الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التفكر في آيات الله الشرعية والكونية يعين على الخلاص من الذنوب ويمنع اختراق الشياطين للقلب. هذا التفكر يورث تعظيم الله وإقبال القلب عليه.
القلب المتصل بالله لا يصاحب عدو الله، ومن يخالط المخلوقين بقصد الاقتراب من الله يحمي نفسه من الوساوس. هذا الارتباط يعزز الإخلاص لله ويحمي من تأثير شياطين الجن والإنس.
وجود هدف يسعى الإنسان لتحقيقه يحميه من تأثير شياطين الجن والإنس ويعزز إخلاصه لله. هذا الهدف يجعله يتخذ الوسائل التي تعينه على طاعة الله.
يجب التضرع إلى الله لإصلاح النفس والجوارح والاستعانة به على النفس الأمارة بالسوء. النفس الأمارة بالسوء غالبة على الإنسان، لذا يحتاج إلى التضرع الدائم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب: قال الثالث عشر: الرابع، ديوم. قال الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي آياته المتلوة وآياته المخلوقة، أي الآيات الكونية والآيات الشرعية. قال: فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووساوسه. وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاضر الرحمن ورسوله والصحابة، فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجن، فلا غبن بعد هذا الغبن، والله المستعان. هذا الموضع الرابع عشر من البواعث التي تعين على الخلاص من الذنوب، وهو مجاهدة الإنسان في صرف فكره إلى عجائب آيات الله الشرعية والقدرية، الكونية الشرعية المتمثلة في كتاب الله عز وجل القرآن، وهكذا ما يفسرها من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فإن التفكر في ذلك يورث الاعتبار والاتعاظ والانشغال بما ينفع الإنسان. وهكذا كذلك آيات الله القدرية الكونية، أي ما يقع في هذا الكون الواسع العظيم مما خلقه الله عز وجل، ومما يحدث فيه. فما خلق الله عز وجل من خلق السماوات العظيمة والأرض، وما فيها من آيات تدل على عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى ورعايته وكلاءته ومراقبته وإحاطته بخلقه سبحانه وتعالى، كلها آيات محل التعجب واعتبار. فإن الإنسان إذا تأمل هذه الآيات الشرعية والآيات الكونية حصل له من تعظيم الله عز وجل وإقبال القلب عليه ما يجعله بعيدًا من مصائد الشيطان، سواء شياطين الجن أو شياطين الإنس، لأنه مهما حاول الشيطان لم يجد سبيلًا إلى قلبه لكون صاحبه منشغلًا في فكره بهذه الآيات الشرعية أو تلك الآيات القدرية الكونية. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. صار هذا التفكر والتدبر سببًا يدفع العبد إلى عبادة الله والإقبال عليه وسؤاله ورجائه والانكسار بين يديه وطلب ما عنده، فيكون ذلك حصنًا حصينًا وحجابًا متينًا يمنع اختراق شياطين الجن والإنس قلبه. وأما القلب الخالي من هذا التفكر فإنه قلب ليس محصنًا، فلذلك يقذف شياطين الجن والإنس الوساوس. شيطان الإنس يجد الفرصة بما يرميه على السمع أو يريه على البصر أو يخالطه بالجوارح، لأن القلب إذا صار خاليًا من التفكر والتعلق بالله صار يبحث لأن المكان فارغ. فبحثه هذا يزداد إذا سمع كلمة وسوسة وإغواء وفتنة وإغراء من شياطين الإنس بما يسمع أو يرى أو يخالط. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يصاحب». الذي قلبه مع الله لا يمكن أن يصاحب عدو الله، لن يجد معه الأنس، ولن يرضى أن يكون أنسه إلا بالله سبحانه وتعالى وبما يقرب إلى الله. حتى إذا خالط أحدًا من المخلوقين فهو يخالطهم ليوصلوه إلى الله، يخالط العلماء ليتعلم من علمهم ما يوصلونه إلى الله، يخالط الصالحين ليوصلوه بما يرى من هديهم وسمتهم وصلاحهم ما يعينوه في السير إلى الله سبحانه وتعالى. فلذلك هو يأنس بهم، وأنسه لا لذواتهم ولكن لما جعله الله عز وجل عندهم من الأسباب. ولهذا إذا تعلق بأحد منهم بشخصه دل ذلك على قلة تعلقه بربه وخالقه، وكلما كمل تعلقه بربه وخالقه لم يتعلق بأحد من المخلوقين، بل صار المخلوق سببًا ووسيلة. مثل السيارة توصلك إلى المكان الذي تحتاجه، بعد أن تصل انتهت الحاجة، لكن الذي يتعلق بذات السيارة فهو لا يريد الوصول إلى المكان. ولذلك فهو كما يقول العامة: يفرفر بها يمينًا ويسارًا، ما عنده هدف، يذهب يسرة ويمنة وهكذا. أما الذي عنده هدف ما عنده وقت، فقط يريد أن يصل. ولذلك سيبحث عن أفضل وأسرع وسيلة توصله إلى الهدف. وهكذا يفعل الإنسان في خلطه للناس، يخالطهم بما يعينوه للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، فيتخذ أفضل الوسائل وأسرعها لأنه عنده هدف يريد أن يصل إليه. ومن كان هذا حاله هل يمكن أن تكون له صحبة أو كذلك فرجة لشياطين الجن والإنس؟ الجواب: لا، فضلًا أن يكون عنده خلة ورفقة من هذا النوع. فإذن صار هذا من الأسباب العظيمة التي تبعث الإنسان للتخلص من الذنوب والإخلاص لله عز وجل بالطاعة، لأنه بهذا يحمي نفسه في حصن حصين وجدار متين، يكون سببًا في عدم اختراق شياطين الجن والإنس قلبه وحاله. وكما يروى عن أبي سليمان الداراني أنه كان يقول: «إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة»، يعني يتعظ بما يرى من الأشجار والأحجار على عظمة الله سبحانه وتعالى. فإذا رأى شيئًا معيبًا حمد الله أن الله جعله على سلامة، كما جاء في الدعاء في الدعاء بالمعافاة مما ابتلى الله عز وجل به من ابتلى. وإذا رأى شيئًا سليمًا سأل الله من فضله إن لم يصل إليه، لأنه يعلم أن هذا الكمال إنما يسأل ويطلب من من؟ من مالكه وموهبه وهو الله عز وجل وحده. فيتعلق قلبه بالله، لا يتعلق بغيره أبدًا. إذن في كل شيء يراه أو يسمعه آية وعظة وعبرة. وأما الذي لا ينفع فإن بصره لا ينصرف إليه، بل إذا رآه أبغضه بلسان حاله وبلسان مقاله، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه رأى شيئًا قبيحًا. لكن القلب المريض يتتبع هذه العورات وهذه المحرمات لأن القلب مريض. أما القلب السليم فإنه يكره ويبغض وينصرف ويتعوذ بالله، فيكون بهذا الفرق بين من كان منشغلًا بالله والفكر به بآياته الشرعية وآياته الكونية، ومن لم يفعل ذلك فكان قلبه خاليًا مفتوحًا لشياطين الجن والإنس، فضلًا عما يكون من صحبتهم. فتكون بذلك النفس الأمارة بالسوء هي الغالبة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح قلوبنا وجوارحنا وأن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وبهذا نتبين، والحمد لله رب العالمين.