الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الإمام ابن القيم على أهمية الدعاء في خلاص العبد من الذنوب، مستشهدًا بأحاديث نبوية وتوجيهات دينية. يشير إلى أن قلوب العباد بين أصابع الرحمن وأن الله يعامل عبده بمعاملة خاصة.
يُشدد على أهمية الإلحاح في الدعاء وتأثيره في استجابة الله، ويُبين أن الدعاء عبودية لله يكفر السيئات ويُعد أول خطوات التوبة. يُشير إلى أن الاستمرار في الدعاء سيكون له عوض عند الله.
الابتلاء يحمل حكمة إلهية عظيمة، حيث يخرج الرجال الأقوياء ويحصن المعافى ويكون سببًا في إنعام الله على العبد. يجعل العبد يلجأ إلى الله ويتوكل عليه ويحبب إليه الإيمان.
التحبيب إلى الإيمان يأتي بالتدريج مع استمرار الطاعات والقربات وليس دفعة واحدة. يتطلب الاستمرار في الأعمال الصالحة لزيادة المحبة، ونسأل الله أن يلطف بنا ويتوب علينا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق كلامه على بواعث الخلاص من الذنوب: قال السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين أصبعيه، وأزمة الأمور بيديه، وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: «إن لله في أيام دهره نفحات، فتعرضوا لنفحاته، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم». ولعله في كثرة تعرضه يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فمن أعطي منشور الدعاء أعطي الإجابة؛ فإنه لو لم يرد إجابته لما ألهمه دعاه، كما قيل: لو لم ترد نيل ما أرجو، أطلبه من جود كفك ما عودتني الطلبة. ولا يستوحش من ظاهر الحال؛ فإن الله سبحانه يعامل عبده بمعاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء في صفاته؛ فإنه ما حرمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحيه. وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليهما على أكمل حال، كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك أخرج منها، فلك خلقتها وسأعيدك إليها. فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويصحه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حاله التي تسوءه أصلًا، إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه. جعل رحمه الله تعالى هذا الموضع السادس عشر من مواضع البواعث التي تعين على الخلاص من الذنوب، وهو تعرض العبد إلى ربه سبحانه وتعالى بالإلحاح بالدعاء؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم -كما في الترمذي وغيره بإسناد صحيح من حديث أنس رضي الله عنه- يكثر أن يقول في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك». وجاء معناه من حديث جابر بإسناد فيه ضعف، معناه صحيح. وكان يقول عليه الصلاة والسلام كذلك: «يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك». فيكثر النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- في دعائه وفي سجوده مثل هذا الدعاء. ونحن أولى وأحرى وأحوج إلى هذا الدعاء. وكما أشار رحمه الله تعالى فإن في هذا فوائد لا يحرمها من داوم وحرص على هذا السبب من أسباب الخلاص من الذنوب. أولها: أنه يقبل على الله بالدعاء، وهذا لا شك أنه سبب من أسباب كثرة المغفرة؛ فإنه إذا أقبل على الله عز وجل بالدعاء فإنه لن يرده الله. وقد قال الله عز وجل -كما في الحديث الصحيح-: «إن الله ليستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفرًا». وهكذا في الحديث الآخر: فيمن يدعو في سجوده، قال عليه الصلاة والسلام: «فقمن أن يستجاب لكم»، أي حري أن يستجاب لكم. فتتبع العبد للدعاء وإلحاحه وحرصه على مواضع الإجابة لعله يصادف وقت إجابة وساعة قبول، فيتقبل الله عز وجل منه. ثانيها: أنها عبودية لله عز وجل، والعبودية طاعة من الطاعات عظيمة يكفر الله عز وجل بها السيئات، كما تقدم معنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أذنب أذنبًا فوقع في امرأة فقبلها ثم تاب واستعتب وأراد أن يجعل شيئًا يكفر له ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله، فنزل عليه قول الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، فقال الرجل: أهي لي خاصة أم للناس عامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هي للناس عامة». فالتعبد