الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 66، الدرس السادس والستون:من( قال مسلم رحمه الله:حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة ... "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الفاسقون"في الكفار كلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي الحديث قصة تحريف اليهود لشرع الله في حد الزاني، ونبي الله صلى الله عليه وسلم يعيد الأمر بالرجم. يبين الحديث دلائل نبوة النبي وتحريف اليهود لشرع الله وعقوبة من يغير أحكام الله.
المقطع يبين خطورة عدم التحاكم إلى شرع الله واتباع الأعراف الجاهلية بدلاً منه، وقد يكون ذلك كفرًا أصغر أو ظلمًا عظيمًا. كما يوضح أهمية العدل في تطبيق شرع الله.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعددة منها الكذب وكفارته، قضاء الصيام، وحدود الطاعة للوالدين، والتصريح بالعجز عن تلبية طلبات قد تضر دين المسلم. يشدد على أهمية التوبة والتوكل على الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين»: في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة» قال: قال مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي معاوية. هذا هو: ويحيى بن يحيى وابن أبي شيبة -عبد الله بن محمد بن إبراهيم من عثمان العبسي، كوفي أصله من اليمن- عن أبي معاوية، عن أبي معاوية قال: يحيى أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير التميمي السعدي الكوفي، أصله من نجد، قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران الإمام المعروف، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محممًا وجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾. قال: يقول: ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروه. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الكفار كلها. قال شيخنا، رحمه الله: أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره لبعض ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الغيب مما كان معاهل الكتاب وغيرهم. ووجه الدلالة في هذا الحديث كونه عليه الصلاة والسلام استحلف هذا اليهودي أن هذا ليس هو ما أنزل الله في كتابهم، أي التوراة، فاعترف هذا اليهودي. وفي الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها فيه أولًا: دليل من دلائل نبوة وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، فإن مثل ذلك لا يعلمه إلا نبي أو من أخبره نبي. وفيه كذلك من المسائل: بيان قليل من كثير من تحريف اليهود وأهل الكتاب لشرع الله، كيف أنهم غيروا شرع الله فبدلوا الأحكام. وهذا موجب أن من غير كتغييرهم وبدل كتبديلهم فله حكم كحكمهم، فمن غير شيئًا من شرع الله وجعل غيره شرعًا لله، فإنه يلحقه ما لحق أولئك اليهود. ومن ذلك هذا الحكم، وهو عام في كل حكم من أحكام الله إذا حصل فيه التغيير والتبديل ونسبته إلى دين الله. وأما إذا كان على اعتراف بأنه حكم لله ولكنه لشهوة ولدنيا ولمعنى من هذه المعاني لم يحكم، فإنه يكون فاسقًا وظالمًا وكافرًا كفرًا دون كفر، ليس كفرًا أكبر. هذا هو فهم السلف من الصحابة ومن بعدهم، وهو المنقول كذلك معناه في نصوص الكتاب والسنة. فإنه لا فرق فيمن لم يحتكم في قضية أو قضيتين، وكون هذه القضية في الأمور المدنية كما يقال أو في غيرها من الأمور الأخرى. فإنه قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن في اختلاف الزبير والرجل الأنصاري في