لا يقبلها. وليعلم أنه إن وقع منه شيء، فهو يفتقر إلى الله بالدعاء والتوبة والاستغفار، وإتباع ذلك بالحسنات التي تكفر السيئات. ولهذا أتبعه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، أي: قال بذلك وبقبول التوبة. بذلك: أي استثنى الصغائر من الكبائر. وبقبول التوبة: أي ولو من الكبائر؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله -أي يهدمه-. قال: «ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا وصيامنا وحجنا»، يعني لا تغتر بعملك الصالح. «هو أعلم» قال: أي عالم. وأعلم أبلغ من عالم. ومعناه: أنه بلغ في العلم غايته. «هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض» أي: خلق أباكم آدم من التراب. «وإذ أنتم أجنة» قال: جمع جنين، يعني أن الله عز وجل يعلم كنهك وبداية خلقك، وكل شيء عنك، من يوم أن كنت لا شيء، من لدن خلق أبيك آدم، ثم خلقك أنت. فكيف يعجزه شيء من أمرك؟ وفي هذا تخويف، وكذلك بالنسبة للكافرين والمشركين والمجرمين، وكذلك تسلية للمؤمنين. وقوله: «في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم»، هذا هو المقصود من هذا الإراد لهذه الآية. قال: «لا تمتدحوها على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن». يعني: الأدلة هي التي فصلت بهذا التفصيل: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. كون الإنسان يحمد الله على ما أنعم عليه، ليس هذا من التزكية المذمومة، بل هو مما يحث به غيره على ما أعطاه الله. وأما ما كان على وجه التعالي والتفاخر، واستصغار الآخرين، فهذا هو المذموم. أو كذلك أن يستصغر ما يقع منه بحق الله عز وجل. وهذا كما تقدم من الاغترار بالطاعات ونحوها، أو السلامة من وقوعه في الكبائر. وهذه من حبائل الشيطان: أنه يوقعك في الصغائر، فإذا أدمنتها جرك ذلك للوقوع في الكبائر، فإذا أدمنتها جرك ذلك للخروج من دين الإسلام والعياذ بالله. ولهذا قال العلماء: «الصغائر بريد الكبائر، والكبائر بريد الكفر». يعني: يرسلك ويوصلك إلى الكفر. وهذا مجرد: لا تجد إنسانًا يصر على صغيرة إلا ونقله الشيطان إلى الكبيرة. هذا الذي يدمن النظر على المحرم لا يقف عند هذا، فإذا أدمن جره الشيطان فأوقعه بعد ذلك في الفاحشة القولية أو الفعلية، أو كذلك ما هو أعظم من ذلك. فالعين تزني، واليد تزني، والرجل تزني، واللسان يزني، وبعد ذلك والقلب يهوى ويتمنى، ثم يأتي الأمر الوقوع في الفاحشة، فيصدق ذلك أو يكذبه. وهذا من استدراج الشيطان. وقوله سبحانه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، كما قلنا: تخويف للعصاة، وكذلك تسلية لأهل الطاعة والإيمان، وحث على فعل التقوى، وهو أن يجعل العبد بينه وبين الله سبحانه وتعالى وغضبه وقاية بفعل المأمورات واجتناب المحذورات. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.