الدرس في كتاب الوصية 2، 1-باب الوصية بالثلث . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث سعد بن أبي وقاص حول الوصية بالثلث، حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التصدق بجزء من ماله أثناء مرضه. يُبين أن الوصية بالثلث جائزة وأنه يُعتبر كثيرًا.
يتناول شرح حديثين نبويين يتعلقان بالوصية والهجرة، ويستخلص منهما مسائل فقهية مهمة، منها عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث واستحباب تقليلها إلى الربع. كما يتناول أحكام الهجرة وعدم جواز الرجوع إلى البلد المهجر إلا للضرورة.
يذكر عدة مسائل مستفادة من حديث سعد بن أبي وقاص، منها دلائل صدق نبوة النبي وفضل سعد، وجواز التصدق بثلث المال إذا كان كثيرا وللورثة قليل. كما يشير إلى أن ترك المال للورثة الأغنياء قد يكون أفضل من التصدق به في بعض الحالات.
يؤكد على استحباب الوصية والتعجيل بها، خصوصا لمن كانت عليه أو له حقوق، كما ورد في حديث ابن عمر. هذا أهم ما يذكر من مسائل الحديث.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الوصية بالثلث. قال: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فقلت: بالشطر؟ فقال: لا. ثم قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك. قلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة». قال: أخرجه البخاري بكتاب الجنائز، باب رث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب والحديث في سياق ذكري لأحكام الوصية في الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، وعلى قاعدته فالتبويب ما بويب على صحيح مسلم، والحديث لفظه لفظ الإمام البخاري. وهذا اللفظ أخرجه الإمام البخاري بهذا اللفظ في السياق في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن الشهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، فذكر الحديث بلفظه. وقوله: باب الوصية بالثلث، أي: هذا مدخل لمعرفة حكم الوصية بالثلث، أي: وأنه كثير. ولهذا أورد بعده حديث عبد الله بن عباس، فقال: حديث بن عباس رضي الله عنهما قال: «لو أضى الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير». أخرجه البخاري بكتاب الوصية، باب الوصية بالثلث. وقد أخرجه من طريق شيخه قتيب بن سعيد، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا قتيب بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكر الحديث بلفظه. وفي هذين الحديثين مسائل، من أهمهما ما أشار إليه في التبويب. ففي هذين الحديثين الوصية بالثلث، وأنه كثير، أي: لا يجوز أن تكون الوصية بأكثر من الثلث. بل فيه أنه لو عدل الناس عن الثلث إلى الربع لكان أفضل. وبهذا جاء الأثر عن ابن عباس في قوله: «لو غض الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير». ففيه استحباب غض الناس الوصية من الثلث إلى الربع، وفيه كذلك ما تقدم من عدم جواز الوصية بأكثر من الثلث. ويدل على هذا الإلزام والوجوب ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أعتق ستة أعبد فردهم عليه، فاعتق اثنين وأبقى الأربعة. وهذا يدل على تطبيق هذا المعنى في الوصية بالثلث. وفيه كذلك من المسائل ومسائل الحديثين كثيرة. وقد مر معنا قريبا في التعليق على تيسير العلام الكلام على الكثير من المسائل، لكن يذكرها هنا أهمها. فمن أهم هذه المسائل: فيه شيء من أحكام الهجرة، وأن من هاجر من بلد لم يجز له الرجوع إليها والمكوث فيها إلا بقدر الحاجة التي يؤذن له بمثلها شرعا. وهذا الحديث دليل عليه، خصوصا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة». وقد اختلف أهل العلم: رثى النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: هل لكونه مات بمكة وإن كان له عذر، أم لكونه مات وليس له عذر؟ قال بعض أهل العلم بالأول، وهو قول الأكثرين من شراح الحديث. وقال بعضهم: بل لأنه مات من غير عذر، أي: في المكان الذي هاجر منه. وذكر الطبر رحمه الله أن سعد بن خولة مات في السنة الخامسة -يعني بعد الحديبية-، وأنه رجع إلى مكة في غير حج ولا عمرة، فمات بها. ولهذا أعذر النبي صلى الله عليه وسلم سعدا ها هنا، وبين له أنه إن تخلف فهو في عمل صالح ما دام على وجه يعذر في مثله. ولهذا قال: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله... إلى أن قال: إنك لن تخلف تعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة». وهذا الثاني القول الثاني الذي حكاه الطبر رحمه الله يحتاج إلى إسناد صحيح صريح يدل على صحة هذا الخبر، والله أعلم بصحته. وهكذا كذلك في الحديث من المسائل: دليل من دلائل صدق نبوة ورسالة عليه الصلاة والسلام؛ إذ أخبر أن سعدا رضي الله عنه سيعمر حتى ينتفع به أقوام ويضر به آخرون، فوقع بمثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، ففتح الله عز وجل على يديه -ومن معه من إخوانه من الصحابة رضي الله عنهم- بلاد فارس. وهكذا كذلك فيه من المسائل: فضل سعد رضي الله تعالى عنه. وفيه من المسائل كذلك: جواز التصدق بإخراج الثلث أو أقل لمن كان له مال كثير؛ لقوله: «وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة». كما أنه يفيد كذلك إلى أمرين آخرين: أن من كان له شيء من المال وليس كثير، فترك المال لورثته خير له من أن يخرج هذا المال. ولهذا لما سئل بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الوصية، فسأل: كم ترك؟ قال: إنما قال الله عز وجل: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولم يترك خيرا، وإنما ترك مالا قليلا. وهكذا كذلك الأمر الآخر: أن من ترك مالا كثيرا، ولكن له ورثة كثر، فترك المال للورثة الكثر -ما دام أن ذلك أنفع لهم- خير من التصدق بثلثه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، أي: يسألون الناس بأكفهم. وفي قوله: «ولا يرثني إلا ابنة» تأكيد لهذا المعنى؛ لأنه بين أن المال كثير والورثة قليل. ومفهومه: لو كان المال كثيرا والورثة كثير، لكان تركه لهم أحب وأفضل، والأقربون أولى بالمعروف. وروي نحو هذا في قصة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن رجل ترك عيالا ومالا كثيرا، فأشارت إليهم أن يدعوا المال للورثة. وهكذا كذلك فيه من المسائل: استحباب تفقد المسلم لنفسه في ماله، وهكذا كذلك أهله بما يكون به ذخرا يوم القيامة. فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتهيئون للانتقال إلى الدار الآخرة، فإذا وجع أحدهم وجعا اشتد به، تفقد أمر مال المال، وكذلك الحقوق ونحو ذلك. ولهذا استحب الشرع الوصية والتعجيل بها، خصوصا لمن كانت عليه أو له حقوق، كما تقدم الكلام عليه في حديث ابن عمر. هذا أهم ما يذكر من مسائل الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.