الدرس في شرح كتاب الطهارة 8، الدرس الثامن (وقال في الاختيارات : ويحرم اتخاذهما ... والنحاس والحديد والجلود ونحوها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة حكم اتخاذ الذهب والفضة، مشيرًا إلى الخلاف بين العلماء حول تعميم النهي عن استخدامهما. رجح الشيخ تحريم اتخاذ الذهب والفضة مطلقًا مع استثناءات لبعض الحالات.
يناقش المقطع حكم استخدام الأواني المزينة بالذهب والفضة، ويشير إلى خلاف العلماء حول جواز استخدامها، ويستدل على ذلك بأقوال شيخ الإسلام وابن تيمية.
يناقش حكم استعمال الآنية الثمينة غير الذهب والفضة، ويشير إلى جواز استعمالها بشرط عدم الإسراف. كما يشير إلى مفهوم إضاعة الوقت وعدم الاستفادة منه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كان آخر ما وقفنا عليه في الدرس الماضي: «وتصلح الطهار منهما وتصح الطهار منهما». ثم اليوم قول المؤلف، رحمه الله: «وقال في الاختيارات: ويحرم اتخاذهما». ويريد رحمه الله تعالى باختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، يعني ويحرم اتخاذ الذهب والفضة، يعني في غير الطهارة من الاستعمالات الأخرى. وهذه المسألة مسألة خلافية بين أهل العلم. فمن أهل العلم من أخذ بظاهر النص وحصر النهي عن اتخاذ الذهب والفضة في الآنية وما كان بمعناها من الأكل والشرب والطهارة، وما سوى ذلك فإنه لم يدخله، يعني لم يدخله في معنى النهي. وعلل من قال بهذا القول أن النهي جاء مخصصًا في الأكل والشرب، فقال: هذا التخصيص يدل على عموم استثني منه. وكما تعلمون وتعرفون أن للعلماء، خصوصًا أهل الأصول منهم، قواعد في هذا الباب. ومن هذه القواعد قولهم: «الاستثناء معيار العموم»، يعني أنه إذا استثني شيء دل على أن ما سواه يبقى على أصل عمومه، وهو الحل في مثل هذه المسألة. وأما من منع، فقد نظر، أي من عمم في المنع من اتخاذ الذهب والفضة، يعني فيما هو أعمن الآنية. وسيأتي ذكر بعض المسائل التي تستعمل فيها الذهب والفضة. فمن عمم الحكم فيما هو زائد وأكثر من الذهب والفضة، فإنه نظر إلى العلة المذكورة في الحديث، وهو ما فيه من مشابهة الكفار، وكذلك ما فيه من معنى الإسراف والتبذير والترف، وأن هذا لا ينبغي أن يكون عليه المؤمن. ولهذا قال: «هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». وهذا التعليل كذلك نازع فيه أهل القول الأول، ونظروا إلى أن هذا التعليل لا يصح التعليل به؛ لأنهم يزعمون أن هذا يستلزم التعميم في كل ما عند الكفار، وليس لهذا قائل، يعني ليس كل ما عند الكفار هو يحرم على المؤمنين؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». فقال هذا القائل: وهل هذا معناه أن كل ما كان للكفار فهو حرام على المؤمنين؟ قال: وهذا ليس له بقائل، يعني يوجد أشياء عند الكفار، ومع ذلك جازت للمسلمين. ومن ذلك أطعمتهم، قال الله عز وجل: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. الأطعمة هي مما عند الكفار ولهم، ومع ذلك أطعمتهم تحل المؤمنين، يعني بما لا يخالف ما حرم على المؤمنين. فالشاهد: هكذا قال، ورد عليهم أهل القول الثاني بأن هذا ليس على إطلاقه، وإنما وردت أدلة في ذكر ما يحل ويحرم. فالخلاصة أن هذه المسألة مسألة خلافية، والخلاف فيها لأجل عدم ورود الحديث الصحيح أو نقول الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على تعميم النهي من اتخاذ ذهب الفضة، يعني فيما هو زائد عن الآنية. فلأجل ذلك حصل هذا الخلاف. والشيخ هنا رجح أو أشار إلى قول شيخ الإسلام في النهي عن اتخاذهما أي مطلقًا، ولكن سيأتي أن الشيخ، رحمه الله، يستثني بعض الأشياء. ثم قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «وحكم المضبب بهما حكمهما؛ لأنه إذا استعمله فقد استعملهما»، إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة لتشع بالقداح، إذا لم يباشرها بالاستعمال؛ لما روي «أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم إن كسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة»، رواه البخاري. واختار الشيخ تقي الدين الإباحة إذا كانت أقل مما هي فيه. هذا المقطع من كلام الشيخ، رحمه الله، تناول ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: حكم التضبيب مطلقًا. ومعنى التضبيب: يعني خلط بعض أجزاء الوعاء والإناء بشيء من الذهب أو الفضة. فهنا قال: «وحكم المضبب بهما حكمهما»، يعني حكم الذهب والفضة. إذا كان حكم الذهب والفضة لا يجوز، فهو لا يجوز، يعني في الآنية كما تقدم، سواء للأكل والشرب أو للطهارة. وفي غير الآنية، أو نقول أولًا كمرتبة ثانية في الآنية، لكن لغير الأكل والشرب والطهارة، مثلا للزينة، فهذا يمنع. فكذلك المضبب يمنع. الثاني: إناء ووعاء، لكنه لا يستعمل للأكل والشرب، ولا كذلك للطهارة، للطهارة، وإنما مثلا للزينة، فهو لا يجوز على ما تقدم إذا كان خالصًا من الذهب والفضة، وكذلك لا يجوز إذا كان مضببًا، يعني مخلوطًا به شيء من الذهب والفضة، سواء هذا الخلط لتقويته أو لتزيينه أو لإملاء شقوق وكسور فيه. الثالث: إذا لم يكن من الآنية أصلا، كأن يكون شيء آخر ليس من الآنية، كسقف مزين بالذهب والفضة مثلا، هذا على ما تقدم أنه لا يجوز. من كلام شيخ الإسلام ما يفهم منه أنه لا يجوز، وقال به جماعة من أهل العلم. وكما سمعنا أن بعضًا من العلم نازع في هذا. فإذا كان مضببًا السقف، ليس في الضهو ولا ذهب، ولكنهم مزين بشيء ضبب بالذهب والفضة، كذلك على هذا القول لا يجوز. فانظر الآن ثلاثة أحوال، وهذا هو قوله: «وحكم المضبب بهما حكمهما». وبعض المسألة الثلاثة التي تقدمت فيها خلاف، فيكون حكمهما كذلك بأن فيها خلاف. فمثلا المضبب من السقف أو من المكحلة أو كذلك من بعض ما يستعمل للباس أو على الخيل، على قول الشيخ الإسلام أنه لا يجوز، وعلى قول غيره أو ما ذهب إليه بعض أهل العلم يجوز، فيكون كذلك المضبب فيه خلاف. والراجح على ما تقدم، وهو الأحوط أن يجتنب. ثم علل بقوله: «لأنه إذا استعمله فقد استعملهما»، يعني إذا استعمل المضبب فقد استعمل الذهب والفضة، فيدخل في النهي. وسيأتي معنا أن الصحيح التفصيل في هذا التطبيب. المسألة الثانية من هذا المقطع: إذا كانت الضبة يسيرة، يقول: لا بأس بها. وعلل لتشعب القداح، يعني لتشققها، فيحتاج لتلخيمها ولصقها بالفضة، يعني بعض أنواع القداح يكون الأكمل والأسلم والأحوط أن يوضع في ذاك الشق الفضة مثلا؛ لأن الفضة من المعادن