القول السديد في مقاصد التوحيد  54

القول السديد في مقاصد التوحيد 54

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 54، الدرس الرابع والخمسون:من( فيه مسائل-الأولى:أن العيافة الطرق والطيرة من الجبت ... فالسحر أنواع ودركات بعضها أقبح وأسفل من بعض ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في السحر وعلاقته بالشرك

تناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك شرح كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حول أنواع السحر وارتباطها بالشرك والكفر. السحر يرتبط بالشرك من جهتين: استخدام الشياطين والتعلق بهم، ودعوى علم الغيب.

تفاصيل السحر وتأثيره ووسائل التسلط على المسحور

السحرة يدعون علم الغيب ويتعاملون بفضلات المسحور ليتسلط الجن عليه، ويمكن للجن التسلط من خلال معرفة رائحته أو فضلاته. يمكن دفع تسلط الجن بالأذكار والمحافظة عليها.

تحريم السحر وأحكامه وآثاره

السحر محرم بجميع أنواعه، ويعتبر من الشرك والكفر، ويسبب مفاسد كثيرة. يجب قتل الساحر لإفساده ومضرته الكبيرة، ولا يجوز فك السحر بالسحر.

تفاوت إثم السحر وأنواعه

السحر له أنواع ودرجات متفاوتة في القبح والإثم، والإثم يتفاوت حسب نوعه ودرجته، ويقارن ذلك بتلقيح الأشجار لتوضيح مفهوم تلقيح الشرور.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال في ذكره لمسائلي بيان شيء من أنواع السحر، قال فيه مسائل. الأولى: أن العيافة والطرق والطيار من الجِفْت، ومعنى أنه من معنى الباطل الذي منه السحر. وعلمنا معنى الطرق، وأنه مأخوذ من الإتيان ليلا فهو الغالب. وعرفنا معنى العيافة، وهكذا الطيرة، فالطيرة: التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. قال الثانية: تفسير العيافة والطرق وتقدم ذلك. قال الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر، وقد علمنا أنه ينقسم إلى قسمين: منهما يكون من النوع الأول من السحر الذي يؤدي إلى الكفر والشرك، ومنهما يكون من النوع الثاني الذي يكون من المحرمات والوسائل المفضية للكفر والشرك. قال رحمه الله الرابع: أن العقد مع النفث من ذلك، أي من السحر. وكما علمنا أن العقد والنفث هو من النوع الأول من السحر الذي يكون به الشرك والكفر، فلا يتوصل الساحر إلى تأثير سحره إلا بأن يستعين بالجن بأنواع من الاستعانات مع أقوال وأفعال يفعلها، يكون بذلك الوصول إلى ما يريده من تأثير فعله، أي بالسحر على المسحور، وهو علم خاص توصل الناس إليه بالتجربة وأخذه عن أهل المعرفة، وهو من العلوم المحرمة التي كما مر معنا تكون بسبب تعاون شياطين الجن والإنس ببعض الأقوال والأفعال يصلون بها إلى التأثير على المسحور والإضرار به. قال الخامس: أن النميمة من ذلك، وعلمنا أن النميمة من النوع الثاني الذي هو فيه إظهار الشيء على غير حقيقته وبمعنى خفي، فهذا معنى من معاني السحر. قال السادس: أن من ذلك بعض الفصاحة كذلك كما تقدم، خصوصا إذا كان فيه تغطية الحق، فقد يكون ممدوحا إذا كان لإحقاق حق، وقد يكون مذموما إذا كان لإبطال حق أو إحقاق باطل. قال الشارح رحمه الله: باب السحر، وباب شيء من أنواع السحر. قال: وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيرا من أقسامه لا يتأتى إلا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد التوحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيرا. وقد تقدم أن المؤلف رحمه الله جعل هذه الأبواب في التكلم على أو التطرق على ما يتعلق بالأعمال الشيطانية التي بها يكون الشرك. قال: ولهذا قرنه الشارع بالشرك، فالسحر يدخل بالشرك من جهتين، وتقدم في الحديث: أولا من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه، ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بكفر أو شرك يفعله الساحر. ولهذا تجد في تلك الرقى التي يفعلونها والتمائم التي يكتبونها تجد أن ذلك كله متضمن لمعاني الشرك والكفر، إما أنهم يغيرون كلام الله فينكسون المصحف، أو يدخلون بينه بعض الكلمات والحروف والرموز والرسوم، أو يلوثون المصحف