الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 38، الدرس الثامن والثلاثون:من:( باب قول الله تعالى:إنك لا تهدي من أحببت ... وأنزل في أبي طالب إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ويوضح مناسبة ذكر هذا الباب بعد الشفاعة.
يشرح المقطع أن الهداية والشفاعة هي لله وحده، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك نفعًا أو ضرًا لأقربائه، فكيف بمن دونهم، ويستدل بذلك بقصة أبي طالب وعدم قدرة النبي على هدايته.
يبرز حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية عمه أبي طالب، وعدم استطاعته لذلك، ويبين أهمية نفع الأقارب وخطورة جليس السوء، كما يوضح أحكام المشركين والكافرين ودخولهم النار.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال: وفي الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه، قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. قال: أي: عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، قال: فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك. فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾». أورد رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لمسألة من مسائل الكتاب: التوحيد، وهو يشير به رحمه الله تعالى إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأقربائه، بل أقرب من أقرب أقربائه إليه وأحبهم له نفعًا، ولا دفع ضر، فمن دونهم من باب أولى. ومناسبة هذا الباب بعد الشفاعة ظاهرة، فكأنه يقول: لو كان أحد أحق بالشفاعة لكان من كان أبو طالب، ولكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك من الشفاعة شيئًا، إنما الشفاعة لله وحده، فلذلك حاول أن يحرص على إدخال أبي طالب في دين الإسلام الذي هو أصل يحصل به أمر الشفاعة، فالشفاعة ليست لمشرك. قال: باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فذكر الآية والحديث، ولم يقل: مثلا باب أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع لأقاربه، أو لا يملك الشفاعة لأقاربه، مع أن هذا المعنى صحيح: لا يملك الشفاعة لأقاربه إلا ما أذن له فيه. ولم يقل: باب أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهدي أقاربه، وهو صحيح. وهذا أولًا دفعًا لمفسدة قد تحصل من معارضة المعترضين والتشنيع على المؤلف رحمه الله، فيتهم بأنه يكره أهل البيت ويبغض قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: باب قول الله تعالى، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى هذا الأصل العظيم، ألا وهو أن الهداية من الله سبحانه وتعالى. والهداية هدايتان: كما تقدم معنا، هداية بيان ودعوة وتعريف، وهداية توفيق. فالأولى هي للأنبياء وأتباع الأنبياء، والثانية ليست إلا لله سبحانه وتعالى. والشاهد من الآية للترجمة وما أراد المؤلف رحمه الله: كون هذه الآية نزلت في حق قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حق أبي طالب على وجه الخصوص، فإنه لا يهدي من أحب، ولكن الله يهدي من يشاء، فالهداية لله سبحانه وتعالى وحده. كذلك الشفاعة هي لله سبحانه وتعالى وحده. وفي حديث المسيب بن حزن الذي جاء في الصحيحين -وقد قال: وفي الصحيحين، ويشير بذلك إلى صحيح البخاري ومسلم- ومر معنا أن هذا التعبير قد يكون أحيانًا أحدهما أو كلاهما أو لمن شك في أيهما، فإنه يقول: في الصحيح. وفي هذا الحديث كذلك دلالة ظاهرة لما أراد المؤلف رحمه الله، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يهدي عمه أبا طالب مع حرصه وشدة بذله في إدخال الإسلام عليه، إلا أنه لم يستطع عليه الصلاة والسلام. وهذا تأكيد لمعنى الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وفي قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، كالتعليل بأن الهداية يجعلها الله عز وجل لمن هو أهل لها، ومن حرمها فقد حرم بعدله، ومن أوتيها فقد أوتيها بفضله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على نفع أقاربه، خصوصًا من نصره وآواه. وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلم حريصًا على أن يبلغ النفع إلى أقاربه، فإنهم أولى من يبلغهم النفع، والنفع الديني من أعظم النفع. وفيه كذلك فضيلة الجليس الصالح وخطر جليس السوء، فإن هذا الحديث من أعظم الأمثلة العملية الحقيقية التي تدل على شؤم جليس السوء على صاحبه. كيف كان وجود هذين الرجلين سببًا في حرمان عم النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام؟ فكانا سببًا في غوايته وإضلاله. وفيه كذلك عدم اليأس، فأعاد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يأس. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله. وهكذا كون عم النبي عليه الصلاة والسلام مات وهو على ملة عبد المطلب تأكيد لهذه الحقيقة، وهي أن من أهل بيته من هو في النار عليه الصلاة والسلام، ومنهم عمه أبو طالب وأبوه وأمه. وهذا الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أبي وأبوك في النار». وقال عليه الصلاة والسلام: «استأذنت ربي -كما في صحيح مسلم- أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي، فزار قبرها ويبكي» عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا، ونترك ما تبقى إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.