الماء، أنزل الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ بإجماع أهل العلم. الآية لا تدل على كفر هذا الأنصاري، بل تدل على نقص في الإيمان لعدم احتكامه للشرع، ولكنها لا تدل أبدًا على الكفر. فإذا كان كذلك، فوقوع بعض المسلمين رعاة أو مرعيين في عدم الحكم بما أنزل الله ليس جحودًا ولا تفضينًا لغيره، ولا كذلك تغييرًا لشرع الله ونسبته إلى دين الله، هذا ليس بكفر، ولكنه أكبر من الكبائر، يسمى كفرًا دون كفر، أي كفر أصغر، وظلم عظيم، وفسق عظيم. وأما كون الآيات نزلت، فهي نزلت أولًا في أهل الكتاب، فمن فعل مثل فعلهم، غير شرع الله ونسبه إلى دين الله كما فعل اليهود، فهو كافر كفر أكبر، وهو ظالم ظلم الكفر، وفاسق فسق الكفر. وأما إذا كان عن تقصير رغبة ورهبة، فهذا كفر دون كفر. وهذا الفهم هو الذي يجب المصير إليه، كما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، وهو فهم سلف الأمة. فقد روي عن ابن عباس وجماعة من السلف ما يدل على هذا المعنى. وفيه كذلك من المسائل: بيان خطورة عدم العدل، فإنه يفضي ربما إلى الكفر، كون أن المرء فيه نزعة جاهلية، فيفرق بين الشريف والوضيع. هذا مدعاه أن يستدرجه الشيطان فيقع في الكفر كما وقع اليهود. اليهود عندهم عزة بالإثم، وهذا من أعظم صفاتهم، فهم دائمًا يرون أنفسهم فوق الناس، وفيما بينهم كذلك يتعالى بعضهم على بعض. وهذه الصفة الذميمة كانت من أعظم أسباب وقوعهم في الكفر، دفعتهم لأن يجحدوا شرع الله وأن يغيروا ويبدلوا دين الله وأن يتلاعبوا بآيات الله، فوقعوا في الكفر والعياذ بالله. وهكذا من تشبه بهم ربما وقع في مثل ذلك، كبعض الجاهليين من الأعراب، ومن كان أمثالهم من مشائخ القبائل، تأخذهم العزة بالإثم أن يمضي شرع الله على الشيخ وعلى غير الشيخ، وعلى الشريف وعلى الوضيع، وعلى القبيل كما يقال وعلى غير القبيل. فإذا كان كذلك فروا من هذا إلى تلك الأعراف التي يتحاكمون بينها فيما بينهم، ربما يسمى أسلاف أو يسمى حكم الحكامة أو أعراف أو غير ذلك، وهم يريدون بهذا إبعاد النقص والمذمة عن الشريف، فجعلوا حكمًا ليس فيه إهانة للشريف كما يزعمون، وفي نفس الوقت فيما يظهر إنصاف الوضيع. وهذا الجنس ما عند اليهود، فتجدهم إذا زنوا لا يرجمون ولا يجلدون، ولكن يقولوا: يحكم الحكم، وما هو حكم الحكم؟ أموال، أحكامهم كلها بالأموال، وغالبها يستطيعها من الشريف ولا يستطيعها الضعيف. وهذا من جنس من فعل اليهود، ولهذا قضى بعض أهل العلم بأن مثل هذا قد يكون كفرًا بعد قيام الحجة على من أبلغ شرع الله وأحكام الله. فكونه يصر على ذلك ويجعل هذا الحكم كالقانون يرجع إليه، هذا خطر يخشى منه أن يصل إلى الكفر. والواجب أن يحتكم الجميع إلى شرع الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل: ما يجب أن يعتني به ولي الأمر المسلم من إقامة شرع الله في بلد الإسلام على المسلم والكافر، على المسلم والكافر. فلا يجوز للكفار أن يظهروا شعائر الكفر في بلاد الإسلام، كونهم أنهم كفار وأقروا على بقائهم على كفرهم في بلاد الإسلام بجزية أو أمان أو عهد، لا يعني ذلك أنهم يظهروا شعائر الكفر. ولهذا ذكر العلماء كتبًا في أحكام أهل الذمة، وهو من الفقه الذي ينبغي أن يعتن به من قبل ولاة الأمور ومن حولهم من البطانة ومن يصل إليهم من أهل العلم وغيرهم. فإن معرفة أحكام أهل الذمة سبب في الحفاظ على الخير لأهل الإسلام، وتغيير شيء من هذه الأحكام ربما يكون سببًا ومدعاة لتسلط أعداء الدين على المسلمين أو العكس، إيجاد النفرة