والعياذ بالله، وهذا كثير صار من الأمور المتواترة التي يعرفها العامة والخاصة. فما من ساحر يفضحه الله ويكشفه إلا إذا كشف وجد أنه يتعامل بأصناف من أفعال وأقوال الشرك والكفر، وبعضها ربما ما قد خطر ببال أحد، وهذا يصدق ما ذكره أهل العلم ويؤكده. قال: ثانيا من جهة ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله بعلمه، وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر. وهذا كثير عند السحرة، فهم يدعون علم الغيب، ولهذا يجعلون أنهم يكشفون الغائبات ويردون الضائعات، بل وغير ذلك من المعاني التي هي من خصائص الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى من معاني الشرك والكفر لأن هذا من خصائص الله عز وجل، قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. قال: وفيه أيضا من التصرفات المحرمة والأفعال القبيحة، قال: كالقمل والتفريق بين المتحابين، والصرف والعطف، والسعي في تغيير العقول، ومعناه كالقتل. قال: فالساحر يتصرف تصرفات محرمة قد يصل إلى القتل، وأفعال قبيحة قد توقعه في القاذورات، فهو يتعامل بفضلات المسحور من شعره ودرنه، وربما ملابسه الداخلية، وربما شيء من عرقه، وربما حتى شيء من نخامته، أو حتى الأشياء التي هي دون ذلك كالنجاسات. فهم يصلون بهذا إلى تسلط الجن عليه بمعرفة فضلاته، وتعرفون هذا في العلم الحديث، وفي هذا رد على بعض العقلانيين الذين ينكرون هذا العلم الحديث، يثبت أن لكل إنسان بصمة، وهذا من عجائب مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فللإنسان بصمة، وللعين بصمة، ولللسان بصمة، ولهيئة الإنسان وشكله بصمة، ولرائحته بصمة، فهو مختص بصفات خاصة به لا يشاركه فيها أحد. فالكلب مثلا الذي قد علم هذا يعرف على رائحة معينة، يستطيع لقوة الشم عنده يستطيع أن يميز الإنسان الذي له هذه الرائحة ولو اختلط بملايين الناس لقوة إحساسه في هذه الخاصية. وكذلك الجن إذا أتي لهم بشيء من فضلات وبقايا المسحور الذي يراد سحره، فإنهم بتلك الفضلات يستطيعون التسلط عليه، فهو بمثابة تشميم الكلب رائحة المتهم، فيصير بهذا تسلط الجني على هذا الإنس في أي مكان ذهب، لأن رائحته قد حفظت عند هذا الجني، فبهذا يتسلط عليه. وهذا أمر معقول يؤكد الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على وجود السحر وحقيقته. وكما أن الكلب قد يغالط وقد يخوف وقد يدفع بأشياء، فكذلك الجني يدفع بأشياء، فالكلب قد يخاف من أشياء تمنعه من استمرار في بحثه، وكذلك الجني يندفع بأشياء، ومن هذه الأشياء الأذكار، فالأذكار والمحافظة عليها تطرد تسلط الجني على الإنس. وأدلت ذلك كثيرا من الكتاب ومن السنة، وهذا كذلك كما مر معنا له معاني معقولة، كما أن الأدلة دلت عليه، فنحن نرى أن بعض الحيوانات وهذا معروف عند الناس بالتجربة تفر من بعض المعاني التي قد لا يعقلها الإنسان، لكنها بالتجربة لا يجد الإنسان بعقله إلا أن يسلم لذلك. فما أكثر الأشياء التي يحيل العقل إثباتها بالنظر، ولكنه بالتجربة والواقع لا يجد بدا إلا التسليم لها. وكما مر معنا هذا في أمثلة كان العقل يحيلها، فلما رآها لم يجد بدا من التسليم لها. لو قيل لإنسان أن ورقة تكتبها في أقصى الدنيا تصل إلى آخر في الطرف الآخر كما هي، هل يصدق هذا؟ ما يصدق، يقول: إيش أنت مجنون، ما يمكن هذا، مستحيل. لكن اليوم الناس شاهدوا هذا، ورقة الفاكس من هناك وتأتي هنا بلحظة، وتتكلم بالهاتف ويسمعك الآخر بالطرف الآخر من الدنيا، هذا لو كان قبل ألف سنة لا يعد من يقول أن هذا ممكن من المجانين، ما يمكن هذا. لكن لما صار موجودا صار هذا معقولا، إذن ليس كل شيء يرده العقل اليوم معناه أنه يوافق أن العقل لا يقبله، لأن العقل قاصر، فقد ينفي الشيء اليوم ويثبته غدا. ومما يثبته العقل ثبوت الشيء بالتجربة والواقع، وعندنا لهذا أمثلة ونظائر. فمثلا مشهور في بعض البلاد أن الحيات تخاف وتخضع لعود يسمى عود البامبو، تعرفون عود البامبو، نوع من نحن نسميه الخيزران، عود الخيزران الذي يشبه عود قصب السكر، هذا العود بالتواتر إذا شمته الحية أو رأته تخضع، ما