لله عز وجل بالطاعات، ومنه الدعاء والإلحاح فيه وتتبع مواضع الإجابة، من أسباب تكفير السيئات. وثالثها كذلك: أنه إذا حرص على تثبيت قلبه بلسانه فإن ذلك سيدعوه أن يتابع ذلك بحاله، وهذا أول التوبة وأول خطوات الإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. وإلا صار من الكذب أن يدعو بلسانه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك» وهو مصر على معاصيه؛ فإنه لا شك إن هذا تناقض. فما يقوله بلسانه يكون سببًا في جر جوارحه للعمل بما يدعو بلسانه، فيكون عونًا له على التوبة والإنابة، حتى ولو تأخرت الجوارح في الاستجابة عما يقوله ويدعو به بلسانه، كان ذلك ملومًا لنفسه، كأنه في كل لحظة يدعو يلوم نفسه، فيضربها بصياط الدعاء ما يجعلها تنصاع وتنقاد. فلو تأخرت فإنها ولا بد إن صدق ستستجيب الجوارح لما يقوله بلسانه. ورابعها: أنه كذلك إذا استمر على هذا فإنه سيكون له عند الله سبحانه وتعالى العوض؛ فإن الله عز وجل ما أخر إلا ليعطي، وما أمرض إلا ليشفي، وما أفقر إلا ليغني. ولكن الغنى أنواع والشفاء أنواع، ولله الحكم في ذلك. بل رب ضارة نافعة، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فرب شيء تكرهه يجعل الله عز وجل فيه الخير، كما قال في آخر آية: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فبالابتلاء يخرج الرجال الأشتاء، وبالمرض يخرج المعافى الذي قد تحصن من ذاك المرض، كما لا يخفى عند أهل الخبرة والمعرفة بالطب؛ فإن من أصيب بالحصبة مرة لا يصابها مرة أخرى، ومن أصيب بداء مرة في الغالب يكون جسده قد أخذ حمية من ذاك المرض، فيكون أقوى مما كان عليه قبل المرض. وهكذا كذلك ما يكون من الأمور المعنوية؛ من وقع في ذنب ثم تاب منه، في الغالب أن يكون عنده حمية وندامة وحسرة وإقبال على الله أكثر مما كان عليه قبل الذنب. فلا يقول قائل: إذن نتساهل بالذنوب، لا، أنت تحرص ألا تقع، فإذا ابتليت فبادر بالتوبة والصدق، ولعل ذلك يكون فيه خير. ففرق بين أن يكون الأمر قبل الوقوع فنكرهه، وبعد الوقوع نرضى بقضاء الله ونلزم ما شرعه سبحانه وتعالى. وبه حاج آدم موسى عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث. وهذا سر من أسرار القدر، وحكمة من حكم الله عز وجل في الابتلاء فيه، سواء بالأمور الكونية أو بالأمور الشرعية، لا يعلمها إلا خواص عباد الله ممن وفقه الله لمعرفة سر هذه الشريعة العظيمة وحكمتها البليغة. وهكذا كذلك من فوائده: أنه كذلك يكون سببًا في إنعام الله عز وجل لهذا العبد؛ إذ أنه يدرجه في الوصول إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات. فالإنسان إذا تأخر بالدعاء تأخر إجابة الدعاء، وصار ملازمًا له، فإنه يزداد قربًا من الله سبحانه وتعالى، بخلاف إذا دعا وأجيب، فبمجرد أن يدعو يجاب، فإنه في الغالب ينقطع العبد عما كان يطلبه لأنه وصل إلى ما يريد. لكن لا استمر كان هذا الاستمرار والصبر والإلحاح سببًا في قوة إيمانه وزيادة قربه من ربه وخالقه. وكذلك تدرجه مما يجعله يتلذذ بهذه الطاعة والعبادة والقرب والدعاء أعظم مما كان يطلبه من نفس الدعاء. ولذلك في الغالب تجد التائبين الذين صدقوا في توبتهم دخلوا في قيام الليل أو في الدعاء من باب تكفير الذنب، وحين يجدون لذة العبادة وأنس الخلوة بالله العظيم الرحيم الكريم، فإنهم عند ذلك يستمرون ويصبرون ويحبون ويعشقون هذه العبادات والطاعات والقربات، فأبدلهم الله أعظم مما كانوا يطلبون. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. وذكر رحمه الله بعض الآثار، وهي لم تصح مرفوعة، ولكنها معناها صحيح، تدل عليها عمومات الأدلة. وكذلك من محاسنه: أن العبد لا يزال بهذا الالتجاء وهذا التوكل على الله سبحانه وتعالى والدعاء يقرب، ويكون معتصمًا ومحببًا إليه الطاعات بما يكون من قربه واستمرار صلته بربه وخالقه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. هذا التحبيب يأتي بالدرجات وخطوات، وكذلك مع تتابع الأوقات لا يأتي مرة واحدة ودفعة واحدة، ينام فيقوم وقد حبب إليه الإيمان. لا، ولكن بالاستمرار بالطاعات والقربات وغير ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا، وأن يتوب علينا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.