والشحناء والبغضاء والعداوة والخيانة، وكل ذلك خطأ. والصواب هو سلوك المسلك العدل الوسط الذي معناه في كتاب الله وسنة رسوله، وطبقه سلف الأمة. وأخيرًا فيه من المسائل كذلك: بيان أن هذه الآيات الثلاث نزلت في الكفار. وفي هذا رد على دعاة التكفير الذين يزعمون أن هذه الآيات في حق المسلم. وكما نرى الحديث في الصحيح مسلم، ويقول البراء بن عازب، ويرويه مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها في الكفار كلها. هذا السائل يسأل، يقول: أنا شاب، لساني دائم الكذب، لا أدري لماذا؟ فما هو الحل؟ وما هي كفارة الكذب؟ علمًا بأنني لا أستطيع الصوم. الكفارة: التوبة الصحيحة المستوفية لشروطها. والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. والمسلم ينبغي عليه أن يعود نفسه على الصدق، ويأخذ أسباب ذلك. ومن أسباب ذلك: أنه يجتنب أولًا أسباب الكذب، فإن كان يحب الفخر والمدح فليربي نفسه على التواضع حتى لا يحتاج إلى الكذب. وإن كان كذلك يفعل الكذب لنقص في حياته، فليكمل هذا النقص حتى لا يحتاج إلى الكذب. وهكذا ينظر أسباب الكذب، لماذا هو يكذب؟ فيكمل هذا النقص حتى يستغني عن الكذب. ثم يذكر نفسه بعاقبة الكذب في الدنيا من الفضيحة والإهانة، ومن عاقبته في الآخرة من عذاب الله عز وجل وسخطه. وهكذا كذلك يستعين بالله عز وجل، ويأخذ بالأسباب التي تعين على الصدق من التخلق بالأخلاق الحسنة، كالحرص على وفاء بالوعود، والحرص كذلك على الأمانة، والعمل المتقن حتى لا يحتاج إلى الكذب. وهكذا كذلك يتخذ له رفقة صالحة لا تعينه على الكذب، حتى إذا رأوه كذب قوموه. يقول: لدي قضاء من رمضان الذي مضى، وهو تقريبًا أربعة أيام، فهل لي من حل؟ حيث أنني لا أستطيع الصوم. إذا كنت مريضًا فصوم متى ما تيسر، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وإن تيسر لك مال أطعمت. إن كنت لا تستطيع الصوم، ما دمت صمت 26 يومًا من رمضان، فإن شاء الله لن تعجز عن صيام أربعة أيام في سنة. كونك صمت 26 يومًا من شهر، فلا أظن أنك تعجز عن صيام ثلاثة أو أربعة أيام من سنة كاملة باقية عبارة عن 11 شهرًا. والإنسان إذا حتى نفسه على الخير تقوت ونشطت. يقول: أنا شاب أعمل لدي جهة عمل معينة، وكنت آخذ من مال هذه الجهة دون علم صاحب هذه الجهة، حتى وصل المال إلى 20 ألفًا، فما هو الذنب؟ وما هي الكفارة؟ الكفارة: أن تتوب لله عز وجل فيما بينك وبين الله، وترجع هذا المال، وهذا واجب. يقول: أنا لا أستطيع دفع هذا المال، ولا أستطيع أن أتكلم مع صاحب جهة العمل. الواجب عليك أن ترد هذا المال، وتحرص على التعجيل به. فكل يوم يمضي وأنت تتساهل في أدائه، تكتب لك خطيئة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مطلو الغني ظلم»، مماطلة الغني من الظلم. فأنت كل يوم وأنت نائم، وأنت قاعد، وأنت ماش، وأنت تضحك، وأنت حزين، في كل الأوقات والأحوال تكتب لك سيئات، ما دمت متساهلًا في أداء هذا الدين. ولن تعجز عن أدائه، لو فرغت نفسك شهرًا واحدًا تعمل فيه بجد، فترد له ما هو له. وليس من شرطه أن تواجهه، ربما ترسل له بظرف أو غير ذلك. يقول: إن قال لي أبي: اذهب اشتري لي قات. وقال لي: أنا أصرف عليك. وأنا ماذا سوف يكون حالك؟ تذهب أو لا تذهب؟ الجواب: لا تذهب. إنما الطاعة المعروفة. فإن خشيت من الأب أن يقع بينك وبينه شيء، ففي المعاذير مندوحة عن الكذب. وإلا الأفضل تصرح له، تقول له: أنا ما أستطيع أفعل هذا، هذا شيء يضرني في ديني. والإنسان إذا اتقى الله يجعل الله له فرجًا ومخرجًا.