تفعل شيء أبدا، مع أنك لم تضربها ولم حتى تؤذيها به أو تتحرش بها، بمجرد أن ترى معك هذا العود تشم رائحة أو تراه بعينها تخضع لك، ما هو السبب في هذا ما تدري، لكن بالتجربة صار هذا معروفا. فإذا ليس كل ما يحيله العقل فهو محال، فالعقل قد يحيل أشياء، ولكن التجربة والواقع تثبته. وهكذا كذلك أشياء كثيرة هي بهذا المعنى، الواقع يثبتها، فكذلك وهكذا منه كذلك طرد الجن بعد تسلطها بالأذكار، فإن هذا شيء مجرب، وهو قد دلت عليه الأدلة الشرعية، والعقل إذا رأى ذلك لم يجد بدا إلا للتسليم له. وكم من إنسان كان كافرا ثم أسلم، أو كان عقلانيا ثم هداه الله لطريق السنة، تبقى في نفسه بعض تلك الشبهات، لكنه إذا رأى ذلك بعينه، رأى أثر تسلط الجن على المسحور، ورأى اندفاع أثر الجن بالقرآن والذكر، فإنه لا يجد بدا إلا أن يسلم لهذا الذي شاهده وأحسه وأدركه، فيكون هذا تسليما للعقل بعد نفيه. ومثل هذا يقال في مثل هذه المواضع، فالسحر فيه أيضا مفاسد كثيرة، من هذه المفاسد الوقوع في بعض المحرمات، والتعامل ببعض القبائح، وكما قلنا الاعتداء على عدد من الحقوق: حق الله بالكفر والشرك، وحق المخلوقين بأذيتهم والإضرار بهم، وحق كذلك الأولياء بالإضرار بمن هو ولي لهم. فكم من امرأة ضيعت زوجها، وكم من أبناء يتم بسبب الإضرار بأبيهم، كل هذه مظالم تتعلق بهذا الساحر ومن يذهب إلى هذا الساحر. فالسحر محرم بكل أنواعه، وقد يصل بعضه إلى الكفر والشرك، حتى ولو كان مما يسميه الناس سحر المحبة، فهو محرم. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود أنه حرم ذلك على وجه التنصيص: «إن الرقى والتمائم والتيولة من الشرك»، فسرة التيولة هو ما يستعمل أهل الجاهلية من تحبيب المرأة لزوجها والعكس. فما يقوله بعض المتصوفة أن سحر المحبة حلال، هذا كذب على الله وعلى رسوله، بل كل السحر حرام حتى سحر المحبة، لأنه فيه اعتداء على حق الله بإقرار السحر، وقد حرمه الله بنصوص الكتاب والسنة، وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب عليه، إذ جزعوا أن ذلك حلال وهو حرام، وحق على من اعتدي عليه، أي المسحور وأقربائه وغير ذلك من الحقوق. وهذا الصرف والعطف، والصرف الإبعاد والعطف التقريب، والسعي في تغيير العقول، وتعرفون بعض الناس يلجأ إلى السحر زعما أنه يريد أن يفك السحر بالسحر، وهذا كذلك حرام، لا يجوز فك السحر بالسحر، لأن الحرام لا يدفع بالحرام، إنما عند الله لا ينال بالحرام. وما روي من بعض الآثار عن بعض السلف ليست صريحة في جواز فك السحر بسحر مثله، ولو صحت لقولنا أن هذا الذي روي عنه أخطأ، على أنه في قول المحققين من أهل العلم لم يرد في ذلك شيء صحيح صريح، لا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا حتى عن أتباع التابعين. قال رحمه الله: والسعي في تغيير العقول، وهذا من أفضع المحرمات، يعني ظلم للإنسان أن يغير عقله، يكره إنسان فيجعله يحبه، وهذا تسلط على الناس لا يجوز. قال: وذلك من الشرك ووسائله، لأنه إذا كان النوع الأول من السحر كما تقدم فهو من الشرك والكفر، لا يصل إليه إلا بشرك، وإذا كان من النوع الثاني فهو وسيلة إلى الشرك والكفر. قال: ولذلك تعين قتل الساحر لشدة مضرته وإفساده، وقد تقدم أنه وردت فيه آثار موقوفة لها حكم الرفع، فمثل هذا لا يقال بالرأي. وهل يجوز فعله دون إذن ولي الأمر؟ الصحيح: لا، لابد من إذن ولي الأمر، إما الإذن اللفظي أو الإذن العرفي، فالإذن العرفي كالإذن اللفظي، فقد يؤذن بالعرف لمشايخ القبائل وكبار الناس ومن لهم ولايات كبيرة أو صغيرة بأن يفعلوا ويقيموا بعضا ما هو من خصائص السلطان إذا جرى العرف بأن مثل هذا يؤذن لهم. قال: ومن أنواعه الواقع في كثير من الناس النميمة، لمشاركته للسحر في التفريق بين الناس وتغيير قلوب المتحابين وتلقيح الشرور. ومعنى تلقيح الشرور: إيجاد أسباب الشرور، كما أن تلقيح الأشجار يكون بإيجاد سبب حصول الثمرة، فكذلك هؤلاء. قال: فالسحر أنواع ودركات، بعضها أقبح وأسفل من بعض، ولذلك فالإثم فيه كذلك يتفاوت. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.