التي لا تتغير، يعني بالشرب فيها ونحوه، بخلاف غيرها من المعادن الأخرى. وهو كذلك يصلح لإملاء الشق. ثم اشترط هذا الشرط، قال: «إذا لم يباشرها بالاستعمال»، يعني كأنه يقول: ومع ذلك ينبغي أن يحتاط أن لا يشرب من جهة الشق الذي فيه فضة مثلا. عندك كأس مشقوق لحمت هذا الشق بشيء من الفضة، فيقول: احرص على أنك إذا استعملت هذا الإناء المشقوق لا يكون مباشرة الاستعمال من جهة الموضع الذي فيه الشق. وهل هذا صحيح؟ الجواب: الصحيح أنه ليس بصحيح. لماذا؟ لأن الحديث الذي رواه البخاري من حديث أنس، وأشار إليه في أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل هذا، لا إله لله الشق بالفضة، أي ضبب موضع الشق بالفضة، لم يذكر في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تحاشى أو كان يتحاشى الشرب في هذا الموضع، ولم يذكر أنه أمر أهل بيته أن يتحاشوا الشرب من هذا الموضع. فدل ذلك على أن هذا الحكم الذي وضعه أو أشار إليه المؤلف، رحمه الله، وذكره بعض أهل العلم، ليس بصحيح؛ لأن سببه موجود، ولم يذكره النبي عليه الصلاة والسلام، أي لم يذكر فيه شيئًا. وعدم البيان وقت الحاجة منتنع، كما قال أهل العلم. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة تدل عليها من الكتاب والسنة. ثم ننتقل إلى المسألة الثالثة التي أشار إليها في هذا المقطع، وهو قوله: «واختار الشيخ تقي الدين»، يريد شيخ الإسلام، الإباحة إذا كانت أقل مما هي فيه، يعني مثلا إذا كان وزن الكأسة مئة جرام أو مئتي جرام، فينبغي أن تكون كمية الفضة المضبب بها أقل من مئة جرام. ومن أين أخذ شيخ الإسلام، رحمه الله، هذا الحكم؟ الجواب: أخذه كما أخذه من سبقه من أهل العلم من مسألة الاستثناء. فإن علماء الأصول ذكروا في كتب الأصول مسألة الاستثناء: هل يصح الاستثناء بالكل أم لابد أن يبقى شيء من المستثنى منه؟ فذهب بعضهم إلى امتناع الاستثناء من الكل؛ لأنه يكون لغوًا. مثلا لو قلت: أعطي عشرة إلا عشرة، صار ماذا أعطي؟ أعطي لا شيء. لو قلت: أعطي عشرة إلا عشرة، صار معناه أعطي لا شيء. فهل هذا الكلام مفيد؟ الجواب: هذا الكلام غير مفيد، فهو لغو. فلهذا قال العلماء: أنه لا يصح الاستثناء استثناء الكل من الكل؛ لأنه شيء أولًا لم يرد مثله في الشرع، وثانيًا ليس هو من فصيح اللغة، ولا من المتعامل به. وثالثًا أن فيه لغو ظاهر. قال: إذا كانت أقل مما هي فيه، يعني إذا كان الفضة أقل مما وضع فيه لأجل ذاك الشق. ومن أين الدليل على أنه لابد أن يكون أقل؟ قلنا: مثال الأقل إذا كان القدح مئة جرام، فلا يكون الفضة الموضوع للشق مئة جرام، إنما يكون أقل من مئة جرام. فشيخ الإسلام فصل هذا التفصيل، قال: شرط أن يكون أقل مما هي فيه، يعني ليس مثله أقل منه. فإن كان مئة جرام وزنه، إذن لا يكون التضبيب بمئة جرام كذلك، بل أقل من ذلك. وهذا أخذه أولًا من الحديث؛ لأن الحديث فيه بضبة يسيرة، يعني للشق. وقد يقول قائل: توسع شيخ الإسلام. الحديث فقط عمل الشق، فمن أين أخذ هذا الزيادة أقل مما وضع فيه؟ قلنا: من قضية الخلاف، خلاف أهل العلم في الاستثناء. ومع ذلك ينبغي أن يعلم أنه ينبغي للمسلم أن لا يتوسع في هذا الباب، يعني مثلا ورد الدليل في تضبيب الشق، إذن كذلك يجوز استعمال. وهذا هو الصحيح. والخلاصة في هذه المسألة أنه يتقيد بما ورد في الحديث. الحديث ورد أنه يجوز تضبيب الشق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في القدح المذكور في حديث أنس، فيما رواه البخاري. فكذلك ينبغي أن يفعل، لا يتعدى ذلك. لماذا؟ لأن الأصل هو المنع والنهي، الأصل هو المنع والنهي. فلا نتعدى هذا المنع والنهي إلا بدليل. والدليل دل على جوازه في التضبيب فقط، إذن لا نتوسع فيما هو أكثر من هذا التضبيب. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز اتخاذ الآنية الطاهرة واستعمالها ولو كانت ثمينة كاليقوت والعقيق والنحاس والحديد والجلود ونحوها». وهذه مسألة أخرى من مسائل هذا الباب، باب الآنية. قال: «يجوز اتخاذ الآنية الطاهرة واستعمالها»، يعني من غير الذهب والفضة، ولو كانت ثمينة؛ لأجل أن لا يظن كونها ثمينة يلحقها بالذهب والفضة. وهذه مسألة خلافية أخرى. فإن بعض أهل العلم جعل كون بعض الآنية ثمين يستلزم ذلك المنع، وجعل التعليل في تحريم آنية الذهب والفضة كونه ثمينًا. وهل هذا المعنى صحيح؟ الجواب: هذا المعنى قد يصح إذا نظر إليه ليس من جانب تحريم آنية الذهب والفضة، لكن من عمومات أخرى، كقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فيكون النهي عنه ليس من باب أنه يلحق بالذهب والفضة وآنيتهما، ولكن من باب الإسراف والتبذير. ولا يجوز للمسلم أن يدخل نفسه في الإسراف والتبذير. مثلًا اتخاذ الآنية من النحاس أو الجلود أو الحجارة أو المعدن أو الاستيل ونحوه، أو لا من اتخاذ آنية الياقوت والجواهر، للفرق بينهما، ولما فيه كذلك من معاني الترف والتوسع في هذا الباب الذي ينبغي للمسلم أن يقتصد فيه. ومع ذلك من باب الأمانة العلمية ينبغي أن يعلم أن بعض أهل العلم أجازه، كما أشار الشيخ رحمه الله، لعدم معرفة الدليل الصحيح الصريح في التحريم والنهي عنه. والياقوت معروف، نوع من الجواهر. والعقيق كذلك نوع من الأحجار الكريمة، تكون فيها ألوان نادرة، فيجعل لها معنى من الثمانية يختلف عن غيرها من الأحجار. والنحاس معروف، والحديد معروف، والجلود معروف. لكن لا شك ليس ثمانية الياقوت كثمانية النحاس، ولا ثمانية الياقوت كثمانية الحديد أو الجلود. لكن مراده رحمه الله: يعني ولو كان من هذه الأنواع الثمين منها. فيوجد أنواع من النحاس قد يكون ثمينًا لجودة النحاس أو لصناعة خاصة فيه. وهكذا كذلك أنواع من الحديد قد يكون ثمينًا لجودته مثلا أو لصناعة فيه. وهكذا أنواع من الجلود قد تكون ثمينة إما لجودتها أو لصناعة فيها. فالمهم إذا قدر أنه وجد من هذه الأواني شيئًا تمينًا، فيقول المؤلف رحمه الله: يجوز، سواء من المذكور أو غير المذكور. مثلا الزجاج لو كان من الزجاج، وهو القوارير، شيئًا ثمينًا جاز كذلك على ما ذكر المؤلف رحمه الله. مع التنبيه الذي سبق: أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من الإسراف والتبذير. والتبذير أشد من الإسراف. فإن التبذير كما ذكر العلماء: هو ما فيه إضاعة للمال فيما لا ينتفع به. وأما الإسراف: فهو التوسع في الحلال على وجه لا ينتفع به. وفيه كذلك إضاعة، أو معنى الإضاعة؛ بالطبع لا ينتفع.