بواعث الخلاص من الذنوب 10

بواعث الخلاص من الذنوب 10

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التفكر في قصر الدنيا كباعث على التوبة

يتحدث عن أهمية التفكر في قصر الدنيا كدافع للتوبة وترك الذنوب. يشير إلى ضرورة استغلال الحياة في الأعمال النافعة.

التوازن بين الدنيا والآخرة

يُنبه إلى أهمية أخذ نصيب من الدنيا دون الركون إليها، ويشير إلى ضرورة التزود للآخرة. يجب أن يوازن الإنسان بين حقوق نفسه وأهله والآخرة.

أهمية النصيحة والأمر بالمعروف

النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الحقوق وواجبات الأمة، وهما سبب خيريتها وتحقيق عبوديتها لله. أمر الله بتحقيق هذه العبودية في جميع شؤون الحياة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب: «الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب إضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخص ما فيها وأقله نفعًا، إلا ساقط الهمة، دنيء المرؤة، ميت القلب، فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان فرك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به ويناله بسببه غاية الألم؟ بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان حسرة عليه». هذا موضع آخر من مواضع ما يبعث العبد أن يتخلص من ذنوبه وأن يبادر ويعاجل بتوبته إلى ربه وخالقه، وذلك بأن يتفكر -كما ذكر رحمه الله- في هذه الدنيا وسرعة زوالها وقرب إضائها، أي: أن هذه الدنيا قصيرة، فإذا علم أنها قصيرة، فإنه ينبغي أن يعجل بأخذ ما ينفع وترك ما يضر، بل ينبغي أن لا ينشغل بما لا ينفع، فضلًا أن ينشغل بما يضر، ومن ذلك الذنوب والمعاصي، فإنها شهوات الدنيا الضارة التي تثقله في طريقه فتؤخره، وكذلك تضره في آخرته، فتكون سببًا لحسرته وعذابه. فإذا كان كذلك، فليبادر كل عبد بسرعة التزود بالزاد النافع والتخلص من كل ما يضر، ومن ذلك الذنوب والمعاصي. وقد جاء في الكتاب والسنة ما يدل على هذا المعنى بأدلة كثيرة. فإن الإنسان ينبغي أن يتذكر أن الدنيا قصيرة، ومهما عاش في هذه الدنيا فإنه ولابد أن يرحل منها، وهو راحل لا محالة. وأعظم من هذا أنه لا يعلم متى يرحل، وهذا من حكمة الله عز وجل أن ابتلى الناس بإخفاء وقت موتهم وساعتهم وانقضاء أعمارهم، حتى يبادر كل أحد إلى التوبة والإنابة، ويعجل ويسرع بالتزود بما ينفع. لأنه لو علم أنه سيتأخر ربما اتكل وصار عنده من طول الأمل لما علم ما يدفعه إلى إساءة حياة وعمره في الكثير، وطلب الإحسان في الباقي اليسير، ولا شك أن هذا خسارة لهذا الإنسان. ومع ذلك فإنه القليل من عباد الله -كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾﴿إِبْرَاهِيمَ: ٤٣﴾﴾- من يتعظ بهذه الحكمة ويعتبر بهذا المقصد العظيم، فإنه لا يزال يتعلق بالأمل، ويكون عنده من الغفلة ما يدفعه للإساءة أكثر من الإحسان، إلا من رحم الله. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا برحمته وعفوه. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر نفسه وأصحابه بهذا المعنى في أحاديثه كثيرة، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر، فأخذ بكتفه وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فمن كان في الدنيا غريبًا أو عابر سبيل فإنه ليس بمستقر، المستقر هو المقيم، أما إذا كان غريبًا أو عابر سبيل فإنه إنما يتزود لمكان إقامته الذي هو سينتقل إليه، الغريب إلى موضع إقامته، وعابر السبيل كذلك. ولهذا كان ابن عمر يقول: «خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»؛ لأجل أن يتزود من هذه الدنيا ما ينفعه في وقت افتقاره لربه وخالقه. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره بإسناد صحيح-: «ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم تركها». فبقاء هذا الإنسان في هذه الدنيا قليل، وهو مثل استظلال رجل تحت شجرة، كم عسى أن يستظل تحت الشجرة ثم يرحل من هذه الشجرة؟ ونحن في هذه الدنيا في دار ممر لا دار مستقر. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للإنسان أن يتزود منها بما ينفع لا بما يضر. ولا ينافي هذا قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴿﴿القصص: ٧٧﴾﴾؛ فالذي قال هذا سبحانه هو الذي قال قبلها في نفس الآية: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴿﴿القصص: ٧٧﴾﴾. معناه أن الأصل هو أن يبتغي الإنسان في هذه الدنيا ما ينفعه في آخرته: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؛ هذا هو الأصل. ولأجل أن لا يطغى الإنسان على حقوق نفسه وحقوق ذويه -كما وقع لبعض الصالحين من أتباع الأنبياء والرسل، وكذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من خيار الصحابة، فأدى إلى أن يهضم الإنسان نفسه ويهضم أهله، فتضيع الحقوق بعضها على بعض- كان هذا التنبيه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ خذ من الدنيا ما يعينك على الآخرة، ولكن لا تركن إلى هذه الدنيا. «إن لنفسك عليك حق، وإن لأهلك عليك حق، ولزورك عليك حق»؛ فيلزم أن لا تطغى الحقوق بعضها على بعض، فتأخذ من الدنيا ما يعينك على أمر الآخرة. لا يعني طلبك للدار الآخرة أن تكون يدك السفلى، بل كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، كونك تكون المنفق خير لك من أن تكون من متصدق عليه، والمنفق خير لك من أن تكون الآخذ وطالب الصدقة. بل ينبغي أن تكون يدك العليا وليس يدك السفلى. ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأكلون من كسب أيديهم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وأكل من كسب يده»، أي: أنه ما كان يرضى أن تكون يده سفلى بل يده العليا. والأمر كما قال بعض السلف -ويروى عن عدد من الأئمة-: «اجعل الدنيا في يدك ولا تجعلها في قلبك»، أي: إذا دخلت القلب غيرت أهداف الإنسان وربما طغت على ما ينبغي أن يكون من رضى الرحمن سبحانه وتعالى، ولكن اجعلها في يدك لتستعين بها على أمر آخرتك، اجعلها -يعني- مما يعينك في الوصول إلى ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وهذا هو العدل الذي قصد من أمر أن لا ينسى الإنسان نصيبه من الدنيا. ومثله كذلك ما في هذه الدنيا من شهوات وما فيها من ملتذات، يأخذ منها الحلال والمباح، فالمرأة الصالحة من المباح، ومن الحلال الذي يغني عن الحرام، والمال الصالح للرجل الصالح من الحلال الذي يغني عن الحرام. ولهذا جاءت الأدلة بتقرير هذا المعنى العادل، كما صح ذلك من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فينبغي للإنسان أن لا يكون مائلًا إلى جهة دون جهة أخرى، بل يسلك المسلك العادل الذي جاءت به الشريعة. ومن ذلك أنه لا ينسى دائمًا وأبدًا أن هذه الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، فيتفكر في قصرها ويأخذ منها ويتزود ما يعينه على الآخرة. الأصل هو عبادة الله وابتغاء الدار الآخرة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾﴿الذاريات: ٥٦﴾؛ هذا فيما يتعلق بحق الله. وأما فيما يتعلق بحق خلق الله: أن لا يبغي على أحد، ولا يعتدي على حق أحد، وأن يكون عونًا لنفسه ولغيره في تحقيق هذا الهدف الأعلى والمقصد الأسمى، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من أعظم الحقوق مع الخلق النصيحة: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سبب خيرية هذه الأمة، وبه تتحقق العبودية لله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ بِذَلِكَ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾﴿الأنعام: ١٦٢-١٦٣﴾. وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.