الدرس في منزلة السنة في الإسلام 2، الدرس الثاني : ( قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ... إلى آخر الرسالة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوضح الشيخ الألباني أهمية السنة النبوية في تفسير وتوضيح القرآن الكريم، مستشهدا بأمثلة من تحريم الميتة والدم واستثناءات معينة. كما يشدد على أن السنة تلعب دورا هاما في فهم التشريع الإسلامي.
يؤكد الشيخ على أهمية الرجوع إلى السنة الصحيحة لفهم التشريع الإسلامي وتفسير القرآن، ويحذر من ضلال من يستغني بالقرآن عن السنة. كما يشير إلى أهمية الأخذ بالسنة الثابتة في التشريع.
يرى الشيخ أن الشريعة الإسلامية تتكون من القرآن والسنة معا، ويحذر من التفريق بينهما في التشريع. يجب على المسلمين إقامة التشريع على القرآن والسنة دون تفريق بينهما.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. أما بعد، فقرأنا في الدرس السابق في رسالة الشيخ الإمام الفقيه المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تلك الرسالة القيمة النافعة منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن. وهذا المجلس الثاني نتم فيه إن شاء الله هذه الرسالة مع التعليق اليسير فيما يحتاج إلى التعليق. قال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، قال: فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك والكبد والطحال من الدم حلال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت -أي السمك بجميع أنواعه- والكبد والطحال». أخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي. يريد رحمه الله تعالى أن هذا مثال ثالث في بيان أن القرآن قد فسر بالسنة، فالسنة تفسر القرآن وتوضحه وتبينه. ومن ذلك هذا المثال، والأمثلة كثيرة. لكن هو رحمه الله تعالى ضرب هذه الأمثلة لأجل أن يستيقن من في قلبه شك ويزول من في قلبه ريب ما في قلبه من الشك والريب في هذه المسألة والقضية الخطيرة والمهمة: أنه لا يستغنى عن السنة بالقرآن، بل السنة قرينة القرآن في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي دين الإسلام الحق الذي بعث به نبيه عليه الصلاة والسلام. كما مر معنا في أوائل الرسالة معنى ذلك، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالحكمة هي السنة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنته». ومن هذا القبيل هذا المثال، فإن الله عز وجل ذكر الميتة أنها محرمة والدم وأنه محرم، لكن السنة بيّنت أنه يستثنى من الميتة ميتة الجراد والسمك، وفي الدم: الكبد والطحال. قال رحمه الله تعالى رابعا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، قال: ثم جاءت السنة فحرمت أشياء لم تذكر في هذه الآية، كقوله صلى الله عليه وسلم: «كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام». وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية؛ فإنها رجس». أخرجه الشيخان. ويريد رحمه الله بهذا المثال أن يبين أن ظاهر الآية أنه ليس محرم إلا هذه الأشياء المذكورة فيها: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به؛ أربعة أشياء. لكن السنة بيّنت أشياء أخرى هي كذلك محرمة، مثل ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير. قال رحمه الله تعالى خامسا: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، فبينت السنة أيضا أن من الزينة ما هو محرم. فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب، فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها». أخرجه الحاكم وصححه. وللحديث معناه كثير، معروفة في الصحيحين وغيرهما. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه. قال رحمه الله تعالى: ومما تقدم يتبين لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي. فإن إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة، فضلا عن غيرها مما لم نذكر، نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهما صحيحا إلا مقرونا بالسنة. قال رحمه الله تعالى: ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة. ومن المؤسف أنه قد وجد في بعض المفسرين والكتاب المعاصرين من ذهب إلى جواز ما ذكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السباع ولبس الذهب والحرير، اعتمادا على القرآن فقط. بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بالقرآنيين يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة، بل السنة عندهم تبع لأهوائهم؛ فما وافقهم منها تشبثوا به، وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريا. وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى هؤلاء بقوله بالحديث الصحيح: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». رواه الترمذي. وفي رواية لغيره: «ما وجدنا فيه حراما حرمناه». ألا وإني أوتيت القرآن أو مثله معه. وفي أخرى: ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله. قال رحمه الله تعالى: بل إن من المؤسف أن بعض الكتاب الأفاضل ألف كتابا في شريعة الإسلام وعقيدته، ذكر في مقدمته أنه ألفه وليس لديه من المراجع إلا القرآن. قلنا: ويتعجب من هذا الأمر، كيف مسلم يظن أنه يستطيع أن يكتفي بالقرآن في بيان الإسلام؟ مع أن الأدلة من الكتاب والسنة وما نقل عن سلف الأمة وما أجمعت عليه الأمة تبين كلها أن حقيقة الإسلام هو ما في الكتاب وما في السنة وما جاء عن سلف الأمة. قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، فقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ خطاب لكل المسلمين أن يؤمنوا بمثل إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله تعالى: فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآنا فقط، وإنما هي قرآن وسنة. كما سمعنا، فمن تمسك بأحدهما دون الآخر لم يتمسك بأحدهما؛ لأن كل واحد منهما يأمر بالتمسك بالآخر. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال رحمه الله تعالى: عدم كفاية اللغة لفهم القرآن. ومما سبق يبدو واضحا أنه لا مجال لأحد مهما كان عالما باللغة العربية أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية. قال رحمه الله تعالى: ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم أن يفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، ثم بأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله تعالى: ومن هنا يتبين لنا سبب ضلال العلماء قديما وحديثا ومخالفتهم للسلف رضي الله عنهم في عقائدهم، فضلا عن أحكامهم. قال رحمه الله تعالى: وجملة القول: أن الواجب على المسلمين جميعا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معا؛ فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينا ويسارا، وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالا. كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». رواه مالك بلاغا، والحاكم موصولا بإسناد حسن. قال رحمه الله تعالى: تنبيه هام: ومن البده بعد هذا أن أقول: إن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع إنما هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق العلمية والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله. قال رحمه الله تعالى: فإن كتب الفقه التي يرجعون إليها عادة مملوءة بالأحاديث الواهية المنكرة، وما لا أصل له. كما هو معروف عند العلماء. قال رحمه الله تعالى: وقبل أن أنهي كلمتي هذه أرى لابد لي من أن ألفت انتباه الإخوة الحاضرين إلى حديث مشهور، قل ما يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه لضعفه، ومن تعارضه مع ما تهين إليه في هذه الكلمة من عدم جواز التفريق بالتشريع بين الكتاب والسنة، ووجوب الأخذ بهما معا. ألا وهو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أرسله إلى اليمن: «بما تحكم؟» قال: «بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي ولا آلو». قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله. قال رحمه الله تعالى: فالتصنيف المذكور بين القرآن والسنة غير صحيح؛ لأنه يقتضي التفريق بينهما، وهذا باطل لما سبق بيانه. فالواجب على المسلمين جميعا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معا. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة العظيمة النافعة. والحمد لله رب العالمين.