الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُعرّف الإمام ابن القيم البلاء الحقيقي بالذنوب وعواقبها، بينما العافية المطلقة تكمن في الطاعات وعواقبها. يُحذر من الاغترار بالصحة والعافية الجسدية مع وجود المعاصي.
الذنوب والمعاصي تؤثر سلبًا على حياة الإنسان وتسبب الخصومة والشر، بينما الطاعة والتقوى تجلب الخيرات وتفتح أبواب المسرات. مجاهدة النفس ضرورية لتقوية الإيمان.
النوافل تحمي الفرائض وتدرج الإسلام في حماية العبد من المعاصي باجتناب الشبهات والمحرمات، واستخدم أسبابًا حسية ومعنوية لمنع الفتن.
يُنصح بالتدرج في تقوية الطاعات والابتعاد عن السيئات، وهذا التدرج يُعتبر جهادًا يُهدي صاحبه إلى سبيل الله، كما ورد في القرآن الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها، فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مريضت أبدانهم. وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي: إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية، فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصي الله والإعراض والغفلة عنه، وهذا وإن كان أعظم البلاء، فاللوذ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم، والله أعلم. هذا المشهد جعله رحمه الله تعالى في الاعتبار بالبلاء والعافية أن يكون سببًا رادعًا لحفظ الدين وعدم الوقوع فيما يغضب رب العالمين، فإن البلاء عقوبة من الله سبحانه وتعالى، وأعظم البلاء أن يأخذ الله عز وجل منك الدين وأن يكلك إلى نفسك الأمارة بالسوء. فلا ينبغي أن يغتر إنسان بصحة وعافية بدن، وسعة مال، وقوة جسد؛ لأن مثل هذا قد يكون استدراجًا من الله سبحانه وتعالى، فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر. وأخبرنا الله عز وجل في آيات كثيرة، ونبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث أكثر حول هذا المعنى الشيء الكثير. انظر إلى قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، فاستدرجهم الله عز وجل بالترف وأمهلهم، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، فالقرى تطلق بعد أن تعمر وتزخر، فيكون استدراجًا من الله سبحانه وتعالى، ثم يأخذها أخذ عزيز مقتدر. وهكذا أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم، في حديث عائشة في الصحيحين: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بهم»، فاستدرجهم الله حتى إذا كانوا ببيداء -أي مكان واسع فسيح- أخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر. ولما كانوا في هذه البيداء عاقبهم الله؛ لأن أخذ أولهم وآخرهم حتى قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم، شار إلى الكثرة، وأن فيهم ناس ما لهم دخل فيهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إنهم يؤخذون جميعًا، يخصف بعضهم ببعض، ثم يبعثون على نياتهم، فأهل السوء بسوئهم، وأهل الخير بخيرهم». فينبغي للإنسان أن يعتبر بهذا المشهد أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل، وأن البلاء وعظات ومذكرات، وأن أعظم البلاء ذهاب الدين وخسران الصلة برب العالمين، ثم لا يمنع أن يأتي معه بلاء آخر، سواء كان في المال أو في البدن أو في الولد أو في غير ذلك، لعموم قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. ومر معنا في الحديث المتقدم: «إن أخطأه هذا نهشه هذا»، بالذنوب والمعاصي تصيبه أقدار الله عز وجل، وتأتيه عقوبات الله المتنوعة. وكان بعض السلف يقول: أعرف أثر ذنبي في خلق دابتي وأهلي؛ فإن أهلك يتنكرون عليك، ويجعل الله عز وجل بينك وبين أهلك من الخصومة والشر والفتنة بسبب الذنب، وكذلك دابتك وسيارتك وما تملك تعذبك بكثرة استعصائها ومشاكلها، وهذا كله بأثر الذنوب والمعاصي. والعكس بالعكس، الطاعة والقربة والتقوى سبب لإتيان أبواب الخيرات وفتح أبواب المسرات وذهاب الكثير من البلاء والمصائب، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه وحفظه وكلاءته ورعايته للصالحين من خلقه. وربما تجد إنسانًا فقيرًا عنده دابة يجعل الله عز وجل فيها البركة على ضعفها وعلى فقره وضعفه، وآخر من المترفين مصاب من حادث إلى حادث، من مصيبة إلى مصيبة، إلى آخره، فينبغي الإنسان أن يعتبر بهذا. قال رحمه الله تعالى: الحادي عشر: أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ همته. فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله، والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال. ولذلك نجد قوى الحمالين وأرباب الصناع الشاقة تتزايد، بخلاف البزاز والخياط ونحوهما. ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين، وقوي فيه باعث الشهوة، ومثلى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد. وهذا مشهد آخر من مشاهد حرصي وسعي المؤمن لتقوية دينه وإيمانه وعدم الوقوع فيما يغضب ربه وخالقه سبحانه وتعالى، وذلك بأن يعود باعث الدين ودواعيه على مصارعة الهوى، ومعناه أن يلتفت لفتة حسية ومعنوية ظاهرة وباقنة لهذا الجانب. كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، بدون جهاد ما تأتيك الهداية، ولا يأتيك النصر. ويقول: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، إذن لا بد أن تبدأ بالهداية فيعطيك الله عز وجل الزيادة في هذه الهداية، والعكس بالعكس إذا نفرت وزغت أزاغك الله أبعدك أكثر. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فإذا كما أن الجسد كما ذكر رحمه الله بالتدرج يتقوى، فأنت إذا كنت من الرياضيين تحمل اليوم عشر كيلو ثم تزيد، إذن عشر خمسة عشر عشرين إلى خمسين إلى سبعين إلى ثمانين حتى تصل تحمل المئة والعشرين والمئتين. أول ما تأخذ الحديد تستطيع ترفع مئتين ما تستطيع، ولا أحد من أهل الاختصاص يأمر بمثل ذلك، بل يطلبون التدرج التدرج حتى يصل إلى هذه المرتبة. فيأتي الإنسان الذي ظاهره قوي يريد يرفع المئتين يفشل، وآخر أقل منه في الجسد لأنه تعود يرفعه بكل سهولة، السبب التدرج، السبب التدرج. وهكذا كذلك قوة الدين تحتاج إلى تدرج، كيف تدرجها بعدة أمور، أولها ملازمة الطاعات، البعد عن المعاصي والسيئات، تجاهد نفسك وتصبرها في مواضع الطاعة، صبرها على الفرائض أولًا، كما جاء في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ثم بعده ماذا؟ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بإيش بالنوافل»، فنوافل الفرائض تدرج في تثبيت الفرائض. الذي لا يعرف إلا الفرائض فإن الجسر الأول الذي ينقطع وينكسر عليه هو ماذا الفريضة، الذي لا يعرف إلا صلاة الفريضة فإنه إذا خسر خسر الفريضة، لكن الذي يأتي للمسجد مبكرًا ويصلي راتبتها راتبت هذه الفريضة قبلها، ويقرأ ما تيسر من حزب القرآن، إن حصل له خلل وعارض ومشقة ماذا الذي يفوته النافلة لا الفريضة، جعل بينه وبين الفريضة جسر آخر ليس الفريضة. فإذا زاد على النوافل نوافل للنوافل، إنسان محافظ على النوافل والرواتب وتعدى إلى النفل المطلق يتنفل لله يقوم الصباح توضأ صلى ما تيسر من ركعات ودع الله سبحانه وتعالى، جاء وقت الضحى صلى الضحى، حصل له دخل الخلاء توضأ وصلى مرة أخرى، مثل هذا هل يترك النوافل؟ لن يترك النوافل، حمى النوافل بجسر آخر، ما هو الجسر؟ جسر النوافل المطلقة. وهكذا في الصيام، وهكذا في الصدقة، وهكذا في سائر الأعمال والطاعات، فإذا تدرج بحفظ الفرائض بالنوافل والنوافل بالنوافل المطلقة وهكذا، وهكذا في فعل المعاصي تحفظ نفسك من المعاصي باجتناب الوسائل المفضية إلى المعاصي، وأعظم من هذا الشبهات. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، إنسان يتقى الشبهات عمل فيه اختلاط ما يشتغل فيه، إنسان يتساهل بالعمل الذي فيه اختلاط ممكن تقع منه زلة، لماذا؟ لأنه تجاسر الشبهات فوقع في المحرمات. قال عليه الصلاة والسلام: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه»، الذي يتساهل في الشبهات كالذي يدور حول المحرمات، إن زلت قدمه وقع في المحرم، ولهذا جعل الإسلام حماية للوقوع في المحرمات بأسباب حسية وأسباب معنوية. من الأسباب الحسية على سبيل المثال حرم المحرم وما يوضي إلى المحرم، حرم الزنا حرم النظر المحرم الذي يوضي إليه إلى الزنا، لم يحرم الزنا فقط، كل ما يوضي إلى الزنا حرم، الخلوة بالمرأة الجنبية حرم مصافحتها حرم النظر إليها حرم كذلك الاختلاط بها، ما اجتمع رجل ومرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»، «إنما لك الأولى ليس لك الثانية»، «قل للمؤمنين غضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم»، وغير ذلك كثير حماية لماذا؟ لأن لا يقع في الحرام، لأن لا يقع في الحرام. حتى الصلاة جعل النبي عليه الصلاة والسلام حماية حتى لا تقع الفتنة، «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، يعني أول ما يصف الناس في المسجد الرجال في أول المسجد والنساء ظهورهم في الجدار، أفضل صفوف النساء التي ظهرها في الجدار ومن أمامها شر، والرجال العكس كلما تأخر فهو ليس بخير، لماذا؟ لأجل هذا القرب. وخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في مسجده بابًا لا يدخل منه للنساء، قال ابن عمر: فما دخلته مذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، خلاص باب النساء ما دخله عبد الله بن عمر، مع أنه ربما يكون فيه وقت ما فيه نساء، لكن حرصًا وحفظًا ما رضي لنفسي أن يدخله أن يدخل من هذا الباب حتى ما عدم وجود النساء، حمية. تدرج من يتدرج هذا التدرج هل ممكن أن يقع في المعاصي؟ ها؟ يمكن، لكن الذي يتساهل هو الذي يقع، فلذلك تدرج في قوة إيمانك وباعث الدين ومصارعة أسباب معصية الله وغضب رب العالمين، تدرج في تقوية الطاعات وفعل الفرائض والنوافل وأنواع القربات. وكذلك ابتعد عن السيئات وكل ما يبضي إليه من الشبهات والوسائل التي توصل إلى الشبهات، وهكذا أنت لا تزال تتدرج، وهذا التدرج يسمى ماذا؟ جهادًا، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.